; المستشرقون اليهود في الغرب ومحاولات هدم الحضارة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان المستشرقون اليهود في الغرب ومحاولات هدم الحضارة الإسلامية

الكاتب صلاح الصيفي

تاريخ النشر السبت 13-أكتوبر-2007

مشاهدات 65

نشر في العدد 1773

نشر في الصفحة 36

السبت 13-أكتوبر-2007

انطلق عدد كبير من المستشرقين اليهود في مختلف ميادين الدراسات الشرقية، وساهموا بجهد فعال في الترويج لكثير من النظريات والأفكار المعادية للحضارة الإسلامية، وركزوا طاقاتهم على الدراسات الشرقية من أجل فهم المكون الشخصي للإنسان العربي، والكشف عن خبايا الدين الإسلامي الذي يمثل دين معظم سكان الشرق.

ولم يعمل اليهود داخل الحركة الاستشراقية بوصفهم يهوداً، بل عملوا على انتحال الصفة الغربية في كتاباتهم، واتخاذ الجنسية الغربية كبديل عن الجنسية الإسرائيلية في بحوثهم ودراساتهم، وبهذا استطاعوا أن يكيفوا أنفسهم ليصبحوا عنصرًا أساسيًا في إطار حركة الاستشراق الأوروبية النصرانية. وبذلك كسبوا مرتين، فرضوا أنفسهم على الحركة الاستشراقية وحققوا أهدافهم في النيل من الإسلام.

استشراق مبكر

وكانت بداية الاستشراق اليهودي على موائد الاستشراق الأوروبي، والذي ساهم في خلق المفاهيم والرؤى السلبية تجاه المنطقة العربية والإسلامية، وبهذه الرؤية السلبية، انطلق اليهود في استشراقهم وتميزوا عن الاستشراق الأوروبي في طبيعة عملهم.

فركزوا على ما يسمى بـ «الإرث العبري» وحاولوا نقل هذه الفكرة إلى داخل العقلية الأوروبية، باعتبار اليهود جزءًا من الشرق وأن إعادتهم إليه مسألة أخلاقية، ولا توجد فيها دوافع استعمارية، خصوصًا مع بروز التيار البروتستانتي ومحاولات تأكيد الرؤية التوراتية للمنطقة.

لذلك كانت الأبحاث الاستشراقية اليهودية في تاريخ العرب وجغرافيتهم هي مهمة ذات بعد صراعي، يستخدم فيها التاريخ بمدلولاته، وتستخدم الدراسات بعد تزييفها في معظم الأحيان، كأداة لبناء منظومة من الرؤى والمفاهيم ومحاولة تصديرها على أنها حقائق تاريخية ثابتة.

لذلك سعى المستشرقون اليهود إلى فكرة ربط اليهود بالمنطقة العربية وتحديدًا فلسطين، فعملوا على توجيه الاستشراق الغربي نحو هذا الهدف من خلال رسم هيكلية المنطقة العربية والإسلامية وفق المنظور الاستشراقي اليهودي، رغبة منهم في أن يسير الاستشراق الغربي على خطى الاستشراق اليهودي، حيث عمل المستشرقون اليهود على استحضار عوامل صراع شرقي - غربي بغرض حشد الغرب إلى جانبهم. واستخدمت في ذلك آلاف المطبوعات الصادرة باللغتين الإنجليزية والفرنسية وخصوصاً في السنوات الأخيرة، والتي تصل بسهولة ويسر للباحثين الغربيين في سنوات دراستهم الأولى مما يجعل التحرر من هذه الأفكار أمراً صعبًا.

وعلى هذا الأساس يأتي الاستشراق اليهودي ليكون مكملًا لما بدأ به الاستشراق الغربي، ثم ليعمل على إدماج النتائج المعرفية في شؤون العرب والمسلمين وفق مسار محدد يراد من خلاله المنطقة برمتها وجعلها في أذهان الأوروبيين والغرب عمومًا خلاف ما هي عليه، في محاولة إثبات ما يسمى استمرارية التاريخ اليهودي في فلسطين وحولها تحديدًا.

"عندما سقطت القدس عام 1967م دخلها وزير الدفاع الصهيوني «موشي دايان»والحاخام الأكبر شلومو غورين قائلين: اليوم فتحت الطريق إلى بابل ويثرب"

تطور الاستشراق

وبعد نكبة عام 1948م تطور الاستشراق اليهودي تطورًا كبيرًا، فلم تعد الأهداف الصهيونية محاولة إثبات ما يسمى التاريخ اليهودي فحسب، بل تعدى ذلك إلى دراسة التاريخ والجغرافيا والعادات والتقاليد وكل ما أمكن عن المنطقة.

وإذا كان الاستشراق الغربي قد تركز حول مساعدة المؤسسات الغربية على تحقيق طموحاتها وتطلعاتها في الهيمنة فإن الاستشراق اليهودي تجاوز ذلك، ليجعل المنطقة برمتها تحت أنظاره، فالاستشراق الصهيوني اليوم يدرس أحوال المسلمين من ماليزيا وحتى تركيا وإفريقيا، ناهيك عن أحوال العرب المسلمين.

وفي الفترة الأخيرة، زحف الاستشراق اليهودي الجديد ليحل محل الاستشراق التقليدي فحولوا الاستشراق إلى استخبارات في الميادين الإستراتيجية كافة لتمكين الكيان الصهيوني من الاستمرار في تحقيق التفوق. ويعكس ذلك الطبيعة العنصرية لهذا الكيان الذي يستخدم الجوانب المعرفية لتحقيق السيطرة والهيمنة على المنطقة برمتها.

سر إقبال اليهود على الاستشراق

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما الأسباب التي دفعت بعض اليهود إلى الإقبال على الاستشراق بهذه الصورة؟ وما الدور الذي قاموا به في إطار الحركة الاستشراقية؟

تشير الوقائع التاريخية إلى أن دخول اليهود مضمار الاستشراق كان بدافع عرقي قديم لم يكن وليد القرون المتأخرة، وأن اليهود يتطلعون إلى العودة إلى خيبر والمدينة المنورة عن طريق القدس والجليل.

فعندما سقطت القدس في أيدي اليهود عام 1967م، دخلها وزير الدفاع - آنذاك - موشي دايان مع الحاخام الأكبر شلومو غورين، وبعد أن أدى صلاة الشكر عند حائط البراق الشريف قال: «اليوم فتح الطريق إلى بابل ويثرب».

وتقول رئيسة الوزراء السابقة جولدا مائير: «إني أشم رائحة أجدادي في خيبر» ويقول هرتزوغ لامرأة مسلمة ضيق عليها اليهود الخناق حتى هدموا دارها بالجرافات فآثرت الرحيل إلى المملكة العربية السعودية حيث أبناؤها: إذا رأيت الملك فيصل فقولي له: إننا قادمون إليه، فإن لنا أملاكًا عنده، إن جدنا إبراهيم هو الذي بنى الكعبة، إنها ملكنا وسنسترجعها بالتأكيد».

ومن هذا المنطلق يسعى اليهود للوصول إلى هذه الأهداف مستخدمين وسائل شتى، من ضمنها الاستشراق؛ لذا لم تغفل الجامعات اليهودية الدراسات الإسلامية والعربية، وجعلتها أقسامًا مستقلة فيها، بل هي الآن وبحكم قربها من العالم العربي والإسلامي أكثر تأثيراً من مراكز ومعاهد الدراسات العربية والإسلامية في البلاد الأخرى، وتتاح لها من الظروف والإمكانات ما لا يتاح لغيرها.

وقد حاول المستشرقون اليهود في البدايات الأولى للاستشراق التكتم على انتمائهم اليهودي ونظروا إلى أنفسهم وأرادوا الآخرين أن ينظروا لهم على أنهم مستشرقون فحسب، وقل منهم من صرح بيهوديته.

"بعد نكبة ١٩٤٨ تطور الاستشراق اليهودي فلم يعد يقتصر على إثبات التاريخ اليهودي، بل دراسة تاريخ وجغرافيا وكافة شؤون المنطقة العربية"

ادعاءات كاذبة

ويأتي اتجاه اليهود نحو الاستشراق في البدايات فقط إلى الشعور السامي لديهم وأنهم والعرب - منشأ الإسلام - يعودون إلى أصول واحدة، فدرسوا العبرانية في البداية وجرتهم دراسة اليهودية إلى دراسة الإسلام عندما أرادوا أن يبرزوا الأثر اليهودي على الإسلام كما أراد المستشرقون المسيحيون إبراز الأثر المسيحي على الإسلام.

ويرجع د. محمد البهي في كتابه "الفكر الإسلامي الحديث" إقبال اليهود على الاستشراق لأسباب دينية وسياسية، أما الأسباب الدينية فإنها تتمثل في محاولة إضعاف الإسلام والتشكيك في قيمه بإثبات فضل اليهودية عليه، وذلك بادعاء أن اليهودية في نظرهم هي مصدر الإسلام الأول، وأما الأسباب السياسية فإنها تتصل بخدمة الصهيونية فكرةً أولًا ثم دولةً ثانيًا.

ويرى الدكتور البهي أن وجهة النظر هذه، على الرغم من أنها لا تعتمد على مصدر مكتوب يؤيدها، فإن الظروف العامة والظاهرة المترادفة في كتابات هؤلاء المستشرقين تعزز وجهة النظر هذه وتضفي عليها بعض خصائص الاستنتاج العلمي.

ويأتي القرآن الكريم بالدليل القاطع على إثبات كراهية اليهود للإسلام. وقد أكد القرآن ذلك في قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (المائدة: 82).

فعن طريق أجهزة الإعلام بوسائلها المختلفة استطاع اليهود أن يخدموا قضيتهم المزعومة، ويؤثروا في الرأي العام العالمي والغربي بصفة خاصة، مما يسر لهم أن يضمنوا دعمًا أكبر لمخططاتهم، وتحكماً أوسع في مقدرات الشعوب، وقد أفصح اليهود أنفسهم عن هذا الأمر بقولهم: "الأدب والصحافة قوتان تعليميتان كبيرتان وستصبح حكومتنا مالكة لمعظم الصحف والمجلات."

التهمة بمعاداة السامية

لقد أضحى مفهوم السامية يعني اليهود الصهاينة، والذين يديرون السياسة الإسرائيلية من دون غيرهم، وبناء عليه أصبح كل من يخالف سياسة الدولة الصهيونية يُرمى باللاسامية. ويقول رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بيجن: "لا يمكن أن نضع حداً فاصلاً بين إسرائيل والصهيونية وبين العداء للسامية."

وبذلك أصبحت اللاسامية تهمة يخشاها الغربيون على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية، والأمر عينه انطلى على المستشرقين الذين أضحوا يتجنبون آثارها، بل إثارة كل ما من شأنه أن يوقعهم في هذه التهمة.

وحسبنا أن نشير هنا إلى ما صرح به المستشرق اليهودي الفرنسي مكسيم رودنسون حين قال: "إن مسألة التطرف اليهودي أو القضية الفلسطينية من المسائل التي تؤدي بصاحبها إلى أن يُرمى باللاسامية ومعاداة اليهود، وهذه تهمة خطيرة داخل المجتمع الأوروبي."

ويقول المستشرق اليهودي الأمريكي برنارد لويس: "إن مكافحة السامية في أوروبا أعطت اليهود سببًا جديدًا للميل إلى القومية اليهودية."

الآثار المباشرة

يعمل اليهود حاليًا على تبني كل الدراسات الاستشراقية ذات الطبيعة العدائية للإسلام والعروبة من خلال نشرها وتعميمها، وتشجيع أصحابها، وتقديم المعونة لهم، والهدف من ذلك كله هو إسكات كل الدعوات التي تنادي بضرورة اعتدال النظرة الغربية تجاه الإسلام والمسلمين.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل حاول المستشرقون اليهود البحث عن دور اليهود في الجزيرة العربية واستيطانهم فيها وعلاقاتهم بالعرب وغيرهم ممن عاشوا فيها، في محاولة جادة لتزوير وقائع التاريخ وأحداثه، وتحريف النصوص المقدسة.

برنارد لويس نموذجًا

وعند الحديث عن المستشرقين اليهود في الغرب، فإن أعدادهم كثيرة وتواجدهم في جميع الدول الغربية. ويمكننا هنا أن نقدم نموذجًا لهم في الغرب وهو المستشرق برنارد لويس، الذي وجه تخصصه في التاريخ الإسلامي لخدمة الدراسات اليهودية والبحث في المسائل التي تخص اليهود في العالم الإسلامي، وأصدر العديد من الدراسات التي ترصد أوضاع اليهود ومنها كتابه "اليهود في الإسلام" الذي حاول فيه أن يجعل لليهود دورًا في بناء الحضارة الإسلامية فضلًا عن إيجاد دور لهم في بناء الدين الإسلامي نفسه، ومن دراساته كذلك دراسة الوثائق التي تخص الوجود اليهودي في الدولة العثمانية وفي فلسطين بالذات.

تأثير الظروف السياسية العالمية

ومن منابع فكر المستشرقين اليهود التأثر بالظروف السياسية العالمية، فقد تأثر لويس بما شهده من آثار الحرب العالمية الثانية وظهور حركات التحرر في العالم وبخاصة في العالم الإسلامي واستقلال معظم دوله، مما جعل المستشرقين، وبخاصة اليهود، يركزون على دراسة قضايا معينة في فكر الأمة الإسلامية وعقيدتها ودراسة أسباب تحررها والتركيز على دراسة الخلافة، ظهورها وأسباب انهيارها، وكذلك دراسة الفكر السياسي في الإسلام.

كما اهتم المستشرقون، وبخاصة لويس، بظهور تركيا الحديثة والحركة العلمانية فيها التي أدت إلى تغريب تركيا، واهتم المستشرقون اليهود بالصحوة الإسلامية ونبهوا إلى ما تصوروه من خطر سيواجه الغرب، ومن هؤلاء بالإضافة إلى برنارد لويس "دانيال بايبس" و"ناداف سافران" الذي خطط لإقامة ندوة عن الحركات الإسلامية في جامعة هارفارد بتمويل مشترك مع المخابرات المركزية الأمريكية لولا افتضاح أمره قبل انعقاد الندوة بقليل. ومن هؤلاء المستشرق اليهودي المتخصص في المغرب العربي - إيمانويل سيفان.

 المستشرقون اليهود الغربيون نجحوا في نقل مسألة الإرثالعبري إلى العقلية الأوروبية باعتبار اليهود جزءًا من الشرق وأن إعادتهم إليه مسألة أخلاقية لا استعمارية

الرابط المختصر :