; المسلمون في بلغاريا .. ودورهم في الانتخابات الرئاسية القادمة | مجلة المجتمع

العنوان المسلمون في بلغاريا .. ودورهم في الانتخابات الرئاسية القادمة

الكاتب يوسف العثمان

تاريخ النشر الثلاثاء 09-يوليو-1996

مشاهدات 121

نشر في العدد 1207

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 09-يوليو-1996

تكتسب انتخابات الرئاسة البلغارية المتوقع عقدها قبل نهاية العام الحالي أهمية كبرى، لكونها تأتي في ظل أجواء تنافسية داخلية محمومة، ومصالح خارجية متضاربة، وتدفع الخيوط الداخلية والخارجية المتشابكة بالورقة المسلمة لواجهة الشاشة السياسية، للدور الهام الذي يمكن أن تلعبه على طاولة الحسم، وما سيترتب على النتيجة النهائية من أثر سلبي أو إيجابي على أطراف الصراع، ولإبراز هذا الدور لابد من توضيح معالم الصورة القائمة... عبر السطور التالية.

فالمعركة على كرسي الرئاسة بين زاويتي الحلبة التي يقف فيها اتحاد القوى الديمقراطية والحزب الاشتراكي، ليست على الصلاحيات التي يخولها الدستور للرئيس، فهي محدودة جدا، لقيام نظام الدولة البلغارية على أساس برلماني بالدرجة الأولى، وإنما بكلمة مختصرة لأنها معركة من أجل البقاء.

فمن جهة الحزب الاشتراكي الذي عاد لسدة الحكم، بعد فوزه بأغلبية أعضاء البرلمان ۱۲۰ ١٩٩٤م، وفوزه الساحق في الانتخابات البلدية ١٠٠ ١٩٩٥م، يرمي بكل ثقله للفوز بهذه الجولة أيضاً، ليحقق عدة أهداف في آن واحد:

أولا: سيتمكن من إغلاق دائرة السلطة وتجنيد مراكزها الأربعة الرئاسة الحكومة البرلمان البلديات لصالح برامجه وخططه الداخلية والخارجية.

ثانيا: تقويض خطة المعارضة الديمقراطية التي تستند في صلبها على فوزها بهذا المنصب.

ثالثا: سيضمن عمراً مديداً من الحكم الكامل مجدداً عهده الماضي.

لكن حساسية موقف الحزب الاشتراكي، تكمن في فشل حكومته الذريع، وغير المتوقع في تنفيذ أي من وعوده التي قطعها لناخبيه قبل عام ونصف العام تقريبا، والذي أسهم إلى حد كبير في تدني شعبيته مقابل نجاح قوى المعارضة في توحيد صفوفها.

التحالف الديمقراطي

بمحاوره الأساسية الثلاثة: اتحاد القوى الديمقراطية، الاتحاد الشعبي، حركة الحقوق والحريات... نجح في توحيد قواه ومواقفه، مما تمخض عنه فوز مرشح القوى الديمقراطية المحامي بيتر ستويانوف على منافسه مرشح الاتحاد الشعبي، وحركة الحقوق والحريات الرئيس الحالي جيليو جيليف في الانتخابات الأولية التي أجريت في 1996/6/1م وبدعم من إحدى المؤسسات الأمريكية، مما زاد من فرصها في النجاح إلى جانب وقوف إخفاقات الحكومة الحالية البارزة، بدءًا من قطاع الأمن الداخلي مروراً بالاقتصاد المتدهور، وانتهاء بالسياسة الخارجية وعلاقة الدولة السيئة مع الغرب.

المهم أن الفوز هو السبيل المضمون للتحالف الديمقراطي، وبالتحديد اتحاد القوى الديمقراطية الذي حكم البلاد من ۹۲ - ۱۹۹۳م، لإسقاط الحكومة الحالية وفض البرلمان، والدعوة لانتخابات برلمانية جديدة، والعودة للسلطة من جديد، وقد تأكد هذا بعد فشله في إسقاط الحكومة بحجب الثقة عنها برلمانياً مرتين على التوالي، وأخرى عن طريق المظاهرات والإضرابات العمالية.

الوضع الخارجي

لا يخفى على المتابعين لمجريات الأحداث في منطقة البلقان - خاصة بعد توقف الحرب في البوسنة - إيلاء عدة أطراف اهتمامها بها، فهناك تنافس عليها بين الغرب، ممثل في حلف الناتو والشرق في روسيا، وتنافس آخر بين أوروبا وأمريكا، وبنظرة فاحصة لأهداف كل طرف، وفي هذه البقعة على وجه الخصوص نلمس مدى تضارب المصالح، وعدم إمكانية التوفيق بينها، فهذا الناتو يرغب في التمدد شرقا، وبلغاريا بالطبع أحد آماله، وروسيا ترفض ذلك وتعتبره تهديداً لمصالحها، حتى خص الرئيس الروسي يلتسين بلغاريا بهذا الرفض (١/ ٤ / ١٩٩٦م)، وأوروبا الغربية ترى في أختها الشرقية سوقها المأمول و امتدادها الطبيعي، الذي سيمكنها من احتلال موقعها كقطب عالمي جديد، ولعل التغييرات التي طرأت على نظام حلف الناتو (١٩٩٦٦٢م) لصالح الدور الأوروبي فيه تؤكد ما ذهبنا إليه..... أما أمريكا كقوة عالمية وحيدة فإنها تسعى لتدعيم تواجدها وقوتها في هذه المنطقة عن طريق إقامة خط استراتيجي وعسكري يمتد من تركيا مروراً ببلغاريا، ثم مقدونيا فألبانيا، وهذا ما أشارت إليه صحيفة نوفا مقدونيا المقدونية في ٦/١١/ ١٩٩٦ م من أن يالطا جديدة يجرى إعدادها تقسم فيها المنطقة بين أمريكا وأوروبا.

والحكومة الاشتراكية في هذا المنحى قد اتبعت أسلوب إدارة الظهر للدول الغربية، مهرولة نحو الدب الروسي، والدراكون الصيني الذي بحال لم يعجب الصف الآخر، وبالتالي سيسره جدا تغير الحكومة وزوالها في أقرب وقت ممكن.

المتضرر المباشر من بقاء هذه الحكومة.. هو تركيا، فالاشتراكيون بسعيهم الدخول في شبه حلف مع روسيا وصربيا واليونان عدو تركيا اللدود، يعملون بهذا إلى تحجيم وإضعاف دور تركيا في المنطقة، اضف إلى ذلك قلق تركيا الكبير الذي أعربت عنه في أكثر من لقاء على لسان سفيرها تارة، ولسان الحكومة التركية تارة أخرى من جراء سماح السلطات البلغارية لحزب العمال الكردستاني بحرية التواجد والتحرك على أراضيها، وحضور احتفالات الحزب الاشتراكي الرسمية.. غير غافلين طبعاً عن التذكير بدور الحزب الاشتراكي الشيوعي سابقا في تهجير أعداد كبيرة من البلغار من أصل تركي، لتركيا أعوام (٨٤ و ۸٦ و ۱۹۸۹م) الذي أثقل كاهلها، والتضييق الذي صاحب بداية حكمه الحالي على المسلمين في كافة المجالات (انظر أعداد المجتمع ۱۱٦٩-۱۱۸۳-۱۱۸۹).

أما الجارة اليونان وبعد استلام الاشتراكيين فيها زمام السلطة أيضا فحالها مع الحكومة البلغارية باختصار شدید معاكس تماما لحال تركيا.

دور المسلمين

السيناريوهان اللذان يخطط لهما التحالف الديمقراطي لإقصاء الحزب الاشتراكي عن الحكم يتخذ فيهما المسلمون الدور المؤثر والأساسي، فهم الورقة الترجيحية في السيناريو الأول الذي يقوم في أساسه على حسم معركة الرئاسة لصالح القوى الديمقراطية، وقد ثبت ذلك وبرز أول مرة في انتخابات الرئاسة عام ۱۹۹۲م، عندما وصل المرشح الديمقراطي الرئيس الحالي «جيليف» للسلطة بفضل أصوات المسلمين، التي رجحت كفته على المرشح الاشتراكي، أما في هذه المرة، فنترك الكلمة للأرقام.

الحزب الاشتراكي حصل في الانتخابات البلدية الأخيرة على ١,٥٥٤٠٠٠ صوت، أي بفارق سلبي ۷۰۰ ألف صوت عن الانتخابات البرلمانية.

  • اتحاد القوى الديمقراطية 930.000 صوت.
  • الاتحاد الشعبي 400.000 صوت.
  • حركة الحقوق والحريات ۳۰۰.000 صوت.

وكانت نسبة عدم المشاركة فيها وصلت لقرابة 45% في أغلب المناطق.

أما آخر استطلاعات الرأي فتشير إلى أن نسبة الذين يتوقفون عن المشاركة في الانتخابات المقبلة 19%، وهذا يعني الزيادة في عدد الأصوات لكافة الأحزاب داخل البرلمان وخارجه بنسب متفاوتة.

أصوات المسلمين تمثل الورقة الترجيحية في حسم معركة الرئاسة بين القوى الديمقراطية والحزب الاشتراكي في بلغاريا

ومن أهم الاعتبارات التي تزيد من أهمية أصوات المسلمين:

- تشتت أصوات غير المسلمين بين المرشحين الأربعة - وقد يزيدون لمنصب الرئاسة.

- عدم صلابة قواعد جميع الأحزاب قياسا بحركة الحقوق والحريات التي تمثل المسلمين.

- ويمكن تعويض تراجع أسهم الحزب الاشتراكي عن طريق ترشيح شخصية مقبولة لدى قطاع كبير من الشعب كوزير الخارجية الحالي غوركي برنسكي، إضافة للتأييد التقليدي الذي يلقاه من معظم كبار السن والفلاحين.

أما السيناريو الثاني - الأضعف احتمالا - وهو إعلان حالة العصيان المدني بشكل عام يشمل كل البلاد لإسقاط الحكومة الحالية، فالمسلمون أيضاً يحتلون فيه موقع التأثير، لأن مظاهراتهم وإضراباتهم في عام ۸۹ - ۱۹۹۰ المطالبة بحقوقهم واسترداد أسمائهم الإسلامية، كانت السبب المباشر في تعجيل سقوط الحكومة الشيوعية، ودب الحماس في صفوف الشعب البلغاري للتحرك.

مخاوف ومحاذير

هذا كله أعطى حركة الحقوق والحريات رغم ما عليها من ملاحظات قوة تفاوضية في التحالف الجديد، وأعاد لها بريقها ولمعانها السياسي كحزب سياسي مؤثر في الساحة.

لكن المهم في هذا المقام استفادة الحركة من هذه الظروف ونجاحها في حصد أكثر المكاسب الصالح المسلمين عامة، وليس فقط لصالح الحركة وقيادتها، والحقيقة المرة التي يجب أن نعترف بها أن خطأ الحركة في أي من حساباتها سيعود بالوبال على المسلمين، كما أن اختيارها الموفق والمناسب سيفتح أبواباً من الخير لهم، وتخوفنا منبعه أن الحركة هي رئيسها أحمد دوغان الذي يمسك بكافة الخيوط، ويتخذ قرارات الحركة بنفسه دون الرجوع لأحد، مما يجعل احتمال الخطأ أكبر من احتمال الصواب، الذي قد يدخل الحركة والمسلمين في صراعات وخلافات ليس لهم فيها ناقة ولا جمل ، والأعوام الماضية خير شاهد، بل أكثر ما يخيف المراقبين المسلمين في هذا الظرف أن تخسر الحركة والمسلمون حلفاءهم الديمقراطيين، نتيجة تصرف شخصي لدوغان أو مطالب استغلالية غير واقعية له، وبذلك تصبح كافة الأحزاب من أقصى اليمين لأقصى اليسار تناصب الحركة العداء ومن ورائها المسلمون.

ودقة الموقف تتمثل في أن خسارة أي طرف «حزب» لن يبرأ منها المسلمون، فالخسارة هذه المرة تعني خفوت نجم الحزب سياسيا، وفقدان حضوره المؤثر على الساحة، أي بداية الانتهاء.

أما المسلمون أنفسهم.. فهم في ظرف لا يحسدون عليه، فأوراقهم بأيدي الحركة، والحركة كمن يسير على الحبال في جو مشحون مكهرب.. فكيف ستجري الرياح هذا ما ستنبئنا به الأيام القادمة.

الرابط المختصر :