; المشاركة السياسية الشعبية في الدولة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان المشاركة السياسية الشعبية في الدولة الإسلامية

الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي

تاريخ النشر الثلاثاء 15-سبتمبر-1981

مشاهدات 82

نشر في العدد 543

نشر في الصفحة 15

الثلاثاء 15-سبتمبر-1981

• إذا كان قيام السلطة السياسية الملتزمة عقائديًّا بالإسلام أمرًا واجبًا شرعًا وعقلًا وفطرةً، فأي نوع من الدول هي الدولة الإسلامية؟ وفي هذا السياق نطرح سؤاًلا واحدًا ونكتفي بالإجابة عليه في هذه الحلقة، والسؤال هو: هل في الدولة الإسلامية الملتزمة عقائديًّا ومنهجيًّا بالقرآن والسنة مجال للمشاركة الشعبية السياسية؟

• نقول وبالله التوفيق إن الإسلام وقف موقفًا حاسمًا من هذه القضية -قضية المشاركة الشعبية السياسية- ولصالحها. 

فالمسلمين الحق في محاسبة الحكام، والأمة في الإسلام لها القوامة على الحاكم، وألزمها الإسلام بالإنكار عليه إذا قصر في مسؤولياته أو أساء في استعمال سلطته.

فقد روى مسلم عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن عرف فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع... إلى آخر الحديث. أي من عرف المنكر فليغيره ومن لم يقدر على تغييره فأنكر ذلك في قلبه فقد سلم.

فالمسلمون يجب عليهم أن يحاسبوا الحاكم ويكونون آثمين إذا رضوا بأعمال الحاكم التي تنكر وتابعوه عليها. 

ومن أطاع العلماء والأمراء والحكام في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أربابا من دون الله وقد أشرك وسيحشر مع المشركين حتى لو كان هذا الحاكم أبا بكر أو عمر رضي الله عنهما، قال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟ 

ومن أكبر الدلائل على وقوف الإسلام لصالح المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار السياسي أن جعل منصب رئيس الدولة الخليفة عقد مراضاة واختيار لا ينبغي أن يدخله أي إكراه أو إجبار، ولا يجوز أخذ البيعة من الناس بالإجبار أو الإكراه ولا تنعقد الخلافة شرعًا لأي شخص إلا بمبايعة عموم المسلمين له، وهذه البيعة العامة هي التي تجعل الخلافة تنعقد، ولا يكون رئيس الدولة في الإسلام رئيسًا لها إلا برضى واختيار المسلمين. 

وحتى لو بويع وأصبح خليفة فهو مقيد بعقد الوكالة التي أوكلها إياه المسلمون. 

يقول ابن قدامة في المغني ج 8، 106: «من اتفق المسلمون على إمامته وبيعته ثبتت إمامته ووجبت معونته، ويقول الإمام ابن تيمية في منهاج السنة، ج 1 ص 142 الإمامة أي رئاسة الدولة والخلافة- تثبت بمبايعة الناس لا بعهد السابق له». وبناء على ذلك يتضح بجلاء المركز القانوني لرئيس الدولة في الإسلام. 

فهو مركز النائب والوكيل عن الأمة التي انتخبته نائبًا عنها ليدير شئونها وفق منهج الشرع الإسلامي ولتطبيق سائر أحكامه، وإذا كان مركز رئيس الدولة في الإسلام هو مركز الوكيل، فمن البديهي أنه يستمد سلطاته من موكله، أي من الأمة؛ فالأمة في الإسلام هي مصدر السلطات ورئيس الدولة يباشر هذه السلطات باسم الأمة، وبهذا الاعتبار فقط دون حق عضوي فيه ثابت ولا يتغير أو يتحول أو ينقل، وحيث إن علاقة الأمة في الإسلام برئيس الدولة علاقة وكالة فهي التي اختارته، فمن حق الموكل في الشريعة الإسلامية أن يراقب وكيله ليطمئن على حسن قيامه فيما وكله فيه. ومن حق الأمة إذن مراقبة الحاكم لتقويمه إذا انحرف عن المنهج القويم وحاول أن يتسلط أو يتجبر، وما مؤسسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمؤسسة عبادية أو شعائرية فقط بل هي أساسًا مؤسسة سياسية- اجتماعية. 

جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث رواه أبو داود: «والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأمرنه على الحق أطرًا ولتقصرنه على الحق قصرًا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم». 

من هنا يتبين لنا أن مقاومة الظالم والطاغية يعتبرها الإسلام عبادة وقربة من الله، ومن هنا يتبين لنا أنه لا بقاء لحاكم مستبد ظالم متسلط في دولة تقام على أساس الإسلام. 

ومن هنا ولهذا السبب وجبت الشورى في دولة الإسلام كمؤسسة سياسية تصحيحية (وسوف نناقش الوجوب الشرعي للشورى في حلقة قادمة بإذن الله) بل يقرر الفقهاء إنه نظرًا لثبوت حق الأمة في المشاورة فإن ترك هذا الحق من جانب رئيس الدولة موجب لعزله في الإسلام. 

فقد جاء في تفسير القرطبي ج 4 ص 249: قال ابن عطية: «والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، نعم عزله واجب؛ لأن من يملك التعيين والاختيار يملك العزل، والأمة هي التي عينته واختارته أو هكذا يجب أن يكون- وهي التي تملك تنحيته».

يقول ابن حزم في الفصل بين الملل والنحل: «فهو الإمام الواجب طاعته ما قادنا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فإن زاغ عن شيء منها منع من ذلك وأقيم عليه الحد والحق فإن لم يؤمن أذاه إلا بخلعه خلع وولى غيره». 

هكذا إذن نجد أن الإسلام ينحاز لصالح المشاركة الشعبية السياسية ويحث على رقابة الحاكم ويحرض المسلمين على تقويمه وردعه وكبته، أو كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم «ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم».

الرابط المختصر :