; على هامش قمة أمستردام.. المسيرة الأوروبية تتحول إلى سباق حواجز | مجلة المجتمع

العنوان على هامش قمة أمستردام.. المسيرة الأوروبية تتحول إلى سباق حواجز

الكاتب نبيل شبيب

تاريخ النشر الثلاثاء 24-يونيو-1997

مشاهدات 73

نشر في العدد 1255

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 24-يونيو-1997

أبرز ما ميز السياسة الأوروبية طوال عدة عقود مضت أنها كانت دومًا تطبق مقولة السياسة هي فن تحقيق الممكن ولكن هذا النهج الذي خرج بالدول الأوروبية تدريجيًا من أنقاض الحرب العالمية الثانية إلى أرضية الاتحاد الأوروبي، تحول في الآونة الأخيرة إلى مجرد الالتقاء على حد أدنى من المنطلقات والأهداف المشتركة.... واضمحل الأمل في تحقيق هدف وحدة أوروبية، كان أول من تنبأ بها رئيس وزراء الحرب البريطاني ونستون تشرشل قبل خمسين عامًا ... معتبرًا قيام الولايات المتحدة الأوروبية، مخرجًا وحيدًا للصراع التاريخي المديد بين القوى الأوروبية.

قبل ست سنوات كانت اتفاقية ماستريخت تعبر عن ثلاثة اتجاهات رئيسية سيطرت على الساحة الأوروبية عقب سقوط الشيوعية ومعسكرها الشرقي... وهي اعتبار الوحدة النقدية والاقتصادية مدخلًا لا غنى عنه ليكون لأوروبا مكانها على خارطة «نظام عالمي جديد»، ثم تثبيت سياسة خارجية مشتركة كشرط لا غنى عنه لتثبيت أركان الوحدة الاقتصادية الأوروبية وأخيرًا اعتبار التميز الأمني عن الولايات المتحدة الأمريكية شرطًا لوصول أوروبا إلى سيادة حقيقية واستقلال ناجز .... وسرعان ما سعت الدول الأوروبية الشرقية إلى طلب الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، بصورة مشابهة للعمل على انضوائها تحت المظلة الأمنية الأطلسية.

باستثناء ما يبذل من جهود لتحقيق الوحدة النقدية، لم يبق من الاندفاع الذي رافق اتفاقية ماستريخت الأولى، سوى مسلسل المفاوضات المضنية حول تفاصيل صياغة الاتفاقات الأوروبية للتوصل إلى حد أدنى من توحيد القوانين الداخلية والعدلية، ولكن الوحدة النقدية نفسها أصبحت في خطر .... وقد قامت من البداية بجهود المحور الفرنسي - الألماني، ومصدر الخطر الآن في فرنسا وألمانيا أكثر من سواهما، على أن المشكلة لا تكمن في مجرد وصول الاشتراكيين إلى الغالبية في الانتخابات النيابية الأخيرة، وإنما في الأساس الذي ثبته الأوروبيون لأنفسهم لتحقيق وحدتهم النقدية، وأعطوا فيه الأولوية إلى النمو الاقتصادي على حساب الضمانات الاجتماعية، فالشروط الأربعة التي وضعتها اتفاقية ماستريخت لمشاركة دول الاتحاد الأوروبي في العملة النقدية الجديدة والمصرف المركزي المشترك، تقوم جميعًا على «الاستقرار الاقتصادي والمالي»، بمعنى زيادة الإنتاج الاجتماعي العام دون زيادة الديون على الدولة، وهو ما لا يتحقق دون سياسة تقشف متشددة على حساب الفئات الأضعف في المجتمع، مما أدى في فرنسا إلى اضطرابات اجتماعية أسقطت في نهاية المطاف أحزاب اليمين  وأوصلت الاشتراكيين إلى السلطة. وهو ما جرى في بريطانيا أيضًا التي سبقت إلى ممارسة سياسة مماثلة منذ عهد تاتشر، وهذا رغم عدم موافقة لندن على المشاركة من البداية في الوحدة النقدية .... ولم يعد مستبعدًا أن تؤدي الضغوط على الفئات الأضعف في ألمانيا أيضًا إلى تحول مماثل نحو اليسار في الانتخابات النيابية المقبلة عام ١٩٩٨م.

اليسار البريطاني والفرنسي وكذلك اليسار الذي أصبح يحكم في معظم الدول الأوروبية الأخرى، يريد الأخذ ببرامج دعم مالي لصالح مكافحة البطالة التي تجاوزت وسطيًا ١٢% و ساهمت في زيادة الفقر في أوروبا إلى حوالي ٢٥% من السكان... وليست هذه المطالب جديدة، ولكن وصول بلير وجوسبان إلى السلطة جعلها مطالب حكومات بدلًا من «أحزاب معارضة»، وباتت الحكومة الرئيسية الوحيدة المتشبثة بالصيغة المقررة في ماستريخت هي الحكومة الألمانية ...... وفي الوقت نفسه لم تستطع ألمانيا أيضًا أن تحقق الشروط المطلوبة للوحدة النقدية، ولا يبدو أنها ستحققها في الموعد المقرر لها، وهو ما حاول وزير المالية «فايجل» الالتفاف عليه باقتراح إعادة تقويم الاحتياط الذهبي في المصرف المركزي الألماني، فأثار نقاشًا أوروبيًا أخطر من النقاش حول السياسة الاجتماعية، فقد اعتبر اقتراحه تشكيكًا في استقلالية قرارات المصرف الذي اعتبر - تحت الضغوط الألمانية بالذات - نموذجًا لاستقلالية المصرف المركزي الأوروبي المشترك.

وفي ظل هذه المعطيات في باريس وبون تحوّل المحور الفرنسي - الألماني عشية قمة أمستردام من محرك المسيرة الأوروبية إلى ساحة صراع برزت أبعاده للعيان أثناء القمة الثنائية بين الطرفين في «بواتييه»، وبقي مسيطرًا على مفاوضات الوزراء في أمستردام حتى بدأت الاجتماعات على مستوى الرؤساء ورؤساء الحكومات.... وسط صخب عشرات الألوف من المتظاهرين من مختلف الفئات الأضعف في أنحاء أوروبا، ولا سيما العاطلين عن العمل.

إعطاء الأولوية للنمو الاقتصادي على حساب الضمانات الاجتماعية والمخاوف من زيادة النفوذ الألماني... عقبة أمام المسيرة الأوروبية

الكيان الأوروبي دون عمود فقري

الحل الوسطي الذي بدأت معالمه تظهر في الساعات الأخيرة  قبل أن تتحول قمة أمستردام إلى إخفاق علني ذريع، هو ذكر برامج الدعم المالي المشار إليها، ولكن مع ترك حرية التطبيق مفتوحة أمام الحكومة الوطنية الأوروبية.... ولا يعني ذلك واقعيًا أكثر من التغطية على الإخفاق فقد كان المطلوب في أمستردام التوقيع على ما يوصف بعقد الاستقرار، وفق شروط التقشف فتحول نص العقد واقعيًا إلى ترسيخ التباين في السياسات الأوروبية ماليًا واقتصاديًا.

ولكن لا تكمن العقبات في وجه مسيرة الوحدة الأوروبية في هذه الجوانب فقط، بل تمتد إلى ميادين أبعد مدى في تأثيرها على وجود الاتحاد الأوروبي ككيان مشترك يريد أن يفتح أبوابه أمام مزيد من الدول الأوروبية في شرق القارة وجنوبها ... وتمارس بعض التحليلات الإعلامية الأوروبية حاليًا أسلوب التهكم المر وهي تشير إلى أن عصابات الإجرام المنظمة استفادت من فتح الحدود بين الدول الأوروبية أكثر من السلطات التي لم تستطع حتى الآن تطوير مجالات التعاون بين أجهزتها الأمنية أو توحيد قوانينها العدلية بصورة تسمح بمكافحة الجريمة عبر الحدود الوطنية... ويمكن تسجيل هذه الظاهرة أيضًا في ميادين أخرى عديدة، منها على سبيل المثال أن ما تصدره الحكومات الوطنية من قوانين لتثبيت «مقاسات ومعايير» ملزمة على الأصعدة التقنية الإنتاجية في مختلف الفروع الاقتصادية، يعد بالألوف سنويًا على الصعيد الوطني مقابل بضع مئات من مقاسات ومعايير مماثلة مشتركة على الصعيد الأوروبي، مما صدر عن الاتحاد الأوروبي على امتداد ٣٥ سنة مضت ومع اقتراب موعد انعقاد قمة أمستردام كانت تزداد في الآونة الأخيرة مخاوف السلطات البلدية والمحلية إلى جانب المخاوف الشعبية، مع ازدياد مركزية القرار في الاتحاد الأوروبي، ودون رقابة نيابية كافية على حساب استقلالية القرار المحلي في البلديات والمناطق الإدارية المختلفة، وقد كانت الوزارات الوطنية مصدر مئات الاعتراقات على المشاريع التي طرحت في المؤتمر الحكومي لصياغة اتفاقية ماستريخت الثانية، وعلى وجه التحديد لتثبيت الميادين التي يؤخذ فيها بالغالبية بدلًا من الإجماع في السلطات الأوروبية المشتركة ولاسيما مجلس الوزراء والمجلس الرئاسي.

 وما تمارسه السلطات البلدية من مقاومة على هذا الصعيد تمارس مثله السلطات الوطنية على صعيد زيادة صلاحيات المجلس النيابي الأوروبي المنتخب وإعطاء رقابته على قرارات مجلس الوزراء والمفوضية الأوروبية فاعلية مؤثرة ..... وكذلك على صعيد توحيد السياسة الخارجية والأمنية، والتي كان يراد أن تكون بمثابة العمود الفقري لمسيرة الوحدة الأوروبية، فعلاوة على الاعتراض البريطاني الشامل للأخذ بغالبية الأصوات على هذا الصعيد، لم تشهد السنوات الماضية على ماستريخت الأولى نجاحًا يستحق الذكر في تقارب المنطلقات والمواقف السياسية والأمنية الأوروبية، لإيجاد الأرضية الضرورية لقيام الوحدة المطلوبة على النقيض من ذلك بدأ صراع النفوذ وبلغ ذروته أثناء حرب البلقان واستمر حتى الآن في مختلف الميادين الدولية الأخرى، بدءاً بالخلاف على المبادرة الفرنسية تجاه قضية فلسطين، وانتهاء بالتعامل الأوروبي مع إيران.

وكان من أظهر الأمثلة على تغليب المصالح الوطنية الأوروبية المشتركة الخلاف الشديد لسنوات عديدة حول تطوير منظمة الاتحاد الأوروبي الغربي الأمنية الوحيدة على المستوى الأوروبي، فقد استحال التوصل إلى صيغ مشتركة لمهامها المستقبلية، أو لإيجاد قوة عسكرية أوروبية مشتركة فاعلة تستخدمها فضلًا عن الخلاف حول ربطها بالاتحاد الأوروبي نفسه، وبدلًا من ذلك استطاعت السياسة الأمريكية - أثناء حرب البلقان بصورة خاصة - استغلال الصراع الأوروبي على النفوذ لجعل مركز الثقل الأمني الوحيد في أوروبا هو حلف شمال الأطلسي مع الهيمنة الأمريكية فى صنع القرار فيه، واستخدمت واشنطن الدول الأوروبية نفسها في إثارة اعتراض كل منها على تصورات الأخرى على طريق هدف التميز الأمني الأوروبي وهو ما برز للعيان بصورة خاصة في المحور الفرنسي - الألماني، فمخاوف ألمانيا من وصول فرنسا إلى موقع قيادي أوروبي عبر السياسة الأمنية، جعلها لا تمضي مع باريس إلى ما أرادت المضي فيه من تميز عن الأمريكيين... كذلك فمخاوف فرنسا من زيادة النفوذ الألماني في وسط أوروبا جعلها تنفتح في نهاية المطاف على حلف شمال الأطلسي بشروط من جهة، كما جعلها تسعى لتكوين قوات تدخل سريع مع بعض دول جنوب أوروبا من جهة أخرى، بمعزل عن الفرقة الألمانية - الفرنسية التي تكونت عقب سقوط الشيوعية، هذا علاوة على ترسيخ التعاون الفرنسي - البريطاني في ميدان الصناعة العسكرية في الدرجة الأولى، وتخفيف درجة اعتماد الجيش الفرنسي على المصنوعات العسكرية من الصناعة الفرنسية – الألمانية المشتركة.

لا يبدو أن ما تحقق من المسيرة الأوروبية بين ماستريخت وأمستردام، يكفي لفتح أبواب الاتحاد الأوروبي قريبا أمام مزيد من الدول الأوروبية للانضمام إليه، فحتى نظام عدد الأصوات المقرر لكل دولة على حسب عدد سكانها لم يتم الاتفاق عليه، رغم ضرورته إذا أراد الاتحاد الأوروبي ألا يتحول عبر توسعته إلى مجرد عملاق جغرافي ضخم تشل قدرته على الحركة استحالة التوصل - إلا نادرًا - إلى إجماع الأصوات، بين عشرين دولة أو أكثر من الدول الأعضاء، مادام عاجزًا عن مثل ذلك وهو يجمع خمس عشرة دولة في الوقت الحاضر، كذلك لا يبدو أن ما حققته المسيرة الأوروبية حتى الآن يكفي ليتخذ الاتحاد الأوروبي المكان الذي يتطلع إليه على خارطة نظام عالمي جديد، يكون فيه قطبًا رئيسيًا من أقطاب متعددة، بدل الاكتفاء بالانضواء تحت المظلة الأمريكية المهيمنة، كما كان في حقبة الحرب الباردة والنزاع بين الشرق والغرب.

الرابط المختصر :