; المستقبل شديد التعقيد: الهدنة ماتت.. وخريطة الطريق تلفظ أنفاسها | مجلة المجتمع

العنوان المستقبل شديد التعقيد: الهدنة ماتت.. وخريطة الطريق تلفظ أنفاسها

الكاتب عاطف الجولاني

تاريخ النشر السبت 30-أغسطس-2003

مشاهدات 56

نشر في العدد 1566

نشر في الصفحة 24

السبت 30-أغسطس-2003

الكيان الصهيونيحكومة أبو مازن وصلت إلى نهايتها ولن نكترث لسقوطها

خطة «ضرب الرؤوس» لتصفية قادة حماس

حماسالردع والرد بعمليات كبرى على كل عملية اغتيال للقيادات.. ولن نفوت أي جريمة دون عقاب

التساؤل الأهم الذي يطرحه المراقبون للوضع السياسي في المنطقةماذا بعد سقوط الهدنة، وما المتوقع في الأيام القادمة بعد أن فتحت أبواب المواجهة على مصراعيها بين الكيان الصهيوني وحركات المقاومة؟

حركة حماس التي كانت تدرك من البداية أن شارون لن يلتزم بشروط الهدنة، حذرت الصهاينة من مغبة التفسير الخاطئ لدوافع مبادرتها التي أكدت أنها لم تنطلق من حالة ضعف أو عجز كما توهم وزير الدفاع شاؤول موفاز الذي تسرع في إعلان تحقيق كيانه الغاصب انتصارًا على الانتفاضة والمقاومة وشددت الحركة على أن وقف إطلاق النار المشروط والمؤقت جاء استجابة الجملة من المعطيات، ولا يعني أبدأ إنهاء خيار المقاومة الاستراتيجي.

وخلال الأسابيع الماضية أدارت حماس معركة الهدنة بكفاءة عالية، حيث شكلت لجنة خاصة لرصد الانتهاكات الإسرائيلية، وزودت الأطراف المعنية في الجامعة العربية ومصر والاتحاد الأوروبي أولًا بأول بخروقات حكومة شارون للهدنة، والتي أكدت الحركة أنها تجاوزت الـ ۹۰۰ اختراق، وحين شعرت الحركة بأن شارون أساء تفسير دوافعها لإعلان مبادرة الهدنة وراح يستغل حالة وقف إطلاق النار لتصعيد جرائمه بحق كوادر المقاومة وأبناء الشعب الفلسطيني، قررت تلقين شارون درسًا قاسيًا ينسف الأوهام التي روجها موفاز حيث نفذ المجاهد القسامي رائد مسك عملية استشهادية موجعة في قلب القدس، أسقطت ۲۰ قتيلًا و ١٣٦ جريحًا في واحدة من أقوى العمليات الاستشهادية التي شهدتها الشهور الأخيرة

سياسيون صهاينة وصفوا عملية القدس بأنها عملية استراتيجية، شكلت تحولًا جوهريًا في قواعد اللعبة بين حماس وإسرائيل، ومع أن عددًا من هؤلاء السياسيين دعوا شارون إلى عدم التعجل في الرد على العملية، واستثمارها سياسيًا في تشديد الضغوط على السلطة الفلسطينية من أجل تنفيذ الخطوات العقابية التي أعلنتها قيادة السلطة بحق حركتي حماس والجهاد الإسلامي، فإن شارون الذي وقع عليه نبأ عملية القدس كالصاعقة لم يستطع التريث يومًا إضافيًا، وقرر الرد بجريمة اغتيال استهدفت المهندس إسماعيل أبو شنب القيادي السياسي في حماس

وعلى الفور أعلنت جميع حركات المقاومة بصورة رسمية إنهاء الهدنة، وتوعدت إسرائيل بردود مؤلمة، وأكد العديد من المحللين السياسيين الإسرائيليين أن مسألة وقوع عمليات تهز شوارع القدس وتل أبيب ليست سوى عملية وقت، وأن الأيام القادمة ستكون «عاصفة مضرجة بالدماء والنار وأعمدة الدخان في المدن الإسرائيلية».

 من جانبه أكد الشارع الفلسطيني انحيازه الكامل إلى جانب خيار المقاومة، وخرج نحو ١٥٠ ألفًا في شوارع قطاع غزة لتشييع جنازة الشهيد أبو شنب ومطالبة كتائب القسام والأجنحة العسكرية لحركات المقاومة بالثأر والانتقام لجريمة الاغتيال البشعة وهو ما شكل في رأي المراقبين استفتاء حقيقيًا لموقف الشارع الفلسطيني الذي واجهت حركات المقاومة صعوبة في إقناعه بتفهم قرار الهدنة المؤقتة عند إعلانه.

هدنة جديدة: السلطة الفلسطينية التي عولت على الهدنة من أجل تخفيف حدة الضغوط التي مارستها عليها تل أبيب وواشنطن، وجدت نفسها في مأزق حقيقي وموقف حرج للغاية بعد سقوط الهدنة وتصاعد المواجهة بين «إسرائيل» وحركات المقاومةحيث وقعت بين سندان المطالبات الشعبية لها بالوقوف في الخندق الفلسطيني لمواجهة الجرائم الإسرائيلية، ومطرقة ضغوط الإدارة الأمريكية وسلطات الاحتلال لتنفيذ استحقاقات خريطة الطريق التي تطالبها بقمع حركات المقاومة.

ولتلافي الضغوط والتبعات الخطيرة التي ترتبت على تصاعد المعركة بين حماس و«إسرائيل»، دعت السلطة إلى بلورة اتفاق هدنة جديد بوساطة أمريكية تكون إسرائيل، هذه المرة طرفًا فيه.

لكن مصادر مقربة من شارون قالت للمرة الأولىإن الحكومة الإسرائيلية لم تعد تكترث بمستقبل حكومة «أبو مازن» وأكدت أنها مصرة على المضي في خططها ضد حركات المقاومة، حتى لو أدى ذلك إلى سقوط أبو مازن ودحلان.

 وكشف الخبير الاستراتيجي الإسرائيلي زنيف شيف النقاب عن أن المجلس الوزاري لحكومة شارون ومجلس الدفاع ناقشًا عقب عملية القدس، أخطار الرد «الإسرائيلي» على مستقبل حكومة «أبو مازن» وقالإن هذه المسألة كانت إحدى المسائل المركزية التي طرحت في المداولات المطولة، وأكد أن الحكومة الإسرائيلية، قررت في النهاية أن وردها على عملية القدس الصعبة يجب أن يكون قويًا دون الاكتراث بكيفية تأثيره على مستقبل حكومة أبو مازن «إسرائيل» لن تتراجع عن خططها الميدانية التنفيذية حتى وإن سقطت الحكومة الفلسطينية

وتقول المصادر الإسرائيلية، إن لدى السلطة الفلسطينية مخاوف من أن تؤدي إجراءات حقيقية تتخذها بحق حماس والجهاد إلى اندلاع حرب أهلية فلسطينية، وعللت ذلك بأن مكافحة حماس في الوقت الراهن لا تشبه ما كان عليه الوضع عام ١٩٩٦م حين شنت السلطة حملة قوية ضد الحركة، وحسب هذه المصادر ليس لأبو مازن إسناد حقيقي من الشارع، وحتى فتح ليست كلها إلى جانبه، وعرفات يجلس على الجدار، ولا يزال من غير الواضح إذا كانت الأجهزة الأمنية الموالية للرئيس ستنضم إلى الحملة، وفضلًا عن ذلك فإن حماس في اليوم أقوى بكثير مما كانت عليه في العام ١٩٩٦م.

خطة ضرب الرؤوس

وكشفت أوساط إسرائيلية صحفية عن أن حكومة شارون بلورت في الأيام الأخيرة الخطوط العريضة لخطتها في التعامل مع الوضع الفلسطيني على النحو التالي:

  1. ضغط عسكري مباشر على التنظيمات دون التمويل على السلطة الفلسطينية.

  2. مواصلة الضغط السياسي على السلطة الفلسطينية باتجاه قمع حركات المقاومة.

  3. ضرب قادة حماس وإبراز ذلك على أنه مساعدة للسلطة الفلسطينية لتسهيل قيامها بمهامها.

  4. التمسك الشكلي والدعائي بعملية السلام ويمنع انهيار حكومة أبو مازن التي لم تعد موضع ثقة القيادة الإسرائيلية ولا تعول أي توقعات عليها.

وقالت مصادر إسرائيليةإن «إسرائيل» وضعت بالفعل خطة لتصفية رموز حركتي حماس والجهاد الإسلامي أطلقت عليها اسم خطة ضرب الرؤوس». وجرى تحديد قائمة بأهم الرموز المنوي تصفيتها ووضعت على ورق لعب على غرار تلك التي وضعتها الإدارة الأمريكية في العراق على قائمة المطلوبين من رموز النظام السابق.

ونسبت صحيفة معاريف «الإسرائيلية» إلى كبار في الهيئة الأمنية الإسرائيلية العليا تبريرهم لاستهداف قيادات حركة حماس، حيث قالواإنه في ضوء حقيقة إلا شيء في حماس يحصل دون مصادقة من فوق، من أعلى فوق، تقرر في الجيش قطع رأس هذا الهرم وتحطيمه إلى شظايا.

لكن «إسرائيل» تدرك إن حربها ضد حركة حماس لن تكون سهلة، وقالت معاريفإن الهيئة الأمنية الإسرائيلية نصف حماس كإحدى المنظمات الهرمية الأكثر انضباطًا في العالم، ونقلت عن أحد الجنرالات الإسرائيليين قوله: حبذا لو كنا منضبطين هكذا في الجيش الإسرائيلي.

في المقابل تسعى حماس إلى تكريس أصول لعبة جديدة مع سلطات الاحتلال، أساسها الردع والرد بعمليات كبيرة على كل محاولة اغتيال يتعرض لها قادتها السياسيون وكوادرها العسكرية، وعدم تفويت أية جريمة يرتكبها الإسرائيليون بحق رموز الحركة، بهدف إجبار القادة الإسرائيليين على التفكير مطولًا قبل التورط في أعمال تصفية جديدة القيادات الحركة وفي هذا الصدد قال رائد مسك منفذ عملية القدس إن عمليته تأتي ردًا على اغتيال إسرائيل، لقائد حماس العسكري في الخليل وجنوبي فلسطين عبد الله القواسمي الذي اغتالته إسرائيل، قبل أيام من إعلان الهدنة.

احتمالات المرحلة القادمة

سياسيون «إسرائيليون» حاولوا قراءة احتمالات تطور المواجهة في المرحلة القادمة بين «إسرائيل» وحركات المقاومة، وطرحوا السيناريوهات الخمس التالية:

الأول: توجيه ضربة مؤلمة لحركة حماس واغتيال عدد من قادتها، يلي ذلك تدخل قوي من قبل الإدارة الأمريكية وأطراف دولية وإقليمية من أجل إعادة فرض الهدوء مجددًا.

الثاني: استقالة حكومة أبو مازن بسبب فشلها في تحمل مهامها، يتبع ذلك نهاية عرفات وابتعاده أو إبعاده عن مسرح الأحداث.

الثالث: تسريع عملية بناء الجدار الفاصل مع الفلسطينيين وتقليل فرص تنفيذ عمليات في المدن الإسرائيلية.

الرابع: جولة دموية من العنف والفعل ورد الفعل المضاد، لا يعرف أحد كيف تنتهي وأين تضع أوزارها.

الخامس: مسارعة الإدارة الأمريكية ومصر إلى التدخل من أجل وقف حالة التصعيد والمواجهة الدامية وإنقاذ خريطة الطريق من خلال الضغط على طرفي الصراع

وإذا كان الوضع على درجة كبيرة من التعقيد ومفتوحًا على كل الاحتمالات، فإن السيناريو الرابع يبدو مرجحًا خلال الفترة القصيرة القادمة، فمن المستبعد أن تسكت حركة حماس عن الثأر لعملية اغتيال أبو شنب وفي المقابل لا تستطيع إسرائيل، التزام الصمت، وسترد على النار بشار مقابل والضحية المتوقعة لجولة التصعيد القادمة ستكون خطة الطريق التي لا يشعر الشعب الفلسطيني بأي أسف على سقوطها، كما أن حركات المقاومة هي الأخيرة سترحب بإنهاء خريطة الطريق وستعتبر ذلك إنجازًا مهمًا.

أما أمريكا التي انشغلت خلال الأسابيع الماضية بمواجهة التحدي الأمني في العراق في ظل تصاعد أعمال المقاومة هناك، فستكون مضطرة لإعطاء اهتمام أكبر للوضع في الساحة الفلسطينية. المحلل الإسرائيلي «أليكس فيشمان» قاللقد نومت الهدنة الأمريكيين، لكن بعد ما حدث لن تتمكن الإدارة الأمريكية من إغلاق عيونها.

 

 

الرابط المختصر :