; المصالح الكبيرة حين تتخطى حقوق الإنسان.. كشمير مثالًا | مجلة المجتمع

العنوان المصالح الكبيرة حين تتخطى حقوق الإنسان.. كشمير مثالًا

الكاتب الدكتور جاسم تقي

تاريخ النشر السبت 17-مارس-2001

مشاهدات 62

نشر في العدد 1442

نشر في الصفحة 37

السبت 17-مارس-2001

يعيش الشعب الكشميري في حالة مأساوية يرثى لها، وهو يكافح من أجل ممارسة حقه الشرعي في تقرير المصير، وهو الحق الذي كفلته له جميع القوانين والأعراف الشرعية في العالم. 

وإنه لمن المؤسف أن المجتمع الدولي قد تناسى حق هذا الشعب الأبي الذي يواجه مرارة كبيرة وأوقات صعبة. 

فقد انبرى الجيش الهندي يستخدم قوة السلاح في التعامل مع الشعب الكشميري، واستمرت تلك السياسة منذ سنة ١٩٤٧م عندما قرر البريطانيون إنهاء حكمهم الاستعماري لشبه القارة، وتقسيمها إلى الهند وباکستان، واستثنى التقسيم العديد من الإمارات في المنطقة تاركًا لهم قرار مصيرهم حسب رغبة الغالبية العظمى من شعوب تلك الإمارات.

 وبدأت الأزمة عندما قرر حاكم ولاية جامو وكشمير الهندوكي إهمال آمال وطموحات الغالبية المسلمة للشعب الكشميري، واختار الانضمام للحكم الهندوكي في نيودلهي، وأدت تلك الخطوة إلى ثورة الشعب الكشميري على القرار، وتسبب ذلك أيضًا في الأزمة بين باكستان والهند حول مصير الولاية. 

وبدأت الهند نفسها في طرح الأزمة في الأمم المتحدة، وبعد العديد من المداولات في المنظمة الدولية قرر مجلس الأمن الدولي إتاحة الفرصة للشعب الكشميري في تقرير المصير، بموجب استفتاء يعقد تحت إشراف الأمم المتحدة، وتقرر أن يكون الاستفتاء حول ما إذا كان الشعب الكشميري يقرر الانضمام للهند أو لباكستان، وقد وافقت الهند على ذلك القرار، كما وافقت باكستان عليه أيضًا. ولكن ظل الشعب الكشميري محرومًا من حق تقرير المصير حتى بعد مرور ٥٢ سنة من قرار مجلس الأمن الدولي المذكور آنفًا. 

ومنذ سنة ۱۹۸۹م، والشعب الكشميري يقوم بانتفاضة شعبية واسعة النطاق في ولاية جامو وكشمير المحتلة؛ لقلب النظام الموالي لنيودلهي هناك وممارسة حق تقرير المصير.

ولم تستجب الهند لمطالب الشعب الكشميري، بل إنها استخدمت القوة المسلحة لقمع تلك الانتفاضة الكشميرية الباسلة. فقد استخدمت الهند نحو ۷۰۰ ألف جندي من القوات العسكرية النظامية وشبه النظامية وقوات الأمن والشرطة في الولاية لقمع الانتفاضة الكشميرية، وقررت تقوية تلك القوات بالمزيد من القوات العسكرية جيدة التدريب، وباستخدام السلاح، ولكنها لم تقدر على قمع الشعب الكشميري.

وعلى الرغم من أن الهند لم تسمح لمنظمات حقوق الإنسان في الوجود في كشمير المحتلة لمراقبة وضع حقوق الإنسان هناك، إلا أن بعض منظمات حقوق الإنسان المعروفة، قد نشرت تقارير مفصلة حول انتهاك الهند الفاضح لحقوق الإنسان في ولاية جامو وكشمير المحتلة.

فنظرة على تلك التقارير تفيد أن القوات الهندية تقوم بخرق واسع النطاق لحقوق الإنسان، وبأعمال وحشية واسعة النطاق ضد المدنيين الأبرياء في ولاية جامو وكشمير المحتلة. 

وتشير الإحصاءات أن الهند قتلت خلال السنوات العشر الماضية أكثر من ٧٠ ألف کشميري، كما عوقبت آلاف آخرين واغتصبت القوات الهندية الآلاف من النساء الكشميريات، واقتادت القوات الهندية عددًا كبيرًا من الشباب الكشميري الذين اختفوا ولم يعودوا إلى قراهم وذويهم ويعيشون حالة يرثى لها، فأولئك الشباب ليسوا أحياء أو أموات، كما انتهجت القوات الهندية سياسة انتقامية دمرت فيها المئات من القرى والبيوت السكنية، وأصبحت سياسة القتل المتعمد والتعذيب والاختفاء والاغتصاب من ملامح ممارسة القوات الهندية بالولاية لدرجة أنه لا توجد عائلة في كشمير لم تتعرض لتلك المآسي.

 لقد لجأت الحكومة الهندية إلى اعتقال قادة الشعب الكشميري في سجون بعيدة عن مناطقهم وعن ذويهم، كما أن قادة الشعب الكشميري يسجنون لمدة طويلة دون تقديم أي اتهام ودون محاكمة وبصورة تخرق كل القوانين والأعراف الدولية، ومن المدهش ملاحظة أن المجتمع الدولي قد تأثر بمآسي إنسانية أقل مأساوية بالمقارنة مع كشمير. فقد أيد المجتمع الدولي قضية تيمور الشرقية وتدخل ليضمن للتيموريين الاستقلال المنشود. ولكن المجتمع الدولي لم يتحرك بالنسبة لقضية كشمير على الرغم من أنها تعاني من مآسي كبيرة وعمليات قمع وإبادة جماعية يندى لها الجبين الإنساني، علمًا أن مجلس الأمن الدولي للأمم المتحدة ضمن للشعب الكشميري حق تقرير المصير، كما أن القوى الرئيسة في العالم هي من الدول الموقعة على ذلك القرار، ولم يكتف المجتمع الدولي بغض النظر عن ممارسة الضغوط على الهند للإيفاء بتعهداتها، بل إنه غض النظر أيضًا عن أعمال الهند القمعية ضد الشعب الكشميري، ووصل الأمر إلى درجة أن أجهزة الإعلام العالمية أخذت تهمل مآسي الشعب الكشميري، كما أن العديد من منظمات حقوق الإنسان اختارت أن تهمل قضية خرق حقوق الإنسان، مكتفية برفع تقرير دون متابعته.

ويبدو جليًّا أن المصالح الكبرى تخطت منظمات حقوق الإنسان في منطقة تجد فيها قوى العالم أن من الأنفع مناصرة الظالم على حساب المظلوم.

 ولكن ينبغي على الهند أن تدرك أنه لا يمكن لإرهاب الدولة مهما كان كبيرًا أن يقمع انتفاضة شعب نهض ليثأر لكرامته، وليطالب بحقوقه المشروعة في الحرية وتقرير المصير، كما أن هذه السياسة الهندية لا تخدم قضية الأمن والاستقرار في المنطقة.

وبعد أن فشلت الهند في ممارستها المذكورة في قمع الشعب الكشميري وإرهابه بحملات الاعتقال والتعذيب حتى الموت وانتهاك الأعراض وتدمير الممتلكات والحقول الزراعية، فإنها أخذت تتهم باكستان أنها وراء دعم الانتفاضة في كشمير أو ما تسميه ب «التطرف الكشميري».

 وعلى الرغم من أن باكستان تنفي الاتهامات الهندية، وتؤكد أنها تقدم الدعم السياسي والدبلوماسي والمعنوي للشعب الكشميري لأنه يمارس حقه المشروع في الكفاح من أجل الحرية وتقرير المصير، إلا أن الهند بإصرارها على سياسة القمع العسكري تُعرِّض المنطقة إلى حالة انفجار وإلى مواجهة لا يحمد عقباها.

فقد دخلت باكستان والهند في حربين بسبب أزمة كشمير، وكادت أن تنشب حرب ثالثة بينهما عندما حصلت أحداث كارجيل في جبال كشمير في مايو الماضي، وغني عن القول إن أية مواجهة بين باکستان والهند ستكون آثارها مخيفة ولاسيما حيث توجد أسلحة نووية لدى البلدين. ومما يزيد خطورة الموقف أن باكستان والهند متجاورتان، ولا يوجد لديهما الوقت الكافي لتلافي حرب نووية مدمرة.

وانطلاقًا مما تقدم، ينبغي على المجتمع الدولي أن يتدخل فورًا لإيجاد تسوية لأزمة كشمير لأنه لو اندلعت الأزمة مجددًا فلن تتاح له الفرصة لوقفها.

وقد صرح الرئيس التنفيذي في باكستان الجنرال برويز مشرف أنه حريص على إيجاد تسوية سلمية لأزمة كشمير، فلو اتخذت الهند خطوة واحدة نحو السلام، فإنه سيتخذ عشر خطوات نحوه. لذلك ينبغي على المجتمع الدولي أن يقنع الهند على اتخاذ تلك الخطوة من أجل التوصل إلى تسوية سلمية لها، ولإنقاذ شعوب المنطقة من الأخطار المترتبة على انفجار الموقف بسبب الأزمة الكشميرية. 

الرابط المختصر :