العنوان المسلم في طريق الأبراج
الكاتب محمد حسن بريغش
تاريخ النشر الثلاثاء 31-أغسطس-1976
مشاهدات 65
نشر في العدد 315
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 31-أغسطس-1976
الإنسان المعاصر يسعى وراء الوسيلة المتطورة، ويحرص على اقتناء الآلة الحديثة، ويتنافس مع أخيه للفوز بالسبق في مجال الإبداع والاختراع المادي، وهكذا نرى عقول المبدعين والعلماء تدفع إلى مجال الخدمات وسائل مستحدثة تعين الإنسان في الحياة، وتجلب له الراحة، وتؤمن له الرفاهية، حتى بات الناس في شغل دائم بالجديد المستحدث، والاختراع المبتكر. وأنساهم ذلك ما وراء دنياهم، فظنوا أن الغاية هنا في الدنيا والمطمح لا يعدو نهاية العمر، ولكن المسلم إنسان آخر، المسلم يسعى في الأرض، لأن سعيه شيء من مهمته في الحياة، ولأن الأرض التي يعيش عليها خلقت ليكون مستخلفًا فيها، ومن حق الله عليه أن يعمر هذه الأرض، ويأخذ منها النافع المفيد، ويسخر الغيب المثمر لخدمة البشر جميعًا، ولكي تكون وسيلته للحياة بأمر ربه، وعونه على طاعة الله عز وجل.
وهكذا يرتبط سعي المسلم في الأرض، وبحثه في ما تحمل وما تخبئ، بعقيدته وإيمانه لأنه يعلم أن الله عز وجل أشهد ملائكته على استخلافه في الأرض ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: 30)
ولكن الفارق الوحيد بين مسعى المسلم ومسعى غير المسلم يتعلق بالغاية والمبعث فغاية المسلم في سعيه مرتبطة بتحقيق عبوديته كاملة لله عز وجل، والقيام بحق الاستخلاف في الأرض، والفوز بمرضاة الله جل جلاله.
ومبعث عمله قائم على طاعة أمر الله الخالق، الذي جعل الإنسان في الأرض خليفة لا يعمل إلا وفق أمر الخالق المبدع، فهو مؤتمن - مستخلف، ممتحن، ثم بعد حين يكون الحساب ثم الجزاء العادل.
أما غير المسلم فإن هذا كله غير قائم في ذهنه ونيته، إذ ينبعث من مطمع أو مطمح، ويندفع لشهوة أو شهرة، ويسعى لحيازة المادة، واكتناز المال، والفوز بالمكان، وهكذا تنحصر غاياته، وتتحدد بواعث عمله من منطلقات وحدود آنية أرضية فانية، فلا يتوجه لله عز وجل بما يعمل، ولا يبتغي مرضاته في ما يسمى، ولا ينتظر الثواب والحساب بعد الموت، وهذا هو الضلال الكبير.
وفرق كبير بين الرجلين، لأن الباعث والغاية تحددان طبيعة السعي والعمل والاختراع، وتقومان الوسيلة وتحفظان الخطى من الضلال والطيش والأذى.
أي قانون هذا، وأي رقيب - غير الله - يملك أن يتحكم بتصرفات البشر الذين ينحرفون عن شرع الله؟ وأي أمل، وأية وسيلة يحدان من جشع الإنسان، وفجوره وقسوته على أخيه الإنسان إذا حاد عن منهج الله. والمسلمون اليوم، يسعون كما يسعى الناس لامتلاك وسائل الحياة الحديثة، ويعملون كما يعمل بقية الشعوب على امتلاك القدرات على الاختراع والإبداع والإنتاج، حتى لا تكون ثرواتهم نهبا لغيرهم، وحتى لا تكون ظروفهم في يد أعدائهم.
وهذا أمر مفروض عليهم، إذ لا يجوز أن يستعلي على المؤمن كافر، ولا يجوز أن يقصر المسلم في السعي والعمل ما دام يسعى لرضاة الله وتحقيق منهجه في الأرض.
ولكنه في سعيه هذا ينبغي أن لا ينسى هاتين الركيزتين اللتين تطبعان عمله وإنتاجه بطابع الإسلام، وتحفظان خطاه وإنتاجه من الانحراف والضلال، الركيزة الأولى هي في استذكار الباعث على هذا السعي والإنتاج والاختراع والسباق، الذي يتحدد في قيامه بمهمة الاستخلاف في الأرض طاعة لأمر الله، ومعرفته أن ما في الأرض مخلوق لتلبية حاجاته، وما دامت السماوات والأرض، وإن كنوزها وما عليها مخبوءة له لكي يستخدمها في مدة استمرارها حية ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (الملك: ١٥ )
وهذا ما يجعله يترفع عن عمل لا يتوافق مع هذا المبعث، بل هذا ما يجعله ينفي من حياته الكسل، ويبتعد عن ضياع الوقت لأنه مستخلف مؤتمن ومحاسب مجازى وسيقف يوم القيامة ليحاسب عن عمره وماله وعمله وعلمه وجسده.
«لا تزولا قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره في ما أمضاه، وعن جسده في ما أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وأین وضعه وعن علمه فيما عمل به» كما قال صلى الله عليه وسلم «يتبع الميت ثلاثة، أهله وماله وعمله. فيرجع اثنان ويبقى واحد يرجع أهله وماله، ويبقى عمله» متفق عليه.
والباعث هذا يجعل عمل المسلم كله خيرًا، حتى يمارس ما يشتهي من طيبات الدنيا، وما يعمل من دقائق الأمور وعظيمها، ويشع في نفسه الأمل والطموح، ويستأنس بالحياة ويستبشر بالطاعة ولا يستصغر عملًا في دنياه، ما دام يبتغي مرضاة الله عز وجل.
جاء أناس إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم قال: «أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به أن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة». قالوا: يا رسول الله أياتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟
قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر» رواه مسلم
وقال - صلى الله عليه وسلم- لا تحقرن من المعروف شيئا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق» رواه مسلم
والركيزة الثانية هي معرفة الغاية من العمل، والتوجيه به إلى الله عز وجل وابتغاء مرضاته. ومعرفة أن عمل الإنسان في الحياة فرض يحاسب عليه، وأن تقصيره عن أداء واجبه تقصير وإثم يسأل عنه يوم القيامة ومن تحديد الغاية بهذه الحدود يمتنع الاستغلال، وتنتفي العجلة، والثمرة الدانية، والربح الدنيوي العاجل أو الحرام، ومن تحديد الغاية أيضًا يمتنع المسلم عن إضاعة الزمن سدى، أو اختراع ما يضر الناس، أو يجلب الشر عليهم، وكذلك يمتنع عن استعمال ما يملك للاستغلال والظلم.
إن هاتين الركيزتين ضمانة للاستقامة، والأثمار والرفاه الطيب إضافة لذلك فإن هذا يمنع تحول الإنسان إلى إله وإعلاء قيمة المادة وجعلها غاية السعي والكفاح في هذه الحياة كما هو واقع في الحضارة الغربية.
فالمسلم يبدع ما يبدع، ويخترع ما يخترع ليخدم الإنسان، لذلك تبقى مخترعاته ذات صبغة إنسانية، وتستخدم لغاية إنسانية بينما نرى الحضارة الغربية تحول الإنسان ذاته إلى الآلة، وتعلي قيمة الآلة والمادة فوق قيمة الإنسان ذاته، بل تسحق الإنسان بين أسنان الآلات لتبقى المصانع قائمة وليبقى الجشع قائمًا على استغلاله.
وهكذا يصنع المسلم حضارته على هدى الله، يسبق الناس في العلم والاختراع كما يسبق الناس في الطاعة والعبادة، ولا يجد تناقضا بين هذا وذاك، بل يرى أن في كليهما عبادة وطاعة ما دام ذلك لمرضاة الله عز وجل ويظهر إن المسلم في الحضارة التي يصنعها، فتغدو الحضارة للإنسان ومن أجل الإنسان.
لهذه السمة الأصيلة، وكانت حضارة الأشياء والآلات.
فلتكن خطواتك يا أخي المسلم وأنت تسعى لامتلاك ناحية الإبداع على هدى الله ولنتجنب حكم الله على طائفة من الناس إذ يقول: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ (الكهف:103-104-105)