; المسلمون.. والتـربـية السـياسية | مجلة المجتمع

العنوان المسلمون.. والتـربـية السـياسية

الكاتب خالد أحمد الشنتوت

تاريخ النشر الثلاثاء 13-سبتمبر-1994

مشاهدات 75

نشر في العدد 1116

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 13-سبتمبر-1994

بات واضحا للعالم أجمع أن العودة إلى الإسلام أمر حتمي، أراده الله- عز وجل- وبشر به نبيه، وتتلخص العودة إلى الإسلام بالمراحل التالية كما ذكرها الإمام الشهيد حسن البنا - رحمه الله- وهي:
1- تربية الفرد المسلم.
2- تكوين الأسرة المسلمة.
3- إقامة المجتمع المسلم.
4- إقامة الدولة المسلمة.
5- ظهور الأمة المسلمة على سائر الأمم.

وقد قطعت مسيرة الصحوة الإسلامية المرحلتين الأوليين على مدى نصف قرن أو يزيد، وتجاهد اليوم من أجل إقامة المجتمع المسلم، الذي لابد له من دولة مسلمة تحكمه بشريعة الله وحدها.

وعندما نتفق على أن التربية والتكوين هما المنطلق الأساسي للصحوة الإسلامية، وهما الطريق الإسلامي للعودة إلى الإسلام، نذكر بأن التربية الإسلامية شاملة للفرد والمجتمع، ومن أركانها الأساسية التربية السياسية.

تعريف التربية السياسية:

هي إعداد المواطنين المسلمين للعيش في المجتمع المسلم، ويعرفها عثمان عبد المعز رسلان بقوله: تعد المواطنين لممارسة الشؤون العامة في میدان الحياة الاجتماعية عن طريق الوعي والمشاركة، وعن طريق إعدادهم لتحمل المسؤولية، وتمكينهم من القيام بواجباتهم والتمسك بحقوقهم، تبدأ في مرحلة مبكرة من العمر، وتستمر خلال سنوات الحياة (۱).

وهذه التربية السياسية ضرورية للمجتمعات المسلمة المعاصرة، بل هي - في رأي البعض- الدواء الوحيد لعلتها وتخلفها، هذه المجتمعات ... التي ظهرت فيها- لعوامل عديدة ومتداخلة- مشكلات عدم الانتماء واللامبالاة بالآخرين والإحجام عن المشاركة السياسية، فالتربية السياسية تكون شعور العضوية في الجماعة والإحساس بالآخرين (۲).

اضطراب مفهوم العمل السياسي:

وإذا استثنينا جزءا كبيرا من عامة المسلمين الذين يربطون السياسة بالمكيافللية، ويرون أن السياسة هي الكذب والخداع، فيبتعدون عنها ويتركونها لأعداء المسلمين من الملحدين والعلمانيين، نجد أن رموز الصحوة الإسلامية.

غير متفقة على أسس العمل السياسي الإسلامي، فذاك يرى التربية والموعظة الحسنة كافية لإقامة المجتمع المسلم، بينما يرى غيره أن الجهاد المسلح الطريق الوحيد لإزالة الطواغيت التي تعترض سبيل المجتمع المسلم، وانعكست هذه المفاهيم المضطربة والمتغايرة على حاضر العمل الإسلامي، فتعددت الجماعات وتصارع بعضها بدلا من التعاون والتكامل، ويبدو للباحث أن سبب هذا الاضطراب هو عدم وضوح منهج السياسة الإسلامية عند الصحوة المسلمة المعاصرة، واختلاط هذا المنهج أحيانا برواسب الجاهلية الحديثة ذات البريق الساطع، فما هو منهج السياسة الإسلامية.

منهج السياسة الإسلامية:

من البديهي أن هذا المنهج يجب أن يستنبط من كتاب الله- عز وجل- وسنة رسوله وفي صحيح مسلم كتاب يسمى كتاب الإمارة، وقد أخرج البخاري بعض أحاديثه في مواضع مختلفة من صحيحه أشار إليها محمد فؤاد عبد الباقي في اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان وقد فصل الشرح فيها ابن حجر- رحمه الله - وكذلك في كتب الحديث الأخرى. وفي الأحكام السلطانية للماوردي، والأحكام السلطانية لأبي يعلي الفراء، وفي الغياثي لإمام الحرمين - رحمهم الله جميعا- كنوز من الفقه السياسي الإسلامي تكفي لصياغة منهج السياسة الإسلامية، ويتميز هذا المنهج بما يلي:

1- العمل السياسي فريضة على المسلمين:

أخرج الدارمي موقوفا عن عمر- رضي الله عنه- أنه قال: .... أنه لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمارة، ولا إمارة إلا بطاعة..) (۳) فلا يقوم الإسلام بأفراد، ومهما كثر عدد الأفراد المسلمين الأتقياء في مجتمع كالمجتمع الأمريكي الحالي فإن هؤلاء الأفراد ليسوا مجتمعا مسلما ولا يمكنهم إقامة الإسلام صحيحا وكاملا في حياتهم، ويقول أحمد شوقي الفنجري: الإسلام لا يفرق بين الدين والسياسة، بل إن العمل السياسي الصالح خير عند الله ثوابا ومنزلة من مزيد من العبادات فرسول الله ﷺ يقول كما روى عنه: (عدل حكم ساعة خير من عبادة سبعين سنة) (٤).

ويقول سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَءَاتَوُا قلی الزَّكَوٰةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (سورة الحج 41).

ويلاحظ ربط الصلاة بالزكاة وهي ضريبة اقتصادية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو ممارسة سياسية (٥).

ويقول عبد الرحمن عبد الخالق كل من يدرس بإمعان سيرة شيخ الإسلام ابن تيمية سيجد أنه كان قائد جماعة تلتزم بأمره، الذي إذا يوجهه إليها كأمر وليس كموعظة (٦).

وإذا كان العمل السياسي فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الآخرين، فإنه تأثم الأمة كلها إذا لم يتمكن بعضها من إقامته والوصول إلى هدفه ألا وهو إعادة الخلافة المسلمة.

وأخيرًا يربط الإمام البنا بوضوح بين العقيدة والعمل السياسي بقوله: (إن المسلم لن يتم إسلامه إلا إذا كان سياسيا: بعيد النظر في شؤون أمته، مهتما بها ..) (۷).

٢- السياسة الإسلامية متميزة:

وتتميز السياسة الإسلامية عن جميع الفلسفات السياسية لأنها مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله، لذا فإنها تختلف عن الديكتاتورية والديموقراطية، والجمهورية والملكية ولا يعني ذلك أنها لا تتشابه في بعض أجزائها مع بعض هذه الأنظمة، لكنها تختلف في مضمونها وهدفها ووسائلها، وليس هنا مجال لتفصيل ذلك.
أما خصائص منهج السياسة الإسلامية فهي:

1 - الشورى: وهي الركن الأساسي للسياسة المسلمة، ومصادر استنباطها كتاب الله عز وجل، وسنة رسوله ﷺ ، وسيرة الخلفاء الراشدين المهديين رضي الله عنهم أجمعين، فقد كان رسول الله ﷺ رسولا وحاكما وكان يشاور أصحابه، ثم سار الخلفاء الراشدون على هديه ﷺ وفي هذا التراث ما يكفي لاستنباط قواعد الشورى وأصولها.

2- التعاون وأعني به الحوار والاعتراف بالآخر، ويلخصه جملة الإمام محمد رشيد رضا- رحمه الله- التي كررها الإمام الشهيد حسن البنا-رحمه الله - حتى نسبت إليه وهي: فلنتعاون فيما اتفقنا عليه، وليعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه (۸).

ويؤدي مفهوم التعاون إلى قبول مبدأ تعدد الجماعات، وقبول مبدأ التحالف السياسي ضمن الإطار الإسلامي، وبما يخدم أهداف المجتمع المسلم والأمة المسلمة، ومن أحب المزيد من الاطلاع فليرجع إلى إصدارات مركز تطبيق الشريعة الإسلامية في إسلام آباد، وبالخصوص إلى بحث التعددية السياسية في الدولة المسلمة ص ٤٦، وشرعية الانتماء إلى الأحزاب والجماعات الإسلامية ص ۱۸.

3- البيعة : وخلاصتها أن العمل السياسي عبادة، يتقرب بها المسلم إلى ربه، عندئذ سيظهر العمل السياسي الإسلامي ويتميز عن العمل السياسي الجاهلي، بعد أن ينقى من اللف والدوران وحب الذات والمصلحة الشخصية.. إلخ. ويصبح عبادة يتقرب بها المسلم إلى ربه، ويتضمن هذا المفهوم فرضية العمل السياسي كما سبق.

4- العدالة: ولعل العالم كله يجار من الظلم بعد أن أطبق عليه اليهود والصليبيون ومعظم الظلم يصب على المسلمين حتى أنكر ذلك بعض أحرار العالم من غير المسلمين.

والعدالة تحفظ المجتمع المسلم بعد قيامه كما يهدم الظلم أي مجتمع مهما كان قويا في ظاهره والمجتمع السوفيتي مثال صارخ لما أقول) لذلك يقول ابن تيمية ... ولهذا قيل إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام (۹).

ويقول سبحانه وتعالى:﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾... (النساء: (٥٨)

ويقول القرطبي - رحمه الله - ... والأظهر في الآية أنها عامة في جميع الناس .. فعدل الحكومة المسلمة يشمل المسلم وغير المسلم.. وفي التاريخ الإسلامي من الشواهد للعدل من غير المسلمين ما يجعلها كالنجوم المتلألئة في تاريخ البشر.

5- الاهتمام بالمسلمين: ومن خصائص السياسة المسلمة نمو الشعور الإسلامي (وليس الشعور القومي وهو بداية تكوين الأمة المسلمة بل إعادة الأمة المسلمة التي كان خليفتها المعتصم يمشي بنفسه مع الجيش لنجد المرأة المسلمة التي صرخت (وا معتصماه).

ومن البديهي أن أخطر أمراض المسلمين اليوم انفراط عقدهم وتشرذم أمتهم، ونمو رابطة القبلية والمحلية والعشائرية والقومية بدلا من رابطة العقيدة والدين، وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من أصبح وهمه الدنيا فليس من الله في شيء، ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم (۱۰).

والاهتمام بالمسلمين ينمو مع نمو الشعور الجماعي، ومما يؤلم اليوم أن التشرذم والعزلة والبعد عن الناس (المسلمين) ينتشر بين المسلمين اليوم كنتيجة للإرهاب الحكومي والدولي ضد المسلمين حتى توهم بعض المسلمين أن العزلة والإكثار من الصلاة والصوم والنوافل خير من الاختلاط بالناس، وهذا وهم يرده ما أخرجه الطبراني عن ابن عمر في المعجم الكبير (۲۰۹/۳)

أن رسول الله ﷺ قال: «أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله- تعالى عز وجل- سرور يدخله على مسلم، أو يكشف عنه كريه، أو يقضي عنه دينا، أو يطرد عنه جوعا ولئن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد يعني مسجد النبي ) شهرا، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تتهيأ له أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام (۱۱).

الخاتمة:

إذن نحتاج اليوم إلى التربية السياسية وهي جزء من التربية الإسلامية، ويتميز منهج التربية السياسية الإسلامية بأنه مستمد من كتاب الله وسنة رسوله ، وعليه فالسياسة المسلمة متميزة عن غيرها، ومن خصائصها الشورى والبيعة، والتعاون والعدالة والاهتمام بالمسلمين.

أما مؤسسات التربية السياسية في المجتمع المسلم فهي البيت والمدرسة والمسجد والمجتمع بوسائل إعلامه وأنديته ومؤسساته السياسية ولعلها تفصل في لقاء قادم بإذن الله تعالى... والحمد لله رب العالمين.

الهوامش:

(۱) عثمان عبد المعز رسلان التربية السياسية عند الإخوان المسلمين رسالة ماجستير مطبوعة من كلية التربية بجامعة طنطا (۱۹۸۹م) ص ۱۳.

(۲) المرجع نفسه، ص ۱۳.

(۳) الدارمي (۷۹/۱) انظر حسين جابر الطريق إلى جماعة المسلمين، ص ۱۳، وهي رسالة ماجستير من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. (٤) قال العجلوني في كشف الخفاء (۷۰/۲) رواه الديلمي عن أبي هريرة وأسنده من طريق أبي نعيم.

(5) أحمد شوقي الفنجري الحرية السياسية في الإسلام ص 11.

(6) عبد الرحمن عبد الخالق ابن تيمية والعمل الجماعي ص .

(۷) حسن البنا، رسالة إلى الطلاب، ص ...

(۸) انظر: د. يوسف القرضاوي الصحوة الإسلامية ص 159.

(۹) ابن تيمية الحسبة، ص ٩١.

(۱۰) جامع الأحاديث (١٠٢/٦)، وهي عند الطبراني، وفي مجمع الزوائد (۲۰۱/۱۰).

(۱۱) قال الألباني في السلسلة الصحيحة (١٠٨/٢) إسناده ضعيف جدا، لكنه جاء بإسناد خير من هذا من رواية ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج (ص (۸۰) وابن عساكر (٤٤٠/١١) وإسناده حسن.

الرابط المختصر :