العنوان المصداقية الساقطة للوعود الأمريكية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-مارس-1984
مشاهدات 77
نشر في العدد 663
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 20-مارس-1984
كانت ردود الفعل السياسية عديدة على الصعيدين العربي والعالمي في أعقاب تصريحات الملك حسين في نهاية الأسبوع الماضي، والتي أعرب فيها عن خيبة أمله من السياسة الأمريكية التي خسرت الثقة في المنطقة العربية.
وإذا كان الأمريكيون قد تظاهروا بإظهار الدهشة البالغة من تصريحات الملك حسين واعتبروها رفضًا من الملك للدور الأمريكي في الشرق الأوسط... وإذا كان بعض دهاقين البيت الأبيض قد اعتبروا تلك التصريحات منعطفًا في التفكير السياسي لدى بعض العرب، فإن المراقبين السياسيين للعلاقة الأمريكية - العربية أجمعوا على ثلاثة حقائق:
- الحقيقة الأولى: هناك شك عالي النسبة عند بعض الحكام العرب بمصداقية السياسة الأمريكية ومصداقية الوعود الأمريكية، وإذا كان هذا الشك يصل إلى مرتبة اليقين عند الشعوب العربية فذلك لأنها تعرف أن سياسة «اللامبدأ» هي التي تحكم توجهات الأمريكان في المنطقة العربية... ولأنها تعرف أنها المصالح ودوافع المصالح، وأنها السياسات الغربية منذ فجرها الإنجليزي حتى عهدها الأمريكي، كما اعترف بذلك جون هيوز المتحدث بلسان الخارجية الأمريكية!
- الحقيقة الثانية: وتتعلق بسنة الانتخابات الأمريكية... حيث يقع الأمريكان في أسر التوجهات اليهودية والإرادة الصهيونية طمعًا بالصوت الانتخابي للوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، ولعل الملك حسين الذي زار الولايات المتحدة وفاوض ريغان في الشهر الماضي شاهد وطيس المعركة الناشبة في واشنطن «في سنة الانتخابات» ولم يتلمس من الأمريكان سوى فهم المراوغة في إدارة مصالحهم ومنافعهم... وتلمس أيضًا أن ريغان لا يختلف عن مكماهون في إغداق الوعود وابتلاعها ثانية... للتأكد بالتالي لدى الملك الأردني المصداقية الساقطة للوعود الأمريكية التي قال عنها في العام الماضي إنها على محك المصداقية!
إن الولايات المتحدة التي تراوغ العرب بعد كل انتخاب لا تنتظر طويلًا لتنقض كل ما عاهدت عليه، متخلية عن كل ما يظنه حلفاؤها أنه من الثوابت... لتبقى بالتالي باحثة عن المصلحة الشخصية فقط، ولو كانت على حساب جثث الآخرين ودمائهم.
- الحقيقة الثالثة: وتتعلق بسلوك الجريمة الذي تسلكه الولايات المتحدة الأمريكية تحت غطاء الوعود والوساطة. ويتبين ذلك من ثلاثة محاور: «الفلسطينيون، ولبنان، والخليج».
فعلى المستوى الفلسطيني... مارست الولايات المتحدة بوكالة دولية تصفية العمل الفلسطيني المسلح... ثم تصفية الوجود الفلسطيني في المنطقة المواجهة لفلسطين المحتلة، وذلك عبر مراحل يضيق مجال رصدها هنا... وإذا كانت عملية تصفية الوجود الفلسطيني الأخيرة في لبنان قد أخذت أشكالًا عدة، فإن البيت الأبيض هو الذي كان يحدد تلك الأشكال ويرسم الأدوار لها، فكان السيف الذي ذبح به الفلسطينيون إسرائيليًا مرة وعربيًا مرة وفلسطينيًا مرة أخرى. والعجيب أن ينجز الأمريكان ما أنجزوه على المستوى الفلسطيني وبغطاء دولي تحت شعار: حل الأزمة اللبنانية التي ينتظرها الجميع.
أما على مستوى القضية اللبنانية نفسها فقد أنهت الولايات المتحدة وساطتها التي باشرتها لإنهاء الأزمة إلى وضع مجابهة بين جميع الأطراف التي تتصارع في الشارع اللبناني بالوكالة عنها وعن غيرها... وفي جو هذه المجابهة يستمر لبنان ويستمر كل العرب في دفع الفواتير الباهظة لأمريكا وإسرائيل... وحتى الآن كما علق أحد السياسيين ما زالت الأزمة اللبنانية بعد مرور تسع سنوات عليها وكأنها في البداية... صراع مستمر بين جميع الأطراف... ودفع لكل من الأمريكان والإسرائيليين.
وعلى مستوى الخليج وحربه... فإن الولايات المتحدة التي ترى في الحرب مصلحة سياسية واقتصادية واستراتيجية تسعى إلى استمرار هذه الحرب لاستنزاف طاقات المنطقة بشريًا واقتصاديًا وعسكريًا بالدرجة الأولى، ومن ثم لتبقى سائر دول المنطقة بحاجة للاتكاء على «الصديق الأمريكي!» في أمنها واقتصادها وسياستها الداخلية والخارجية.
إن الولايات المتحدة التي تفتعل الأزمات وتوقد النار هنا وهناك في المنطقة العربية لا تفكر اليوم إلا من الزاوية المصلحية التي تسقط أمامها كل مصداقية للوعود التي قطعتها على نفسها أمام العرب وأمام العالم... وإن ريغان المشغول اليوم بالإعداد لانتخابات الرئاسة القادمة لن يتفرغ للمطلب العربي... كيف يتفرغ لهذا من سقط في مطب اللوبي الصهيوني الذي ينتظر منه البيت الأبيض التصدق بالصوت الانتخابي على ريغان!
وهنا لا بد أن نقول:
إن ما طرحه الملك حسين يجب أن يكون البداية عند جميع الساسة العرب -ولا سيما أولئك الواثقين بالسياسة الأمريكية- لتمييز الصديق من العدو... من خلال استكناة لعبة المصالح التي تلعبها القوى الاستعمارية الكبرى مع أمتنا... بل إن هذه البداية يجب أن تكون خاتمة للتجربة السياسية لحلفاء الولايات المتحدة وأصدقائها مع ريغان وأعوانه في البيت الأبيض... ولعل الأمة تنتظر من هذه البداية أن تحمل جميع الأنظمة العربية على رفض السياسة الأمريكية التي تريد فرض أشكال الحلول الاستسلامية على هذه الأمة... وهذا يجعل الأنظار تتطلع بشوق إلى استراتيجية عربية- إسلامية؛ لا شرقية ولا غربية، تميز الصديق من العدو من خلال المواقف والاستراتيجيات والمبادئ... وتعتمد منهجًا مستقلًا يضع أولويات مصلحة الأمة فوق كل الاعتبارات الأخرى... منهجًا مستقويًا بتشريع الله سبحانه... هذا التشريع الذي لم يترك شاردة أو واردة تخص حالات الأمة في أوقات السلم وأوقات الحرب...
إن الأمة تتطلع إلى مثل هذا المنهج في التعامل مع القوى الدولية... فهل يتحقق لها ذلك؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل