العنوان المشروع الإسلامي والتربية الحضارية
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 17-أبريل-2010
مشاهدات 73
نشر في العدد 1898
نشر في الصفحة 41
السبت 17-أبريل-2010
إن الأجيال المنوط بها حمل مشروع الإسلام الحضاري لا يتأتى لها حمله إلا بالتربية عليه لكي تنهض به فتطبقه وتنفذه كما أراد المولى - جل جلاله - مشروعًا ربانيًا يخرج الناس من الظلمات إلى نور الوحي وهدايته، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الطواغيت إلى عدل الإسلام.
وما انفك علماء التربية ومنظروها في عالمنا العربي والإسلامي يكتبون وينظرون، ولكن هيهات ثم هيهات أن يحدثوا تغييرًا يثمر اطمئنانًا في القلوب، واستقرارًا في النفوس، وتقدمًا وازدهارًا وأمنًا ورخاًء في الأوطان، وما ذلك إلا لأن كتاباتهم ونظرياتهم لا أثارة فيها لهداية ربانية ولا تمت إلى حضارة الإسلام وأمجاده بسبب.
وبعد، فإن تراثنا العلمي ما زال ينادينا، وقد أقام المؤتمر السنوي للجمعية التاريخية في «شيكاغو» حفلة تكريم لـ «لين وايت» بمناسبة بلوغه السبعين من عمره، ودعي إليها عدد كبير من العلماء من جميع أنحاء العالم؛ حيث انصبت الكلمات كافة لتمجيد أفكار وآراء «وايت» من خلال كتبه التي آلت إلى نتيجة مضمونها: «تفوق التقنية الأوروبية على التقنية العربية الإسلامية في القرون الوسطى».
إلا أن المفاجأة الكبرى التي أذهلت الحضور كانت عندما وقف عالم عربي من بين الحضور وتكلم بموضوعية تمليها الحقيقة، ويفرضها الواجب، فقال مخاطبا السيد «وايت» «لقد أخطأت عندما تعجلت الآراء الرئيسة في كتبك أو اعتقدت أن ما كتبته هو كل شيء، لقد أغفلت دور الحضارة العربية الإسلامية التي كان دورها دور إنقاذ، ثم نقد وتصويب، ومن ثم إبداع فأين الدليل الذي اتخذته حجة بتفوق التقنية الأوروبية على التقنية العربية الإسلامية؟
ولا شك أن الصيحات الموضوعية المنصفة موجودة، وأعطت حضارتنا وأعلامها الكبار أمثال: ابن رشد، وموفق الدين عبداللطيف البغدادي، وابن النفيس الدمشقي، وإبراهيم الأرقالي، وابن الهيثم، وعبد الرحمن بن خلدون» جزءًا ولو يسيرًا في الحق والإنصاف، فكتاب «زيغريد هونكة شمس العرب تسطع على الغرب» مشهور ومعروف وكتاب «غوستاف لوبون » حضارة العرب» أيضا وقدم «ماكس فانتيجو» كتابه «المعجزة العربية» وفي مؤتمر الحضارة العربية الإسلامية الذي عقد في جامعة «برنستون» في واشنطن عام ١٩٥٣م، تقرر أن كل الشواهد تؤكد أن العالم الغربي مدين بوجوده إلى الحضارة العربية الإسلامية، وأن النهج العلمي الحديث القائم على البحث والملاحظة والتجربة، والذي أخذ به علماء أوروبا، إنما كان نتاج اتصال العلماء الأوروبيين بالعالم الإسلامي عن طريق دولة العرب المسلمين في الأندلس.
وجاء في مجلة «اليونسكو» عدد أكتوبر 1980م في الصفحة ٣٨:
إن كتاب القانون - لابن سينا - بقي يُدرس في جامعة بروكسل حتى سنة ١٩٠٩م,
لذلك قال « د . أوسلر»:
«لقد عاش كتاب «القانون» مدة أطول من أى کتاب آخر كمرجع أوحد في الطب، وقد وصل عدد طبعاته إلى خمس عشرة طبعة في الثلاثين سنة الأخيرة من القرن السادس عشر، وقد زاد عدد الطبعات أكثر في القرن السابع عشر، فابن سينا مكن علماء الغرب من الشروع في الثورة العلمية، التي بدأت فعلًا في القرن الثالث عشر وبلغت مرحلتها الأساسية في القرن السابع عشر».
وحول أثر الحضارة العربية الإسلامية في النهضة الأوروبية، يقول الباحث الدكتور شوقي أبو خليل في كتابه الحضارة العربية الإسلامية وموجز الحضارات السابقة»، «لقد كانت العصور الوسطى الأوروبية مظلمة، إلا البقاع التي وصلها الفتح العربي الأندلس صقلية، وجنوبي إيطاليا؛ فقد أنارت الحضارة العربية الإسلامية أرجاءها، وحركت عقول أبنائها، فليس من المصادفة أبدًا أن تبدأ أوروبا نهضتها ويقظتها الفكرية من المناطق التي وصل إليها العرب، ذلك لأنهم أصحاب تراث حضاري عظيم.
ويضيف الباحث د. شوقي: « ولكن اقتباس هذه الحضارة الرائعة من قبل الأوروبيين كان أبتر، وهذا الأخذ كان ناقصًا ، لأنهم أخذوا الجانب العلمي المادي، وتركوا الجانب الروحي الإنساني والتسامح الذي عاشته حضارتنا أينما حلت, أجل إنها المعجزة العربية.
وبكلمة مختصرة شهد القرن الحادي عشر انتقال بعض مظاهر أسس الحركة العلمية العربية إلى أوروبا من خلال الأندلس «مدرسة طليطلة» وجنوبي إيطاليا «مدرسة ساليرنو» بينما شهد عملية انتقال مشابهة عن طريق ثغور بلاد الشام المحتلة من قبل الصليبيين (۱۰۹۷ - ۱۲۹۰م), ومن المفيد ذكره في هذا الصدد، أنه ظل كتاب «القانون» يدرس في الجامعات الأوروبية حتى بداية القرن السادس عشر، وكتاب «التصريف...» كان المرجع الأول لعلم الجراحة في أوروبا، وكذلك كتاب «الجراحة الكبرى للزهراوي، كان المعتمد الأساس في علم الجراحة في أوروبا حتى ظهور الجراح الفرنسي «أمبروا زباريه» في القرن السادس عشر، أما كتاب الرازي «المنصوري» فقد كان المجلد التاسع منه ذا تأثير كبير في تطور علم الطب في القرون الوسطى.
وثمة علاقات تمت على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية، لا سيما في أوقات المهادنة, ومن جملة ما أخذوه نظامنا العلمي التعليمي، وكيفية تدريس العلوم، وإجازة الأطباء، وطرق العلاج، والمؤسسات العلاجية، وخاصة نظام المستشفيات «البيمارستانات»، ناهيك عن انتقال العديد من الصناعات إلى أوروبا، لا سيما صناعة الورق، لما لها من أهمية في الثقافة والعلم والتعليم، وكذلك صناعة النسيج إلى فرنسا.
إضافة إلى إجادة اللغة العربية من قبل الأوروبيين «الذين كانوا مع الوحدات الصليبية في الشرق»، بغية التمكن من ترجمة الكتب العلمية إلى اللغة اللاتينية أولا، ثم إلى فروعها من اللغات الأوروبية في مرحلًة لاحقة.
بناء على ما تقدم، يبدو فضل العرب المسلمين على الحضارة الأوروبية مزدوجًا ومضاعفًا: نقل الفكر اليوناني إلى الغرب أولًا، ورفده بأمهات الكتب العلمية والتصانيف التي أبدعها العرب المسلمون ثانًيا.
وبعد، فالحديث في هذا الباب يطول ويطول، ولكنه حديث ممجوج ومرذول، لأنه حديث ولى زمانه وانقضت أيامه وأصبح لا ينظر إلا إلى الحاضر المعاش، وحاضرنا المعاش يحتاج إلى جهد ومراجعة وفهم وتحصيل وفعالية، وقد ماتت الهمم وضعفت العقول، وقلد الأمر غير أهله، فهل ينهض المسلمون اليوم كما نهض آباؤهم؟ وهل يرودون العالم كما رادوه وحضروه ؟! نسأل الله ذلك.. آمين.. آمين.