العنوان المسلمون في بولندا.. من القبو إلى المسجد
الكاتب دينا عمر حماد
تاريخ النشر الجمعة 25-يونيو-2004
مشاهدات 67
نشر في العدد 1606
نشر في الصفحة 36
الجمعة 25-يونيو-2004
*في مدينة فروتسواف ظل المسلمون يؤدون الصلاة في قبو يتحملون المشاق في الوصول إليه.. وأخيرًا وجدوا بيتًا فوق الأرض للصلاة.
أوردت صحيفة «سووفو بولسكي - غازتا فروتسوافسكا» في عددها الصادر يوم ١٢ مايو ٢٠٠٤م مقالًا بعنوان: «من القبو إلى المعبد - مسجد يقام إلى جوار كنيسة «الفرانسيسكان» بقلم مارتشين غونشيوروفسكي. وفيما يلي ترجمة المقال:
سيقوم ممثلو مسلمي مدينة فروتسواف «الواقعة جنوب غرب بولندا» بزيارة دير الفرانسيسكان لحضور مأدبة غداء تقام لهم هناك، وحول الاستعدادات لهذه الزيارة يقول بعض الرهبان في الدير: «واجهنا مشكلة عند إعداد قائمة الطعام، فهذه ثقافة مختلفة ولا نريد أن نحرجهم بأي شيء».
تطل على شارع كاسبروفيتشا ثلاثة أبراج ضخمة: إنها كنيسة القديس أنتوني من بادوفا، ويوجد هناك أيضًا دير الفرانسيسكان، وإلى جوار الكنيسة بالضبط يوجد عدد من الفلل، إحداها -والتي هي أقرب من جهة المدينة- كانت معروضة للبيع «قبل فترة قريبة» أما الآن فلها مالك جديد، فبعد أقل من عشرين يومًا سيتم افتتاح مسجد هناك، حاليًا يعمل في الفيلا عدد من العمال الذين يحاولون القيام بأعمال التشطيب النهائية في المبنى حتى نهاية شهر مايو «الماضي»، وقد قال علي أبي عيسى مدير المركز الثقافي الإسلامي في مدينة فروتسواف: «سنحدد موعدًا لإجراء مقابلة صحفية ولكن في منتصف شهر يونيو، عندما نكون قد انتهينا من كل شيء».
الصلوات في القبو
يحاول المسلمون في مدينة فروتسواف منذ سنوات العثور على مكان لهم، وسيستمرون في أداء صلواتهم لمدة أقل من عشرين يومًا في قبو لا تزيد مساحته على ٣٠ مترَ مربع، ومن الصعب الوصول إلى هذا المصلى والعثور عليه، إذ يجب التوجه إلى الساحة الخلفية للمحكمة، حيث يوجد مبنى سكن طلبة جامعة فروتسواف للهندسة على شارع بودفالي رقم (٢٧) وفي هذا المكان يوجد المسجد الوحيد في فروتسواف، حيث تؤدى الصلاة كل جمعة، وفي العادة يأتي إليه عدة عشرات من المصلين، ولتضف هنا أن الصلاة تستمر حوالي ثلاث ساعات. والجدير بالذكر أنه في عام ١٩٩٧م عندما تعرضت مدينة فروتسواف للفيضان الذي أطلق عليه اسم «فيضان القرن»، أغرقت المياه مساحة الثلاثين متر مربع في القبو تمامًا، وفي ذلك الحين كان شهر رمضان على الأبواب، لذا أرسل المسلمون خطابات إلى رئاسة المدينة كانوا يستهلونها بعبارة «بسم الله الرحمن الرحيم» ويطلبون فيها مكانًا مساحته ٢٠٠-١٥٠ متر مربع ليتسع لعدة مئات من الأشخاص، عندئذ أجابتهم الجهات المعنية بإدارة المدينة: «لا يوجد لدينا».
ولكن لحسن الحظ قامت جامعة الهندسة بفروتسواف بتأجير عدة صالات لهم، فتم الاحتفال برمضان في الفصول الدراسية وفي ممرات الجامعة.
ناس مهذبون
وفي النهاية وجد المسلمون من فروتسواف بيتًا كما يريدون يقع على شارع كاسبوروفيتشا، إلا أن المشكلة التي ظهرت هي وجود كنيسة وراء سور المبنى، لكن لم تكن هناك إمكانية للعثور على مبنى آخر، ولذلك ذهب المسلمون إلى الرهبان ليستفسروا عما إذا كان وجودهم سيزعجهم، ويقول لي الأب ألارد متسائلًا: «ولماذا لا نوافق؟ إنهم مهذبون جدًّا، لقد جاءوا وعرفونا بأنفسهم وعرضوا علينا ذلك، كم من الناس يتصرفون مثل ذلك التصرف؟». إذ يقول الأب ألارد: «لقد كان العديد منا في بعثات في الأراضي المقدسة لفترات متفاوتة كانت تصل إلى ٦ أو ٨ أو ١٠ سنوات، علاوة على ذلك فإن كاهن تلك الكنيسة الأب أنتونيو يوجد الآن في بعثة بالأردن، بالقرب من الجبل الذي يوجد فيه قبر موسى».
وحتى الآن لا يعرف الكثيرون من المنطقة المحيطة أن مركزًا إسلاميًّا سيقام بالقرب من الكنيسة. وقد أعربت آنا بارتون، صاحبة مصنع الآيس كريم الذي يوجد بالقرب من المسجد عن دهشتها عندما تحدثنا إليها حيث قالت: «مسجد؟! إن هذا خير ما يدل على تسامحنا».
ونشرت الصحيفة إلى جانب المقال صورة لبعض المصلين كتب أسفلها: «يحاول المسلمون منذ سنوات العثور على مكان لهم، ويستمرون في أداء صلواتهم لمدة أقل من عشرين يومًا في قبو لا تزيد مساحته على ٣٠ متر مربع».
وإلى جانب المقال وفي باب تحت عنوان «دون سوء تفاهم» أورد الكاتب مقابلة أجراها مع الدكتور سمير إسماعيل من الرابطة الإسلامية في بولندا، فيما يلي نصها:
كم عدد المسلمين في بولندا؟
- نحو (٣٠-٢٥) ألفًا، وكان المسلمون التتار أول من نزح إلى بولندا في القرن السادس عشر في عهد الملك ياسويسكي الثالث، وأتت الموجة الثانية من مناطق القوقاز. وبعدها -في القرن العشرين- بدأ يصل إلى بولندا طلاب من الدول العربية ولاجئون من الشيشان والبوسنة والهرسك وكوسوفا، وبقي الكثيرون منهم في بولندا، حيث كونوا أسرهم وهم في الغالب يشعرون بأنهم بولنديون، ذلك بالإضافة إلى البولنديين الذي اعتنقوا الإسلام ويبلغ عددهم ٣- 5 آلاف ومعظمهم من النساء اللواتي تزوجن من عرب، وأعرف أيضًا بعض الأسر التي اعتنقت الإسلام بكاملها.
كم عدد المساجد في بولندا؟
- ثلاثة، الأول في مدينة جودانسك، تم بناؤه في التسعينيات، ومسجدان أثريان في المناطق القريبة من مدينة بياويستوك. بالإضافة إلى ذلك توجد مراكز الثقافة الإسلامية في كل من مدينة بياويستوك ولوبلين ووارسو، وسيتم افتتاح آخرها في مدينة فروستواف الآن.
هل المسلمون في بولندا مرتاحون؟
- الوضع في تحسن مستمر، أنا شخصيًّا لم أقابل أي بغض على خلاف العديد من إخواني، فحتى الآن لم يكن عدد الأجانب كبيرًا في بولندا، والبولنديون غير معتادين على الأمر، لكننا لا نشعر بأننا منعزلون، وعندما وقع هجوم على المسجد في مدينة جودانسك، قام الرئيس كفاشنيفسكي بزيارة المسجد وأعرب عن أسفه لحدوث تلك التصرفات الغوغائية. كما أن الأمر يعتمد كثيرًا على الوضع الدولي، فبعد وقوع الهجمات على نيويورك أصبحت نظرات الناس إلينا غريبة، وفي المقابل زاد اهتمام الكثيرين بديننا واكتشف الناس أن الإسلام لا يؤيد قتل الأبرياء، وارتفع عدد الذين اعتنقوا ديننا، لقد أصبح الناس أكثر تسامحًا، والدليل على ذلك المثال الذي أمامنا في مدينة فروتسواف؛ حيث يتم تشييد المسجد بجانب الكنيسة.
أطفال بولندا.. ما الذي يغريهم في الإسلام؟
*ماتشي كوخانوفيتش: وصلت إلى الإسلام بعد بحث شاق، وكان «الجوع الروحي» دليلي على الطريق.
*ليشيك كاجيميرتشاك: عندما كنت أقرأ القرآن أدركت أن الرب واحد وأن الإسلام هو طريقي إليه.
أوردت مجلة نيوزويك «الطبعة البولندية» في عدد ١٤ مارس الماضي مقالًا عن انتشار الإسلام في بولندا وانجذاب الكثير من الشباب له، وكان المقال موضوع الغلاف تحت عنوان: «أطفال الله البولنديون.. ما الذي يغري به «الإسلام» أعدادا متزايدة من الشباب؟». بقلم شيمون هووفينا، وننقله هنا بتصرف:
«في صباح الأحد الأول من فبراير شهد خط السير الذي يقود من وسط مدينة وارسو إلى حي ويلانو مسيرة بشرية مميزة؛ حيث توافدت أمام المسجد الوحيد في وارسو سيارات ليموزين تحمل دبلوماسيين، وسيارات تاكسي قادمة من فنادق وارسو الراقية، وكان الرجال المرتدون ثيابًا ملونة والنساء اللواتي غطين رؤوسهن بالحجاب يسارعون للمشاركة في الاحتفال بعيد الأضحى، إحدى أهم مناسبتين دينيتين عند المسلمين.
أما أفراد الحراسة في الشركات القريبة من المسجد، والذين كان يبدو عليهم النعاس، فبدلًا من التمتع بشرب فنجان قهوة ومشاهدة التلفزيون اختاروا الاصطفاف على الأرصفة المجاورة للمسجد يدخنون السجائر، بهدف مشاهدة منظر هذا الحج الغريب المميز، قائلين إن ذلك المنظر بالنسبة لهم أكثر متعة من مشاهدة المحطة الفضائية «Discovery»، وبعد فترة وجيزة نزلت مجموعة من الشباب والصبايا من حافلة أقلتهم إلى المسجد، أشكالهم تنم عن أنهم طلاب بولنديون عاديون، لا يرتدون إشاربات أو شماغات، ويحملون على ظهورهم حقائب ظهر. أثار هذا المشهد دهشة الحراس وتبادلوا النظرات بينهم وتساءلوا بدهشة: وماذا يفعل هؤلاء هنا؟
إلا أن هؤلاء الحراس وغيرهم سيجدون أسبابًا أكثر للدهشة خلال الأسابيع والشهور القادمة، فالإسلام وكما يبدو جليًّا أخذ يجذب الشباب البولندي، إذ يقول أئمة وارسو إنه كل أسبوع يحضر إليهم شخص واحد على الأقل -في الغالب تحت سن الثلاثين- مقررًا أن ينطق «بالشهادة»، وفي هذا الصدد قال رئيس مجلس أئمة بولندا ومدير المركز الإسلامي بوارسو «الذي يوجد فيه مركز معلومات وصالة للصلاة» الإمام توماش ميشكيفيتش: «إن الأغلبية العظمى من بين هؤلاء تمثل كوادر علمية وطلاب جامعات وفنانين».
كان الإسلام في بولندا حتى وقت قريب يعتبر نوعًا من التوابل الشرقية الغريبة على قالب الكيك المسيحي، منحصرًا على طلاب الجامعات من العرب، وأحفاد أبطال التتار الذين قاتلوا جنبًا إلى جنب مع الملوك البولنديين. إلا أنه خلال الشهور والسنوات الأخيرة يبدو جليًّا أن ما يعرضه الإسلام روحيًّا ودينيًّا بدأ يجد طريقه بشكل جلي إلى قلوب وعقول بعض الشباب البولندي، فاليوم لدينا حوالي ألف مسلم بولندي، وهذا العدد في زيادة مستمرة.
وتحت راية الإسلام في بولندا يلتقي أشخاص يبحثون عن قيم عميقة من خلال الغوص في أعماق الغيبيات، وأيضًا المرتابون والمتمردون الذين نبذوا حضارة الغرب الرأسمالية. فالأشخاص من المجموعتين يجذبهم الإسلام بمبادئه وضوابطه الأخلاقية؛ فقوانينه الأخلاقية وقواعده الصارمة تمثل عرضًا مثيرًا ومغريًا للأشخاص الذين تعبوا من الحياة في عالم كل شيء فيه نسبي وغامض وملتبس.
أحداث سبتمبر
زيادة اهتمام البولنديين بالإسلام تمثل أيضًا جزءًا من عملية لها مداها العالمي الشامل، فمن الجلي أن تأثيرات أحداث ١١سبتمبر التي جذبت آلافًا من الناس إلى المساجد -على عكس ما هو متوقع- امتدت لتصل إلى بولندا أيضًا، وهذه الموجة في بولندا لا تتجلى في زيادة عدد الذين يعتنقون الإسلام فحسب، بل أيضًا في زيادة الاهتمام بالحضارة العربية، فظهر العديد من مدارس اللغة العربية ومؤسسات مثل موقع. www.arabia.pl على شبكة الإنترنت.
أما الدراسات العربية الجامعية التي كانت تجذب المفتونين باللغة العربية فقط، فقد أصبحت المنافسة للحصول على مقعد فيها كبيرة جدًّا، ففي العام الماضي تنافس على المقعد الواحد ٢٠مرشحًا للقبول في قسم الدراسات العربية بجامعة وارسو، وحتى وقت قريب كانت الجامعة تنظم امتحانات لقبول الطلاب في قسم الدراسات العربية مرة كل عامين، لكن ابتداء من هذا العام سيتم تنظيم امتحانات القبول سنويًّا.
العديد من الطلاب وجدوا طريقهم إلى ثقافة الإسلام من خلال رحلة سياحية عادية؛ فمثلًا اهتمام مارتا غابريش «البالغة من العمر ٢١ عامًا» وآنا جووندجيوفسكا بثقافة وتاريخ الشرق الأوسط كان نتيجة رحلاتهما إلى تونس ومصر، الآن هما في السنة الثالثة في قسم الدراسات العربية بجامعة وارسو.
أما زميلتهما البالغة من العمر ٢٢ عامًا فقد ذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك، فهي بدأت كسائحة أيضًا، وبعدها بدأت الدراسة الجامعية في مجال الثقافات والدراسات العربية، وفي العام الماضي تبين لها أن الله هو ربها، فأسلمت، وعندما تحولت من الكاثوليكية إلى الإسلام غيرت اسمها إلى عائشة ولا تريد الإفصاح عن اسمها واسم عائلتها.
كارينا بومارانسكا، البالغة من العمر ٢٥ عامًا، مسلمة أيضًا، وهي طالبة في كلية إعادة التأهيل بوارسو، كتبت على جدار غرفة نومها «الجهاد». إن البولندي العادي يربط بين هذا التعبير والحرب المقدسة، ولكنه في الحقيقة يعني وببساطة: «الجهد». وتقول كارينا: «هذه الكلمة المكتوبة على الجدار تذكرني أنه يجب عليَّ أن أواجه نفسي وأجاهدها وكذلك الحال مع دراستي وفيما بعد مع عملي».
أعلنت كارينا الشهادة في خريف العام الماضي، وقد جازفت باعتناق الإسلام ضد رغبة أسرتها «في إحدى المرات سألها والدها شبه مازح إذا كانت تنوي تفجير قصر الثقافة والعلوم - أبرز معالم العاصمة وارسو». قبل أن تتحول كارينا للإسلام كانت تدين بالكاثوليكية، ولكنها - حسب قولها - رفضت عقيدة ومبادئ المسيحية لكونها متناقضة داخليًّا، وتقول: «بعد عدة سنوات اكتشفت أن تصوري للرب والعالم يتفق مع ما يتضمنه الإسلام».
ما الذي يجذب البولنديين الشباب إلى دين محمد؟ هل الحقيقة أن العديد منهم خلال بحثهم عن تجارب ومشاعر جديدة وأكثر إثارة لأرواحهم يكتشفون الإسلام، تمامًا كما انبهر زملاؤهم من عصر «الأطفال الورود» بالشرق الأقصى والهندوسية والبوذية؟ هل الإسلام مجال بحث آخر و«موضة» يتجه إليها «الروحانيون مرهفو الأحاسيس؟».
ماتشي كوخانوفيتش، البالغ من العمر ٢٦ عامًّا، دارس لعلم الاجتماع في مركز كبير لدراسة الرأي العام، وصل إلى الإسلام بعد بحث متعب استمر عدة أعوام، وكان دليله في هذا الطريق «جوعه الروحي». لقد تربى في أسرة لا تحافظ على ارتباطها بالكنيسة، عندما كان عمره ٩ سنوات ذهب زملاؤه «للمناولة الأولى» وتسلموا الهدايا، أما هو فلم يتسلم شيئًا، وهو يروي ذلك فيقول: «عندها شعرت أن هناك ما ينقصني في حياتي، أن هناك حفرة سوداء في داخلي». تعرف إلى الإسلام أثناء رحلاته إلى الشرق الأوسط عندما كان طالبًا في الثانوية، وقبل ٦ سنوات أعلن الشهادة في باكستان. ومنذ ذلك الحين صار جزء من معارفه يعاملونه على أنه «ظاهرة مثيرة». أما أسرة زوجته، فهي أسرة كاثوليكية ملتزمة، ولكن لا يوجد مشكلات بينهم، وفي هذا الصدد يقول كوخانوفيتش: «إن الذين يعاملون الله بجدية يشعرون أنني أعامله بجدية أيضًا، إن علاقتي بهم مثالية».
وهنا يتبادر للذهن السؤال التالي: «لماذا لم يكن المسلمون البولنديون الجدد قادرين على ملء الحفر السوداء في نفوسهم بالديانة الكاثوليكية؟ ما الذي يقدمه لهم الإسلام ولا يجدونه في تقاليدهم الدينية الموجودة في أسرهم وبلدهم؟».
من خلال الحديث معهم يمكن أن يتولد لدى المرء انطباع أنهم من جيل «شباب الواحات» «الواحة مصطلح يطلق على التجمعات التي يقوم بها الشباب المسيحيون ويتفرغون فيها للعبادة وخدمة الكنيسة» الذين كانوا قبل أكثر من عشر سنوات يندفعون تحت أجنحة الكنيسة الكاثوليكية، إنهم شباب أذكياء ملُّوا من «التزلج» على أسطح الحياة ويبحثون عن قيم أعمق.
ميخاوبينكوفسكي، البالغ من العمر ٢٢ عامًا، يدرس علم الآثار، أعلن الشهادة قبل ٦أعوام، ويذكر أنه على الرغم من أنه كان يقرأ الإنجيل قبل ذلك، لكن ما أبعده عن المسيحية نفوره من مؤسسة الكنيسة والعقيدة الكاثوليكية المعقدة، التي يظهر فيها الثالوث والقديسون، ويقول: «لقد تحرك في داخلي شيء عندما أمسكت بالقرآن». لقد انبهر ببساطته و«وحدانية الرب القوية -على حد تعبيره- تلك الوحدانية التي لا مكان فيها لحشود من الشخصيات التي تملأ المساحة بين الإنسان والرب. ويواصل كوخانوفيتش قائلًا: «بدأت أبحث أكثر وأتعمق في الكتب والأدب، وفي النهاية أمسكت بدليل الهاتف واتصلت بالمسجد».
على الأغلب ستتزايد أعداد مثل هؤلاء الذين يبحثون بإصرار عن نقاط ارتكاز روحي مستقرة وثابتة في هذا العالم المهزوز، ولكن هذه ليست القناة الوحيدة التي يجري فيها سيل النفوس الجديدة الذي يصب في تيار الإسلام العالمي. فإلى جانب هذا السيل نجد نهرًا من الاعتراض ضد حضارة الغرب الليبرالية الرأسمالية. إن ديانة أعداء نمط الحياة الغربية تبدو راية رائعة للمناضلين والثائرين، الذين يريدون إظهار معارضتهم للعالم المحيط بهم. لذا نجد الإسلام يحظى بشعبية بين مغني «الراب» الزنوج في الولايات المتحدة، وقد حذا حذوهم اثنان من قادة فرق موسيقى «الهيب هوب» في بولندا.
ففي جو من الإثارة تناقلت المجلات الملونة خبر تحول «فوودي» من فرقة «موليستا» للإسلام.
أما «إلدو» «ليشيك كاجيميرتشاك» من فرقة «جراماتيك»، البالغ من العمر ٢٥ عامًا، فقد غير اسمه إلى خالد، كدلالة على انتمائه للدين الجديد، وهو يقول: «عندما كنت أقرأ القرآن أدركت أن الرب واحد، وأن الإسلام هو طريقي إليه، وهو يغني في أشهر أغانيه: «لكل واحد في حياته لحظات يريد فيها القذف بكل شيء، ولكن يجب الصمود وتجاوز هذه اللحظات بتسليم النفس للرب». ويكرس إلدو كل وقت فراغه لصقل نفسه وتعليم الذات، وهو الأمر الذي تأمر به تعاليم دينه، وهو يدرس التاريخ ويتردد على نادي ألعاب القوى ويصلي.
أما أوضح مثال يتجلى فيه الاعتراض والغضب والحاجة إلى إيمان عميق، فهو مثال اعتناق بيوتركالفاس للإسلام، وهو كاتب سيناريو أحد المسلسلات التلفزيونية الشهيرة في بولندا «العالم وفق أسرة السيئين»، أعلن إسلامه قبل أربع سنوات. في كتابه الذي أصدره العام الماضي تحت عنوان: «سلام» صفى حساباته مع حياته ما قبل الإسلام، وفعل ذلك برقة القنبلة الذرية! حطم الجميع: الكنيسة وعائلته ومعارفه.
ولكن كما كتب ستانيسواف جروخوفياك فإن «الثورة تهدأ مع النضوج». فعندما تحدث كالفاس في المسجد فإنه يبدي آراءً أكثر اتزانًا، وهو يبرر الطابع الحاد لكتابه بأنه ليس ناتجًا عن غضبه على الآخرين، بل على حياته التي كانت بلا معنى.
إلا أن الحظ لم يحالف الجميع لكي يهدؤوا وينضجوا بهذه الطريقة. ويحذر كالفاس وكوخانوفيتش وبينكوفسكي -وبصوت واحد- من المعتنقين الجدد، الذين يدخلون المنتديات على مواقع الإنترنت ويسبون البابا أو يجرون النقاشات، كيف أن المسلم يجب عليه أن يضرب الزوجة غير المطيعة بحيث لا يترك على جسدها آثارًا، أو يتناقشون حول ما إذا كان مسموحًا للمسلم بحضور حفل زفاف كاثوليكي لأخيه. وعن هؤلاء يقول بينكوفسكي: «إنهم في الغالب أولئك الذين سافروا إلى مصر مثلًا أو أثناء تنقلهم من قناة إلى أخرى على التلفزيون توقفوا عند قناة حيث شاهدوا مؤذنًا ينادي إلى الصلاة، فانجذبوا للحن الأذان بحيث شعروا في نفس اللحظة أنهم أصبحوا مؤمنين».
أحد دارسي الإسلام البولنديين -الذي لم يرغب في الإفصاح عن اسمه- يصف الراديكاليين بشكل أقوى قائلًا: «إن النار المقدسة حرقت عقول هؤلاء، وهم يتحدثون حول ما إذا كان الإسلام يسمح بامتلاك كلب، إلا أن علمهم ومعرفتهم بالإسلام يبقى صفرًا».
إلا أن كل هؤلاء: الغاضبين والمتطرفين والمعتدلين، هناك قاسم مشترك بينهم وهو عدم الثقة، والخوف من المحيط.
كوخانوفيتش يزن كل كلمة يتفوه بها أثناء حديثه معنا، وعندما كنت أبحث عن المسلمين البولنديين الجدد على الإنترنت، وجدت عدة أشخاص، إلا أن أحدًا منهم لم يرغب في الإفصاح حتى عن اسمه. ومن بين العشرات الذين يحضرون يوم الجمعة للصلاة في مسجد وارسو، وافق على التحدث إليّ أربعة أشخاص فقط، ومن بين هؤلاء الأربعة اثنان فقط سمحا لنا بتصويرهما «لأنهم لا يريدون أن يواجهوا مشكلات في الشارع - على حد قولهم».
إن الخوف يجعل المسلمين البولنديين يدافعون عن أنفسهم حتى عندما لا يهاجمهم أحد، ومثال على ذلك أن مصور مجلة نيوزويك الذي كان يلتقط بعض الصور بموافقة القائمين على المسجد، كان المؤمنون على وشك أن يضربوه، وقد اعتذر الأئمة عن ذلك مبررين ما حدث «بالجو المتوتر».
وتدور بين المسلمين الشائعات حول سعي أجهزة الأمن الخاصة «الاستخبارات» إلى تجنيدهم، وقيامهم بالتحقيق معهم وتصويرهم ومراقبتهم والتنصت على هواتفهم.
إن الشعور بالغربة والكمون في مصيدة يزداد أكثر بسبب أن المحيط البولندي لا يأخذ في الاعتبار حاجات المسلمين ولا عاداتهم؛ لا أعتقد أن أحدًا ممن يعملون في بولندا بإمكانه القيام بالواجبات المفروضة على كل مسلم، لأنه لن يتمكن من أداء الصلاة خمس مرات يوميًّا، والتي تستمر كل منها أكثر من عشر دقائق، والتي يجب أن يسبق كلًّا منها الوضوء. وفي شهر رمضان يلتزم المسلم بالصوم، لذا نجد أن البولنديين يتنازلون عن أداء بعض العبادات، وهكذا تنشأ لدينا فصيلة الإسلام البولندي. «استخدم الكاتب تعبير فصيلة الإسلام على ضفاف نهر الفيستولا للدلالة على أنه إسلام بولندي».
ولكن لحسن الحظ، ففي الإسلام، وكما هو الحال في الكاثوليكية، لكل قاعدة الآلاف من الشواذ؛ فالمسافرون ليس عليهم صيام، وكذلك أولئك الذين يؤدون أعمالًا خطرة «السائقون والطيارون»، والأطفال وكبار السن. أما الصلوات، وخاصة تلك الليلية، فبالإمكان جمعها مع بعضها.
يقول بينكوفسكي: «إن الإسلام دين للبشر، لا يوجد من يطالب البولندية المسلمة أن تجوب الشوارع بغطاء الوجه». ويضيف: «نحن مسلمون ولكننا بولنديون أيضًا». ويرتدي بينكوفسكي الجلابية التقليدية أثناء إقامته في الدول الإسلامية فقط، إلا أنه لا يطلق لحيته. ويذكر زيارته الأولى للمسجد حين شعر بشيء من الغربة عندما وجد أنه مميز بين الحشد الموجود، إذ إن جميع الرجال فيما عداه كانوا ملتحين.
كارينا بومارانسكا لا ترتدي الحجاب في الشارع، وتبرر ذلك قائلة: «إن الحجاب دلالة على التواضع، ولكنني لو ارتديته في بولندا فسيكون ذلك منافيًا للتواضع، إذ إنني سألفت الانتباه لي، علاوة على ذلك فإنني عندما أرتدي الحجاب في الشارع أشعر أنني غريبة». ولا تزال كارينا تشارك في حفلات زملائها؛ إلا أنها لا تحتسي المشروبات الكحولية، وعند سؤالها عن نوع الموسيقى المفضلة لديها أجابت أنه «الروك الروسي الحاد» «على الرغم من أنهم يستخدمون الشتائم كثيرًا في هذه الأغاني على حد قولها». وعلى عكس الكثير من النساء المسلمات لا تريد كارينا التنازل عن حياتها العملية والنجاح فيها. فهي تقول: «إن مكانة المرأة المسلمة هي المكانة التي تسعى إليها وتحصل عليها بنفسها».
إن بعض الذين تحدثنا معهم يرون أن تركيا هي خير مثال على الحضارة المعاصرة، فهي دولة حديثة متطورة، على الرغم من أن سكانها يترددون على المساجد ولا يرتدون الملابس التي يحرمها عليهم الإسلام. إن تركيا تعد نموذجًا للحل الوسط بين المعاصرة والحداثة، ومتطلبات الدين والعادات، وهذا الحل يمكن أن يتخذه المسلمون البولنديون ويلائمونه لاحتياجاتهم. وربما النموذج الذي سيتم تقبله بشكل أكبر في بولندا هو النموذج الشائع، الذي تتزايد شعبيته في الولايات المتحدة وأوروبا، وهو ما يسمى بـ«البروتستانتية الإسلامية»، وهي حركة ترتكز وتستند إلى القرآن الطاهر وترفض الفروض التقليدية النابعة من الثقافة العربية (!).
والسؤال الذي يبقى: كم من الطقوس والمعايير والعادات يمكن رفضها في دين ما دون رفض الدين نفسه بهذه الطريقة؟ هل الإسلام الذي سلبت منه عاداته سيظل إسلامًا؟ اليوم لا أحد يعرف الإجابة عن هذا السؤال، والتجربة البولندية «على ضفاف نهر الفيستولا» مستمرة.