العنوان المسلمون في الغرب.. و «الأجنحة المتكسرة»
الكاتب حسن الحسن
تاريخ النشر السبت 22-سبتمبر-2007
مشاهدات 78
نشر في العدد 1770
نشر في الصفحة 56
السبت 22-سبتمبر-2007
أضحت الهجرة إلى الغرب حلمًا يراود الكثيرين, غادر أكثرهم كالطيور التي حان موعد مغادرة ديارها، حلقت تلك الأسراب بعيدًا تخفق بأجنحتها نحو المنافي لتختفي آثارها مع الأفق، فاتحة بذلك صفحة جديدة في المجهول. لم تكن أحوال تلك الطيور سواء، فمنها من خذلتها أجنحتها المرهقة أصلًا في الوصول إلى الهدف، لتجد نفسها في الهند مع الفئران وفقراء أشبه بالمومياء في سجون بائسة.
البعض الآخر ركب أمواج المحيطات مستيئسًا للوصول إلى غايته بأي ثمن، فما كان منه إلا أن استقر مقيمًا في بطون الحيتان.
فيما واصل آخرون مسيرتهم كيفما اتفق، فحطت رحال أبناء الأسرة الواحدة في مراكز متباينة ومتباعدة، في كندا وأستراليا واسكندنافيا، كانت القصص هناك كثيرة ومثيرة، ولم تكن في أكثرها سعيدة كما كان طموح الطيور الحالمة. تكسرت أجنحة تلك الطيور وهي تلهث جنوبًا وشمالًا وراء طمأنينة لم تجدها قط فقد كانت الرحلة شاقة، وانتهت بنفوس متعبة ومشاكل اجتماعية لم يألفها أصحابها سابقًا، مع وظائف كان يأنف مثلها هؤلاء في بلادهم، حيث عمل أغلب تلك الطيور بنقر الفتات، حيث مارست أخسّ المهن من جمع القمامة إلى تنظيف الأواني القذرة والقدور المخنزرة والكؤوس النجسة، وبأبخس الأثمان.
مضت أعوام كثيرة، كانت طويلة وبطيئة، تلاشت إثرها أجيال بين شيخوخة مقيتة، أو تحت تراب أدلف عليها في قبر ما لبث أن انتهت مدة إيجاره، فدفن معهم أو بدلًا من رماد جثتهم التي أحرقت من لا تعرف له ملة ولا دين. ما حصر همّ كثيرين ببناء مدافن خاصة لم تتم في أكثر الأحيان، متلمسين بذلك مأوى شرعيًّا يكتب عليه ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ (الفجر:27) وهي التي لم تطمئن يومًا في غربتها. هكذا قضى هؤلاء أعمارهم بعد آمال عريضة في جني الثروة والعودة إلى أوطانهم مبتهجين، فيما لم يحقق أغلبهم أيًّا منهما.
توالدت الطيور منجبة أخرى، لم يكن لديها مخلفات الماضي ولا عقد الخوف والقهر والفقر والحرمان واللهاث وراء السراب، منهم من أصبح طبيبًا وآخر تاجرًا أو باحثًا أو محاميًا، وفي خضم الأحداث الساخنة بدأ هؤلاء بالبحث عن الهوية، كانوا شغوفين بمعرفة أبعاد أسمائهم وتراثهم وأسباب هجرة ذويهم، والأهم من ذلك ماذا يعني انتماؤهم للإسلام!
تعاقبت الأحداث متسارعة، محفزة الطيور الوليدة لوضع النقاط فوق حروف الحقائق الضائعة. بدأ التمايز بين المسلمين وغيرهم في الغرب، وأخذت الهوة بالاتساع، فيما بدأ الحديث عن انهيار مشاريع الاندماج، كما أخذت التساؤلات تتفجر كبركان ثائر عن حقيقة الصراع بين الغرب والإسلام، وعن قصة فلسطين ومأساة العراق ودمار أفغانستان وخراب الشيشان. ولماذا ينظر الآخرون إلى تلك الطيور نظرة شك وارتياب وكأنها تحمل وباء ما؟
وهكذا وجد الجميع أنفسهم في عالم بدأت تتوحد قضاياه متمحورة حول الإسلام بشكل أساسي، مع تباين وجهات النظر حول تلك القضايا إلى درجة النقيض، فيما بدأ العالم يتضاءل حجمه حتى ضاق بمن فيه، وباتت دولة كأحياء متجاورة، حي متواصل في أنحاء شتى من العالم عبر الستالايت والبورصات والطائرات الخاصة للأثرياء وأصحاب النفوذ والسلطة، وباقي الأحياء مكونة من كتل إسمنتية متداخلة ومتشابهة ومشوهة للمغلوبين على أمرهم والمهمشين والفقراء، وهم أغلب المليارات الست من أهل الأرض.
في هذه الأجواء المفعمة بالاضطراب، وقع الصدام مع سياسات الدول القائمة في الغرب، وبدأت أصوات الطيور الوليدة تتعالى ضد سياسات النظم الغربية المتعجرفة إزاء العالم الآخر، والذي يشكل شرقنا الإسلامي حجر الزاوية فيه ما جعل أعين ساسة الغرب تتحوقل، وأخذت مواقفهم تزداد عجرفة وإهمالًا لتلك الأصوات غير آبهين بما تصدح به تلك الطيور، معتبرين ذلك النقد عقوقًا لئيمًا، حيث يمنون عليهم أنهم آووهم في بلدانهم وتفضلوا عليهم بتعليمهم في جامعاتهم ومنحوهم الإقامة والجنسية، ما عدوه كفيلًا بإذابتهم وضمان ولائهم أو على الأقل عدم تمردهم؟! وكأنها صفقة ضمنية غير مكتوبة بين الفريقين، إلا أن تلك الحسابات باءت بالفشل على ما يبدو، مع تصاعد وتيرة الجدل وتبادل الاتهامات.
بدأت المواجهة بين الفريقين فأين تنتهي؟ سؤال صعب، والقدر وحده كفيل بالإجابة عليه، ففيما تحمل الطيور مظالم أمتها على أنها قضيتها العادلة والمحقة التي لا يمكن التخلي عنها، تتعامى حكومات الغرب عن الحقيقة مدار البحث مشهرة طوال الوقت بأصبعها إلى أولئك الناقمين عليهم، الذين يعملون فيروس الكراهية لهم بالوراثة من غير أي سبب ذي شأن! هكذا، فقط لأنهم ثلة من المعتوهين والمعقدين نفسيًّا والمتخلفين ثقافيًّا بحسب زعمهم، ملصقين بهم صفات نابية كالإرهاب والتطرف والفاشية, ومن يدري ربما غدًا النازية، وكأن هتلر وموسوليني خرجا من عباءة المنظمات الإسلامية مع أنهما نتاج عقلية الاستئصال والهيمنة الغربية! وما يزيد الطين بلة، أن يرفع أولئك الساسة شعار «من اعترض انطرد» مصرين على استئناف سياساتهم، وكأنها منزلة عليهم من السماء، وهو ما يدعيه كبيرهم الأحمق الكذاب.