; من يحمي المسيحيين العرب الإسلام.. أم الفاتيكان ؟؟ (8) المسيحية والسياسات الغربية | مجلة المجتمع

العنوان من يحمي المسيحيين العرب الإسلام.. أم الفاتيكان ؟؟ (8) المسيحية والسياسات الغربية

الكاتب د. محمد عمارة

تاريخ النشر السبت 18-ديسمبر-2010

مشاهدات 53

نشر في العدد 1931

نشر في الصفحة 38

السبت 18-ديسمبر-2010

د. محمد عمارة في التاريخ الحديث، ومنذ غزوة « بونابرت» (١٧٦٩) - ۱۸۲۱م) لمص- والشرق (۱۲۱۳هـ / ۱۷۹۸م)، ارتبطت المسيحية- الإنجيلية والكاثوليكية- في الشرق بالسياسات الغربية للدول الاستعمارية فعندما احتلت فرنسا الجزائر سنة ۱۸۳۰م، ذهب الملك شارل العاشر، (١٧٥٧ - ۱۸۳٦م) ملك فرنسا العلمانية إلى الكنيسة ليشكر الرب.. واستقبله مطران باريس، وخطب في حضرته فقال: «إننا نحمد الله على كون الملة المسيحية قد انتصرت نصرة عظيمة على الملة الإسلامية، وما زالت كذلك (1)!

وكانت فرنسا العلمانية هذه هي التي عملت على زرع الكاثوليكية في الجزائر التي لم يكن بها مسيحي واحد قبل الاحتلال وهي التي حولت عددًا من المساجد الجزائرية الكبيرة إلى كاتدرائيات... وهي التي خطب قادتها- السياسيون والدينيون- سنة ١٩٣٠م في الاحتفال بمرور قرن على احتلال الجزائر فقال أحد كبار الساسة: «إننا لن ننتصر على الجزائريين ما داموا يقرؤون القرآن ويتكلمون العربية، فيجب أن نزيل القرآن من صدورهم، وأن نقتلع العربية من ألسنتهم!

وخطب سياسي آخر، فقال: لا تظنوا أن هذه المهرجانات من أجل بلوغنا مائة سنة في هذا الوطن، فلقد قام الرومان قبلنا فيه ثلاثة قرون، ومع ذلك خرجوا منه ألا فلتعلموا أن مغزى هذه المهرجانات هو تشييع جنازة الإسلام بهذه الديار وخطب أحد كرادلة الكنيسة الكاثوليكية الفرنسية، فقال: إن عهد الهلال في الجزائر قد غير، وإن عهد الصليب قد بدأ، وسيستمر إلى الأبد، وإن علينا أن نجعل أرض الجزائر مهدا الدولة مسيحية مضاءة أرجاؤها بنور مدنية منبع وحيها الإنجيل (2).

زرع المسيحية

وقبل استعمار نيجيريا- أكبر البلاد الإسلامية الأفريقية- وغيرها من المستعمرات الأفريقية لم يكن بهذه المستعمرات مسيحي واحدًا فزرع الاستعمار الغربي وسياسات حكوماته المسيحية حيث بلغت جيوش الاستعمار وسياسات المستعمرين الغربيين وفي واقعنا المعاصر، برزت العلاقات العضوية بين الغزو الغربي المعاصر لبلاد الشرق الإسلامي وبين المسيحية كما تؤمن بها الكنائس المسيحية الغربية الكبرى.. فاليمين الديني الأمريكي الذي قاد الغزو الغربي للعراق في مارس سنة ٢٠٠٣م قد أعلن بلسان الرئيس الأمريكي السابق بوش- الصغير- أن الحرب على العراق هي حرب مقدسة، بمقاييس القديس أوغسطين» (٣٥٤) - ٤٣٠م)، والقديس توما الأكويني» (١٢٢٥) - ١٢٧٤م)، و«مارتن لوثر» (١٤٨٣ - ١٥٤٦م)(3).. 

وأن هذه الحرب هي للقضاء على صدام حسين (۱۹۳۷م - ٢٠٠٦م) بختنصر بابل، الذي يهدد «إسرائيل»، ويعرقل عودة المسيح بل لقد استخرج هذا اللاهوت الكنسي الأمريكي لغزو العراق وتدميره مرجعية من الكتاب المقدس، فكتب القس دافيد بريكنر»: «إننا نعرف أن تدمير بابل الذي ورد في الإصحاح ١٨ يعني تدمير العراق وكتب القس «تشارلز داير»

أستاذ اللاهوت في جامعة دالس يقول: إن إصحاح إشعيا ١٣ يشير إلى قيام صدام حسين، وإلى غزوه للكويت، وذلك لإقامة قاعدة للهجوم على إسرائيل»، فصدام هو خليفة نبوخذ نصره (٦٠٥ - ٥٦٢ ق.م) الذي هزم «الإسرائيليين وسباهم إلى بابل ودمر الهيكل، وذلك بسبب عداء صدام له إسرائيل. وبسبب نواياه لإعادة بناء بابل(4)!

٨٠٠ منصر بالعراق

وفي ركاب الجيش الأمريكي الغازي للعراق وعلى دباباته دخل إلى العراق ثمانمائة منصر أمريكي لنشر المسيحية، لاسيما في بغداد.. ولقد كان «بوش - الصغير، القائد العام لقوات الغزو الأمريكي الغربي للعراق، يقرأ في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض صباح کتاب عظات دينية، لقس أسترالي كل يوم كان يحرّض الجنود الإنجليز على غزو مدينة القدس سنة ١٩١٧م... كما كان يعتقد بأن صراعه مع صدام حسين هو الذي تحدث عنه الإنجيل الصراع بين المسيح والشيطان ولقد استخرج كلمة الأشرار، التي وصف بها العراق والدول الخارجة عن الفلك الأمريكي من سفر المزامير، كما أن قيادة الغزو الأمريكي إنما كانت تتم بالبيت الأبيض في جو من الصلاة (5)! 

بهذا اللاهوت الإنجيلي، تم الغزو الأمريكي / الغربي للعراق!

اصطياد الأفغان للمسيحية

وفي أفغانستان، التي اجتاحها الأمريكان مع حلف النيتو في أكتوبر سنة ٢٠٠١م، زحف عليها المنصرون من كل الكنائس الغربية.. بل ومارس جنود الغزو توزيع الأناجيل، وعمليات إصطياد العقول الأفغانية للمسيحية مع إصطياد رقاب الأفغان المقاومين للغزاة وقامت كنيسة «صيمول الكورية الجنوبية» التابعة للكنيسة المسيحية الأمريكية بدور بارز في عملية تنصير الأفغان!! هكذا زحف التنصير للمسلمين في ركاب الجيوش الغربية الغازية لعالم الإسلام في الواقع المعاصر كما في الغزوات الغربية لأفريقيا والشرق في عصرنا الحديث.. وهكذا ارتبطت المسيحية بالسياسات الاستعمارية طوال هذا التاريخ.

 ولقد تركت هذه الحقيقة انطباعًا واعتقادًا راسخًا لدى الأفارقة والشرقيين: أن المسيحية هي ديانة الغرب الاستعماري والرجل الأبيض.. حتى لقد أعتقد كثير من الأفارقة أن للرجل الأبيض مسيحه الأبيض، ومن ثم فلا بد وأن يكون للسود مسيحهم الأسود!

أي أن المسيحية قد ارتبطت بالاستعمار الغربي.. وارتبط نشرها والتبشير بها بالغزو الغربي والسياسات الاستعمارية الغربية، منذ مطالع الغزو الغربي للشرق قبل خمسمائة عام.

عقدة مسيحية

ولقد أصبحت الكنائس الغربية، الساعية إلى زرع المسيحية في البلاد الإسلامية تعاني من هذه العقدة، عقدة ربط المسيحية بالاستعمار وربط التنصير بقوة السياسات الغربية المهيمنة على النظام الدولي الأمر الذي فرض أطواقًا من العزلة على التنصير والمنصرين وجعل الذين يقعون في حبائلهم يبدون- في مجتمعاتهم- خونة، سقطوا في ديانة المستعمرين الغربيين ولقد غدا البحث عن حلول لهذه العقدة، والسعي لإقناع ضحايا التنصير- في البلاد الشرقية- بفك الارتباط بين النصرانية وبين سياسات الهيمنة الغربية، أصبحت هذه القضية بندًا بارزًا في جدول أعمال الكنائس الغربية الساعية إلى تنصير المسلمين.. لقد اعترفت وثائق مؤتمر كولورادو، الذي عقدته الكنائس الأمريكية لتنصير المسلمين في مايو سنة ١٩٧٨م، وهو أخطر مؤتمرات التنصير إعترفت بحقيقة أن إستراتيجية التنصير الأوروبية الأمريكية كانت عمومًا مرتبطة إرتباطًا وثيقا بالعقلية الإستعمارية.. ولذلك فإن المسلم لا ينظر إلى النصرانية على أنها فقط كفر ديني، بل إنه يراها نظيرة للاستعمار وللحضارة وللثقافة الغربية (6).

وللتغلب على حقيقة ارتباط التنصير بالاستعمار، أعلنت وثائق مؤتمر كولورادو عن تبنيها للنفاق والميكيافيلية، كي توهم الشرقيين بفك الارتباط بين المسيحية وبين السياسات الغربية.. فقالت: «إن الشرط الأساسي لنجاح التنصير هو أن نتوب من طبيعة علاقاتنا الغربية النصرانية التاريخية والحالية على العالم الإسلامي، وإذا لم نخط هذه الخطوة، فلن يفيدنا التنصل من مسؤوليتنا عن الجرائم البشعة التي ارتكبها الصليبيون ضد المسلمين، ولا عن الإرهاب الصهيوني ضد المسلمين فالاعتقاد السائد بين المسلمين هو أننا نشترك في المسؤولية عما ارتكبه أسلافنا وحلفاؤنا أبناء جلدتنا إذا لم نشجب تلك الأعمال ونتصرف بطريقة مختلفة عنها.... 

ثم أعلنت هذه الوثائق أن هذه التوبة هي ميكيافيلية منافقة اقتضتها «ظروف» التنصير التي تتطلب إظهار» فك الارتباط بين النصرانية وبين السياسات الغربية... فقالت: إن الظرفية تلزمنا أن نبدأ العمل وفق شرطهم «شرط الشرقيين» وليس وفق شروطنا، وبمعنى آخر فإن الموقف يتطلب منا أن نرتكب عن عمد أنواعًا من أعمال الخيانة لأممنا ومجتمعاتنا (7)

 فك الارتباط

هكذا حاول المنصرون الأمريكان في مؤتمر كولورادو إظهار فك الارتباط بين المسيحية والتنصير وبين السياسات الاستعمارية الغربية... وجاء الشق الآخر للمسيحية الغربية- الكنيسة الكاثوليكية لتحاول ذات المحاولة في هذه الوثيقة الفاتيكانية، فادعت أن الغرب ليس مسيحيًا، وإنما هو علماني.. ومن ثم فلا وجه الربط المسيحية بالسياسات الغربية تجاه العالم الإسلامي وقضاياه.. فقالت في البند ۱۰۱ في معظم الأحيان توحد بلادنا «الشرقية» بين الغرب والمسيحية فإذا كان صحيحًا أن الغرب له تقليد مسيحي، وأن جذوره مسيحية، فمن الواضح أيضًا أن حكومات اليوم علمانية، ولا تستلهم السياسة الإيمان المسيحي، بل كثيرًا ما تحارب بعض تعبيراته لكن العالم الإسلامي لا يفرق بسهولة بين الجانب السياسي والجانب الديني، وهذا ما يتسبب في ضرر كبير لكنائس منطقة الشرق الأوسط، لأن الرأي العام الإسلامي ينهم فعليا الكنيسة بأية خيارات سياسية للدول الغربية.

بعد ديني

ونحن نقول: إنه مما لا شك فيه أن أغلبية الدول الغربية هي دول علمانية، لكنها علمانية في نظمها الاجتماعية والسياسية الداخلية.. مع بقاء بعد ديني مسيحي يلعب أدوارًا- كبيرة أو صغيرة- في كثير من الأحيان، رغم علمانية هذه الحكومات الغربية أما في سياسات هذه الحكومات الغربية تجاه العالم الإسلامي وتجاه الإسلام حتى في داخل مجتمعاتها فإنها صليبية حتى النخاع!

وإلا، فمن الذي زرع المسيحية وكنائسها الغربية في المجتمعات الشرقية، والإسلامية؟ أليست هي تلك الحكومات الغربية؟ وفي ركاب أي سياسات وأي جيوش يسير المنصرون في العراق وأفغانستان؟! وغيرها من بلاد الإسلام؟.. أليس في ركاب السياسات والجيوش التي تسيرها هذه الحكومات الغربية؟

- وما دور الكنائس الغربية في الصراعات الدموية، وفي تجارة السلاح بأفريقيا؟ والتي تحقق المصالح الاستعمارية للحكومات الغربية ؟! وما دور السياسات الغربية في التدخل بشؤون البلاد الإسلامية بحجة الدفاع عن الأقليات المسيحية؟ . 

وما دور السياسات الغربية- ومعها سياسة الفاتيكان- في التخويف من الإسلام وإشاعة أجواء الإسلاموفوبيا؟

وما دور السياسات الغربية، المستندة إلى المسيحية الصهيونية في اغتصاب فلسطين وصنع واحدة من كبريات ماسي العصر الحديث؟ . ولماذا هذا التطابق بين موقف الفاتيكان من القضية الفلسطينية، والرافض حتى لمعاداة الصهيونية.. لماذا هذا التطابق بين موقف الكنيسة الجامعة وبين السياسات الاستعمارية الغربية تجاه القضية الفلسطينية؟

دراسة مهمة

ثم إن الشواهد الساطعة تعلن أن السياسات الغربية- وخاصة منذ سقوط الشيوعية وأحزابها وحكوماتها ومعسكرها أوائل سنة قد تعاظمت اللغة الدينية في۱۹۹۱م سياسات هذه الحكومات، وفي دراسة بالغة الأهمية نشرتها المجلة الفصلية الرصينة شؤون دولية international affairs .

الصادرة في كمبردج بإنجلترا - المجلد ٦٧ - عدد ١ يناير ،۱۹۹۱م نكتشف الحقائق الكثيرة عن دور الدين في السياسات الغربية وتزايد اللغة الدينية، في تلك السياسات:

1- فأوروبا التي اعتادت أن تعرف نفسها من خلال تحديد الآخر تعرف نفسها اليوم- بعد سقوط الشيوعية- من خلال الآخر الإسلامي.

۲ - ورسوخ الإسلام في المجال السياسي والاجتماعي الذي يجعله، رافضًا للمبدأ المسيحي / الغربي في الفصل بين ما لله وما لقيصر، يجعل الإسلام مستعصيًا على العلمانية الغربية ومن ثم هدفا مباشرًا للحملة الغربية الجديدة.

 3-ونحن في وقت يسود فيه انطباع قوي بتضاعف الإشارات إلى المسيحية في السياق الدولي.. الأمر الذي يعكس إلى أي مدى يميل الفكر الغربي إلى جعل الحضارة المسيحية- اليهودية / الغربية هي الحضارة المهيمنة، وجعل أفكارها مطلقة، وليست مجرد ثقافة بين ثقافات عديدة يعج بها العالم.

إقحام الدين

4- ... وإنه من الواضح أن الدين أصبح يقتحم الشؤون الدولية بصورة متزايدة أو بالأحرى يعيد إدخال نفسه فيها.. لقد كان في القرون الماضية يلعب دورا في أفغانستان التي اجتاحها الأمريكان مع حلف النيتو عام ۲۰۰۱م زحف عليها المنصرون من كل الكنائس الغربية.. ووزع الجنود الأناجيل.. وقامت كنيسة صيمول الكورية الجنوبية بدور بارز في عملية تنصير الأفغان!! مركزيا في العلاقات بين الدول، وفي حياتها الداخلية، وهو إن تراجع عن الدور المركزي في القرن العشرين إلا أنه يعود- بعد سقوط الشيوعية- ليقتحم الشؤون الدولية بصورة متزايدة.

5- ويصعب أن تكون مصادفة أن الديمقراطيين المسيحيين في كل بلد أوروبي موجودون على الدوام بين أشد أنصار الوحدة الأوروبية حماسا، وأن القادة القوميين الثلاثة الذين أرسوا أسس الاتحاد الأوروبي.. كوفراد أديناور (١٨٧٦ - ١٩٦١) و الستيردي جاسبري (۱۸۸۱ - ١٩٥٤م) و روبرت شومان (١٨٨٦ - ١٩٦٣م) كانوا جميعهم من الديمقراطيين المسيحيين، ومن «الكاثوليك المخلصين».

وإن الإشارات إلى المسيحية في سياق دولي، قد تضاعفت في وسائل الإعلام الغربية قبيل سقوط الشيوعية سنة ١٩٩٠م.

إحداث تغيير

7- وأن الكنيسة قد لعبت دورًا مهما في إحداث التغيير السياسي، في بولندا، وألمانيا الشرقية.. وإلى حد ما في تشيكوسلوفاكيا ...

8- وإن دور المنشقين المسيحيين في مقاومة النظام السوفييتي لم يكن ضعيفا.. ولقد كان مدهشًا حقًا سرعة توجه المجتمع إلى الكنيسة الأرثوذكسية في بحث عن البديل الذي يملأ فراغ الأيديولوجية الشيوعية.

9- وبذوبان الستار الحديدي إكتشفنا أوروبيين يشاركوننا ميراثنا الحضاري الديني.. فالتراث المسيحي عنصر مهم في الثقافة الغربية التي نشترك فيها مع هؤلاء الأوروبيين الشرقيين.

10- وإن الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، وهي منظمة عبر قومية كثيرا ما يدلي رئيسها الروحي ببيانات متكررة تمس العلاقات الدولية، يرتبط في كثير منها تعبير المسيحية، و أوروبا بصورة وثيقة.. 

١١- وفيما يتعلق بالصدام بين أرمينيا «المسيحية».. وأذربيجان «المسلمة»، فإن الرواية الأرمينية للأحداث تحظى دومًا في الغرب بمصداقية أكبر من الرواية الأذربيجانية..

۱۲- ولأن إسرائيل، تصنف عادة في إطار الحضارة اليهودية المسيحية فإن امتلاكها للأسلحة النووية لا يثير ما يثيره امتلاك العراق أو إيران لهذه الأسلحة.

١٣- والهجرات من شرق أوروبا إلى غربها أقل إزعاجًا لأن ميراثهم المسيحي سيجعلهم قابلين للاستيعاب.. في أوروبا الغربية بطريقة لا تتوافر للمهاجرين المسلمين.. وبسبب الميراث الديني يقوم الاعتراض على قبول تركيا عضوًا كاملًا في الاتحاد الأوروبي، على عكس دول أوروبا الشرقية.

١٤ - إن كل هذه العوامل تدفع أوروبا لأن تعرف نفسها، ربما ليس من زاوية المسيحية نفسها، وإنما بالقطع من زاوية التراث المسيحي، والتركيز بصورة حادة على التمايز والحدود بينها بين الإسلام (8).

عودة المسيحية

تلك حقائق عودة المسيحية وتزايد اللغة الدينية في السياسات الغربية، وخاصة منذ سقوط الشيوعية، كما رصدتها الدراسات الاجتماعية والسياسية الرصينة التي نشرتها مجلة شؤون دولية بالتزامن مع سقوط الشيوعية، واتخاذ الغرب- وحلف الأطلنطي- الإسلام عدوا حل محل الآخر الشيوعي، الذي مثل انشقاقًا داخل الحضارة الغربية على امتداد سبعين عامًا!  وهي الحقائق التي أفصحت عنها دراسات لاحقة لمفكرين إستراتيجيين أمريكان مثل صمويل هنتنجتون (۱۹۲۷) ۲۰۰۸م) الذي كشف عن أن الصراع القادم- بعد سقوط الشيوعية- إنما هو بين الغرب السياسي والعسكري وبين الإسلام وأمته وحضارته ومثل «فوكوياما»، الذي اعتبر انتصار الليبرالية الرأسمالية الغربية على الشيوعية هو نهاية التاريخ وأن الصراع الغربي مع الإسلام هو أكثر أساسية من الخطر الذي شكلته الشيوعية، وذلك لرفض الأصولية الإسلامية للحداثة الغربية ومبدئها الأساسي: العلمانية التي تمثل المبدأ المسيحي في الفصل بين ما لله وما لقيصر(9).

قطب الأديان

ثم إن فرنسا العلمانية، قد أنشأت سنة٢٠٠٩م في وزارة الخارجية قسمًا جديدًا- ضمن دائرة الدبلوماسية الفرنسية- هو قسم قطب الأديان وأوكلت إدارة هذا القسم الديني- إلى الأستاذ الجامعي الفرنسي اللبناني جوزيف مايلا، الذي كان يدير جامعة باريس الكاثوليكية والذي صرح بأن فرنسا التي تعودت على فصل الدين عن الدولة منذ قانون سنة ١٩٠٥م قد أخرها ذلك عن مبادرة إنشاء قسم قطب الأديان في الخارجية الفرنسية.. وأنه قد تبين لها أنه لا بد من معالجة هذه النواحي الدينية ومنها الموضوع الإيراني والصراع الفلسطيني الإسرائيلي ... ودور التبت في مقاومة الهيمنة الصينية، والزحف الكبير للكنائس الإنجيلية، في أمريكا اللاتينية.. وأفريقيا، والأرثوذكسية الجديدة.. والتقارب بين الكنيسة الروسية والسلطات الروسية.. وقضايا الشريعة الإسلامية.. وحقوق الإنسان، والرسوم الكاريكاتورية المسيئة للأديان... إلخ (١٠).

فهل بعد ذلك الذي قدمناه- وهو مجرد إشارات- على دور الدين ودور المسيحية في السياسات الغربية، والعلاقات الغربية الدولية ومع الإسلام خصوصًا يجوز لهذه الوثيقة الفاتيكانية أن تخدعنا وتضللنا، فتقول: «إن السياسات الغربية علمانية» لا علاقة لها بالمسيحية؟

منذ غزوة بونابرت على مصر عام ۱۷۹٨م ارتبطت المسيحية في الشرق بالسياسات الغربية للدول الاستعمارية.

عندما أحتلت فرنسا الجزائر سنة ١٨٣٠م ذهب الملك شارل العاشر ملك فرنسا العلمانية إلى الكنيسة ليشكر الرب.

واستقبله مطران باريس قائلا: نحمد الله على كون الملة المسيحية قد إنتصرت على الملة الإسلامية.

قائد فرنسي: لن ننتصر على الجزائريين ما داموا يقرؤون القرآنويتكلمون العربية فيجب أن نزيل القرآن من صدورهم ونقتلع العربية من ألسنتهم!

قبل احتلال نيجيريا وغيرها من الدول الأفريقية لم يكن بهذه المستعمرات مسيحي واحد! فعمل الاستعمار الغربي على زرع المسيحية حيث بلغت جيوشه.

 في أفغانستان التي اجتاحها الأمريكان مع حلف النيتو عام ۲۰۰۱م زحف عليها المنصرون من كل الكنائس الغربية.. ووزع الجنود الأناجيل.. وقامت كنيسة صيمول الكورية الجنوبية بدور بارز في عملية تنصير الأفغان !!

اليمين الديني الأمريكي الذي قاد الغزو الغربي للعراق عام ٢٠٠٣م أعلن بلسان الرئيس الأمريكي السابق بوش ، أن الحرب على العراق حرب مقدسة.. وفي ركاب الجيش الأمريكي الغازي للعراق وعلى دباباته دخل ثمانمائة منصر أمريكي لنشر المسيحية.

الهوامش:

(۱) رفاعة الطهطاوي: «الأعمال الكاملة، ج ۲، ص۲۱۹

(۲) د. محمود قاسم: الإمام عبد الحميد بن باديس: الإمام الروحي لحرب التحرير الجزائرية ص ۲۲، ۱۱، طبعة دار المعارف، القاهرة، وانظر كذلك: كتابنا من أعلام الإحياء الإسلامي»، ص ١٢٤، ١٢٥ طبعة مكتبة الشروق الدولية القاهرة سنة ٢٠٠٦م.

(۳) «نيوزويك»، عدد ٢٠٠٣/٣/١١م.

(٤) محمد السماك الدين في القرار الأمريكي، ص ٥٢، طبعة بيروت سنة ۲۰۰۳م.

(٥) «نيوزويك عدد ٢٠٠٣/٣/١١م.

 (6) التنصير: خطة لغزو العالم الإسلامي وثائق مؤتمر كولورادو، ص ۱۷۰، طبعة مركز دراسات العالم الإسلامي، مالطاء سنة ١٩٩٠م، وانظر كتابنا الغارة الجديدة على الإسلام، ص ٥٧ - ٧٠ ، طبعة نهضة مصر القاهرة، سنة ٢٠٠٦م.

(۷) المصدر السابق، ص ۱۳۹، ۵۵۳

(۸) كتب هذه الدراسة العالمان البريطانيان إدوارد مورتيمر» الذي كتب دراسته عن الإسلام والمسيحية» و«ارنست جيلز الذي كتب دراسته عن الإسلام والماركسية ونشرتهما مجلة شؤون دولية. في ملف بالمجلد ٦٧ عدد 1 يناير سنة ١٩٩١م. 

(۹) نيوزويك.. العدد السنوي، ديسمبر ٢٠٠١م فبراير سنة ٢٠٠٢م.

(١٠) صحيفة الحياة لندن، في ۲۰۰۹/۱۰/۱۹م.

الرابط المختصر :