العنوان المسجد.. الذي كان محضن تربية ومركز إشعاع روحي
الكاتب كمال سالم عوض
تاريخ النشر الجمعة 23-يوليو-2004
مشاهدات 78
نشر في العدد 1610
نشر في الصفحة 56
الجمعة 23-يوليو-2004
للمسجد مكانته المعروفة في الإسلام منذ زمن بعيد، حتى إن النبي ﷺ أمر ببناء مسجد في طريقه إلى المدينة دار الهجرة وهو مسجد قباء، وبمجرد وصوله ﷺ إلى المدينة أمر ببناء المسجد ليكون قبلة للمسلمين ودار علم ومركز توجيه منه تنطلق الجيوش وترسل الوفود، وفيه تقام الصلوات وتعقد حلقات العلم، وإلى رحابه يلجأ المسلمون صغارًا وكبارًا.. فرادى وجماعات... ولكن مع مرور الزمن وتباعد الأيام ورقة الدين في القلوب وضعف الالتزام. بدأ المسجد يفقد دوره تدريجيًا حتى صار مكانًا لأداء الصلوات فحسب، بل في بعض الأحيان لا يستطيع المسلم أداء الصلاة فيه إذا تأخر قليلًا، إذ تغلق الأبواب بعد الصلوات مباشرة. وهذا المقال يلقي الضوء على الحالة السيئة التي آلت إليها أحوال كثير من مساجد المسلمين، خاصة في القرى والأرياف. توجد في مساجد قريتنا العامرة. وربما في كل مساجد المحروسة ظاهرة غربية ربما لا ينتبه إليها الناس من شدة ما اعتادوه أو من شدة سلبيتهم. هذه الظاهرة يمكن تسميتها ظاهرة الطرد المركزي إذ توجد عدة قوى تعمل من أجل طرد الناس من المسجد في نفس الوقت الذي توهن فيه قوى الجذب من خارج المسجد، حيث يتوافر دائمًا لكل مسجد رجل كل مهمته في الحياة تنفير المصلين من المسجد وصدهم عنه وطردهم إذا أمكن، ويكدح في هذه المهمة الوطنية العاملون الذين وظفتهم الدولة في المساجد. فقد حولوا المسجد إلى مؤسسة حكومية تفتح أبوابها أمام كل الجماهير في أوقات محددة وبنظام ثابت من أجل إنجاز خدمة وحيدة ويتيمة: إقامة الصلاة. من أجل ذلك وفرت الدولة لكل مسجد عاملًا ومؤذنًا وإمامًا وخطيبًا، كما وفرت لهم دفاتر للحضور والانصراف ويقوم هؤلاء العاملون بتنظيم العمل فيما بينهم على مدار اليوم، فأحدهم يغطي صلاتي الفجر والظهر، والآخر يغطي العصر والمغرب، وقد يتكرم الإمام. إذا سمحت مشاغله، بالحضور في صلاة العشاء. ويتعهد الموظف النوبتجي، بالتوقيع في دفتر الحضور والانصراف لبقية الموظفين الذين لم يحضروا. أما أوقات العمل الرسمية، فتبدأ قبل موعد الصلاة بدقائق قليلة وتنتهي مع خروج آخر مصل ويلاقي العاملون في المساجد صعوبات كثيرة من المواطنين الذين لا يتعاونون معهم بالقدر الكافي لإنجاز هذه المهمة، فيحدث أن يقوم بعض المصلين بأداء ركعات، إضافية، عما هو مقرر ركعتان بعد كل صلاة، مما يؤخر العاملين في المسجد، وهم -المساكين- لا يتلقون أجرًا إضافيًا عن التأخير، بل يتحملون هذه التصرفات برحابة صدر تنم عن «تفانيهم»، في خدمة الوطن والمواطنين. لكن ما يشرح الصدر، أن العاملين في المساجد قد تمرسوا على مثل هذه الأمور المزعجة، فإذا لاحظ العامل أن أحد المصلين يتسكع في صلاته فيطيل ركوعها وسجودها، فإنه لا يستسلم بل يستغل وقته في غلق نوافذ المسجد وإطفاء مصابيح الكهرباء، ثم ينتظر هذا المصلي المتعب عند الباب أما إذا طالت الصلاة فإن العامل يقترب منه ويهمس له -وهو في صلاته- أغلق الباب بعدما تخلص!! ويترك له المسجد وينصرف، وهذا كرم وتضحية من العامل الذي يترك مؤسسة عمله بما فيها من عهدة لهذا المواطن. أما في المساجد الأهلية التي لا تشرف عليها الحكومة، فالوضع مختلف، حيث لا يتلقى رجل الطرد المركزي راتبًا عن عمله الذي يؤديه بنشاط وحماس، وفي مسجد منطقتنا يقوم رجل الطرد المركزي، بمهامه بإتقان وتفان مذهلين، فالرجل يمتلك مفاتيح أبواب المسجد وأبواب دورة المياه وقام بصنع خزانة وضع فيها سماعات الميكروفونات، حتى لا يستخدم أحد ميكرفون المسجد دون موافقته. كما قام بصنع خزانة -هي الأولى من نوعها- وضع فيها مفاتيح الكهرباء ومراوح السقف، وأصبح هو الميقاتي الوحيد لبدء فصلي الصيف أو الشتاء بتشغيل المراوح أو إيقافها. ويتمتع صاحبنا بصلاحيات واسعة، فهو الذي يفتح المسجد ويغلقه، وهو الذي يؤذن ويحدد فترة الانتظار بين الأذان والإقامة، وغالبًا لا يحلو له إقامة الصلاة إلا عند مشاهدته عددًا كبيرًا من المصلين يؤدون النوافل، وهو الذي يتقدم لإمامة الناس شاؤوا أم أبوا. لكن الرجل حتى لا أظلمه. ينصرف أحيانًا بكرم طاغ وديمقراطية عادلة، إذ يسمح لأحد الشباب الذين يحفظون القرآن كاملًا بالتقدم للإمامة، ويحدث ذلك في صلاتي الظهر والعصر فقط حيث إن صلاتي المغرب والعشاء محجوزتان له، وذلك لروعة صوته -كما يرى- وكثرة ما يحفظ من القرآن «الجزأين الأخيرين». كما أنه يتحمل عناء جمع التبرعات المالية من أجل المسجد أثناء خطبة الجمعة بمجرد انتهاء الخطيب من خطبته الأولى وجلوسه للاستراحة يهب الرجل بنشاط ويحمل صندوقًا خشبيًا أعد لذلك. ويمر به أمام المصلين ويبدأ المصلون في مد أيديهم إلى جيوبهم لإخراج العملات المعدنية التي أحضروها للتبرع. وتسقط العملات المعدنية إلى الصندوق محدثة رنينًا منتظمًا يجذب أذان المصلين بعيدًا عن رنين كلمات الخطيب. كما أنه يمنع المصلين بعرض شيق عندما يجلس أمام أحدهم لإجراء عملية الفكة، وهي عملية تحدث عندما ينسى أحد المصلين عملته المعدنية فيضطر لإخراج ورقة مالية ليتبرع ببعضها. ويجلس الرجل أمامه ويسأله عما سيتبرع به ليمنحه الباقي من تبرعات المصلين، وإذا كانت الورقة المالية كبيرة فإن رجل الطرد يؤجل العملية لحين انتهائه من جميع المصلين ثم يعود إلى المصلى في النهاية حتى إذا وصل الخطيب إلى الدعاء في نهاية الخطبة يكون الرجل قد وصل إلى آخر صف في المسجد فيحمل الصندوق بين يديه ويعود مسرعًا ليقيم الصلاة، أما المال الذي جمع فيحتفظ به وينفق منه على المسجد، ومن غير المسموح لأحد معرفة قيمة هذا المال أو اقتراح سبيل إنفاقه. ويتميز رجل الطرد المركزي بشخصية قوية ونظرات حادة ووجه صارم، وهو قليل الكلام. إلا إذا عنف الأطفال، طويل النظرات، بحيث يستطيع تسليط عينيه -كمخبر سري- على أي مصل لمدة طويلة من لحظة دخوله من باب المسجد حتى أدائه تحية المسجد. وهو يهز رأسه لأعلى وأسفل كثيرًا كأنه يتهدد. ولقد أثارنا صمته وكثرة هزة رأسه فإذا أراد أحد الشباب إلقاء درس على المصلين لا بد أن يستأذنه، ويظل هذا الشاب يرقب وجه الرجل طوال الدرس، فإذا انفرجت أساريره اطمأن الشاب وواصل حديثه. أما إذا تقلصت ملامحه المتقلصة أصلًا، فإن الشاب يهمس في نفسه: «ربنا يستر». وإذا أراد المصلون تقديم شاب جميل الصوت وحسن التلاوة للإمامة، خصوصًا في شهر رمضان، فإن هذا الشاب يتقدم بكل شجاعة ليستأذن الرجل والحقيقة أن الرجل يوافق ببساطة على تقدم الشاب لكنه يغلق سماعة الميكرفون ليبح صوت الشاب ويعود أدراجه إلى الصف الأول بعد أيام قلائل، ويضطر رجل الطرد إلى احتلال المقدمة من جديد، لكنه هذه المرة يثبت للمصلين أنه يستطيع إسماعهم ما يريدون من القرآن الكريم من مصحف مفتوح أمامه لكن المصلين لا يشبعون من أخطاء التلاوة ويضطر بعض الشباب إلى تصويب القراءة فيغضب الرجل، وإذا غضب فسوف تغضب مباحث أمن الدولة وقانا الله شر غضبها. وحسبنا الله ونعم الوكيل.
أحمد زهران (*)
منهج النبي ﷺ في مواجهة الشدائد (٤من٤)
حسن الظن بالمؤمنين وعدم تمني لقاء العدو
في هذه الحلقة «الأخيرة»، نتناول الملمحين الأخيرين من ملامح منهج الرسول ﷺ عند نزول الشدائد، وهما: تاسعًا: الظن الحسن بالمؤمنين في أوقات الأزمات والشدائد يعمد أعداء الإسلام إلى بث الشبهات وإطلاق الشائعات سواء تعلقت بالإسلام ودعوته أو بالمسلمين والدعاة. وقد حدث هذا الموقف مع النبي ﷺ أثناء حادثة الإفك، يقول الله تعالى: ﴿لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ﴾ (النور: ١٢). ويلاحظ في الآية أنه لم يقل: لولا إذ سمعتموه ظننتم بأنفسكم خيرًا وقلتم هذا إفك مبين، ولكنه عدل عن الخطاب إلى الغيبة وعن الضمير إلى الظاهر وذلك من أجل المبالغة في التوبيخ بطريقة الالتفات والتصريح بلفظ الإيمان ليدل على أن الاشتراك فيه يقتضي ألا يصدق مؤمن على أخيه، ولا مؤمنة على أختها قول غائب أو طاعن. «وفيه تنبيه على أن المؤمن إذا سمع مقالة سوء في أخيه المؤمن أو في أخته المؤمنة، عليه أن يظن فيهما خيرًا ولا يشك السوء فيهما، وأن يقول -بناء على ظنه بالمؤمن أو المؤمنة الخير. ﴿هَٰذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ﴾، وهذا من الأدب الإسلامي الرفيع، الذي قل القائم به والحافظ له بل وقل من يسمع مقالة السوء عن أخيه أو أخته فيسكت ولا يشيع ما سمعه (۱) وفي غزوة تبوك، لما خرج رسول الله ﷺ وتخلف عنه أقوام، كان من بين الذين تخلفوا قوم حبسهم العذر، فكان لا بد من بيان ذلك حتى يتميز هؤلاء عن غيرهم ممن تخلفوا من دون عذر، ولئلا يساء بهم الظن، ويصبحوا محل تهمة وشكوك فقد جاء في عذرهم ما رفعهم إلى درجة المجاهدين المكافحين الصادقين يقول رسول الله ﷺ «لقد تركتم بالمدينة أقوامًا، ما سرتم مسيرًا ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه قالوا: يا رسول الله ﷺ كيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال: حبسهم العذر» (۲) وفي رواية البخاري: «إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم. قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة، حبسهم العذر» (۳). إن أعداء الإسلام يعمدون إلى اتهام الدعوة والدعاة بأي اتهامات باطلة غير مستساغة ولا مقبولة ولا معقولة لأنهم لا يقيمون اتهاماتهم على أساس من الحق أو المنطق أو الواقع، إن قصدهم أن يقولوا السوء ويمضوا، ويأتي أنصار الشر ومحبو إشاعة الفاحشة فيكملون ما بدؤوه. فعلى الدعاة أن يواجهوا أمثال هذه الحيل، ويكونوا على فقه ووعي كاملين بهذا النهج والأسلوب، ومن ثم لا يقعوا في تأويل تصرفات إخوانهم من الدعاة تأويلًا سيئًا لا يليق بهم، ولا يتفق وكونهم دعاة إلى الإسلام وهناك ضوابط أربعة تحصن الدعاة من تلفيقات أعداء الدعوة:
الضابط الأول: الظن الحسن فيما يسمعه عن إخوانه: ﴿لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ﴾ (النور: ١٢).
الضابط الثاني: نفي هذا الظن بلسانه والتصريح بهذا النفي لأن المنكر الظاهر يدفع بشيء ظاهر.
الضابط الثالث: ألا يتسرب شيء إلى نفس الداعية مما يخالف الظن الحسن، وإذا حصل شيء من ذلك في نفسه فلا يجوز أن يتكلم بهذا بل يردد بلسانه حتى يسمع نفسه وغيره قوله تعالى: ﴿مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ (النور: ١٦).
الضابط الرابع: أن يبعد الداعي عن نفسه أي ميل أو محبة أو رغبة في إشاعة الفاحشة ونهش الأعراض، واتهام الغافلين المؤمنين، وليتذكر قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾ (النور: ١٩) (٤). وأخيرًا، فالداعي يرى في مثل هذه التلفيقات جوانب خير ومصلحة تتمثل في الأجر العميم وفي نصرة الله لهم ويتوعد أعداء الدعوة وليتذكر الدعاة قول الله لرسوله ﷺ: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ﴾ (النور: ١١).
عاشرًا: عدم تمني لقاء العدو
ففي وصية النبي ﷺ لأسامة بن زيد، وقد أمره على جيش المسلمين الذي أرسله الإرهاب الروم قال له ولا تمنوا لقاء العدو، فإنكم لا تدرون لعلكم تبتلون بهم ولكن قولوا اللهم اكفناهم واكفف بأسهم عنا. إن المطلوب القيام بأمر الدعوة إلى الله تعالى وليس المطلوب مصادمة أعداء الدعوة الأقوياء فإن هذا الصنيع يؤذن بوقوع الجماعة بالرياء وطلب السمعة عند الناس ليقولوا: إن جماعة الدعاة أوذيت في سبيل الله... ولكن لا يعني ذلك قعود الدعاة عن القيام بالدعوة إلى الله، وإنما الذي يعنيه ذلك، بكل تأكيد عدم تعمدهم لقاء الخصوم والدخول معهم في حرب، ولهم مندوحة من ذلك، أي يمكنهم أن يدعوا إلى الله وأن يتجنبوا المخاصمة مع أعداء الدعوة لا سيما إذا كانت الدولة هي لسوء فهمها مقاصد الدعوة خصم الدعاة وجماعتهم، ففي هذه الحالة ينبغي عدم تصعيد الخصام مع الدولة مع المضي في متطلبات الدعوة بهدوء مع تحمل شيء من شطط الدعوة وبغيها... أما الذين يندفعون ويخاصمون الدولة دون ضرورة ولا حاجة إلى هذه المخاصمة فيقعون ويوقعون جماعتهم في أذى شديد لا طاقة لهم به ولا ضرورة تدعو إليه... فلتحذر الجماعة وأعضاؤها والمنتسبون إليها من الدعاة والأنصار مثل هذه الأمور، وليدعوا الله أن ينجيهم من كيد أعدائهم، ولا يحملوا أنفسهم على مواجهتها، ولكن إذا واجههم عدوهم فليصبروا وليثبتوا ولا يستسلموا، بل عليهم أن يصدقوا الله في جهادهم، ولا يضعفوا أمام عدوهم (٥).
الهوامش
١-السيرة النبوية، ص ۲۱۰، ۲۱۱.
٢- تفسير ابن كثير، ج ۲، ص ۳۸۲
٣- البخاري، كتاب المغازي رقم ٤٤٢٣..
٤-المستفاد من قصص القرآن، ص ٢١٨، ۲۲۰بتصرف.
٥- المرجع السابق، ص ٢٦٥.
(*) سكرتير تحرير مجلة- الرسالة- القاهرة
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل