; المظلومون في تاريخنا المعتمد بن عباد (1) | مجلة المجتمع

العنوان المظلومون في تاريخنا المعتمد بن عباد (1)

الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي

تاريخ النشر السبت 28-يوليو-2007

مشاهدات 74

نشر في العدد 1762

نشر في الصفحة 44

السبت 28-يوليو-2007

وتفرقوا شِيَعاً فكُلُّ مَحَلَّةٍ  

فيها أميرُ المؤمنين ومِنْبَرُ

مما يزهدني في أرض أندلسٍ

أسماءُ مُعْتَمِدٍ فيها ومُعْتَضِدِ

 ألقابُ مملكةٍ في غير موضعها

كالهرِ يَحْكي انتفاخاً صولة الأسدِ

 بل مِن هؤلاء الأمراء مَن كان يستعين بملك إسبانيا النصرانية: ألفونسو السادس Alfonso VI  على أخيه ومثيله، ليمد كلا الطرفين المتقاتلين بجيش منه، مقابل دفع أموال له، وتنازل عن قِلاع وحُصُون، كان المُعْتَمِدُ أحدَهم. أكبرهم مكانة ومملكة.  لكن المُعْتَمِد حين رأى النتائج المهينة المشينة لهذا التصرف الذليل أقلع واستقام، وسجل روائع بطولاته في يوم يُعَدّ بحق من أكبر أيام الإسلام، ذلك هو: يوم الزَّلاّقة الشهير. أوليات أسرة المعتمد(بنو عَبّاد) من يُومِينَ، قرية من إقليم (منطقة) طُشَانَة  (Tocina) في كورة (محاقظة) إشبيلية (الذخيرة1/15، الحلة2/35، نفح4/212). وُلِدَ أبو القاسم محمد بن عَبَّاد المُعْتَمِد على الله في مدينة باجة البرتغالية (Beja)،(Portugal) سنة 431هـ أو 432هـ (1041م). وقد تولى لوالده المُعْتَضِد بالله مهام عدة، قاد الجيوش، تولى إمارة مدينة شِلْبَ(Silves)  الأطلسي البرتغالية، جنوباً، عند المحيط.  وَرِث أباه يومَ الأحد الثالث من جُمادَى الآخرة سنة461هـ (الحلة2/53).  كان المُعْتَمِد شاعراً طبعاً، لا يتكلفه يقوله بديهة (ارتجالاً) من الصغر. «وكان له في الأدب باعٌ وَاسعٌ (واسع المُكْنة والزاد، خفيفُ الحاجة وسَريعُها)، ينظم وينثر... ولم يكُ في ملوك الأندلس قبله أشعر منه ولا أوسع مادة. وهو القائل في صباه بديهة، وقد سمِع الأذان لبعض الصلوات (الحلة,2/55): هذا المؤذنُ قد بدا بأذانهِ يرجو الرضا والعفوَ من رحمانهِ طوبَى له من ناطقٍ بحقيقةٍ إن كان عَقْدُ ضميره كَلِسانهِ  وتكاد تكون كافة أسرته ــ بنسائها ورجالها المعروفين ــ من الشعراء، ابتداءً من أبنائه الأُمراء الشعراء، إلى زوجته السيدة الكبرى، أم الربيع (إعتماد الرُّمَيْكية)، وابنتها بثينة، بعض شعرهم مدون موصول (الحلة2/62 68 وبعدها. نفح4/211 ــ 212، 249 ــ 256، 271 ــ 274, 284 ــ 285). ما له وما عليه  كل ذلك سَجَّله ثِقاتُ مؤرخينا الأندلسيين وغيرهم، ذاكرين المعتمد على الله، ما له وما عليه. ويبدو كلامُهم، المحفوف بالخبرة والتمكن والإنصاف، من خلال فهمهم الواسع ونظرتهم الشاملة وعمق المعرفة ببواطن الأمور، وإدراك أغوارها وأبعادها. فجاء حديثهم من أجود ما يمكن أن يصل إليه باحث، ومع كل ذلك فمنهم شاهدُ عِيان كابن حَيَّان (469هـ)، أو قريباً منهم نقل عن شهود حضور، كابن بسام (542هـ) صاحب كتاب الذخيرة. ونقل عنهم آخرون أمثال ابن الأَبَّار(658هـ) في كتابه الحُلَّة السِّيَراء، الذي يقول في حقه: «وكان المعتمد من الملوك الفضلاء والشجعان العقلاء والأجواد الأسخياء المأمونين. عفيف السيف والذيل.. وأحسن السيرةَ ومَلَكَ فأَسْجَحَ. إلاّ أنه كان مولعاً بالخمر منغمساً في اللذات، عاكفاً على البطالة، مُخْلِداً إلى الراحة، فكان ذلك سببَ عَطَبه وأصلَ هلاكه.  ومما يُؤْثَرُ من فضائله ويُعَدُّ في زُهْر مناقبه، استعانتُه على الروم بملك المغرب حينئذٍ ــ وهو يوسف بن تاشفين ــ وسَعْيُهُ في استقدامه وجَدُّه في مُلاقاة الطاغية ملك النصارى، والإيقاع به بالموضع المعروف بالزَّلاّقة في رجب سنةَ تسعٍ وسبعين وأربعمائة» (الحلة2/55). (عفيف السيف: الدماء، عفيف الذيل: طاهر الثوب من الدنس والخَنا والعُهْر). ملوك الطوائف عُرِفَتْ هذه الفترة باسم الطوائف، كانت إحدى وأكبر دويلاتها مملكة إشبيلية، التي يحكمها بنو عَبّاد، آخرهم المُعْتَمِد. والحق أنه كان ذا طاقات، أُهْدِرَ الكثيرُ منها في هذه الأجواء. ويومَ استقامت الأمورُ وعادت سيرتَها الأولى، ظهرت بطولاتُه وفروسيتُه وفدائيته، في يوم الزَّلاّقة الشهير (يوم الجمعة 12 رجب 479هـ = 23/10/1086م)،  (Sagrajas) حيث المعركة الفاصلة ــ على الأقل، في التاريخ الأندلسي ــ التي يقال: إنها زادت في عمر الأندلس أربعة قرون. ويقع ميدان المعركة اليوم في سهل متسع يبعد نحو 12 كم شمال شرق مدينة بَطَلْيَوْس (Badajoz) ، مع حدود البرتغال حالياً، عند نهر جريرو (Guerrero)، أحد فروع نهر وادي آنه (Guadiana) ، الذي يصب في المحيط الأطلسي غرباً.  في الوقت الذي توزعت الأندلسُ طوائفَ عِدَّة، تنافس أمراؤها بينهم وتنازعوا، كلٌّ يسعى لزيادة ما تحت يده. مما دفع كل أمير منهم للتوجه ــ غالباً ــ إلى إسبانيا النصرانية، طالباً حماية ملكها، وليمده بجنده، لمواجهة جاره المسلم وانتزاع ما يمكن من مملكته، ليضمها إلى ما عنده، مقابل دفع الأموال سنوياً لملك إسبانيا وتنازل عن أراضٍ وحصون للعدو، وهي فرصة لهذا العدو، بإضعافهم جميعاً بهذا الأسلوب، انشغالاً فيما بينهم وتقديم الأرض له، لقمة سهلة ودفع الأموال, مع الإذلال والاحتقار والإقلال. فإن تفرقهم بهذه الطريقة مكن إسبانيا النصرانية، قوة وغنى ومساحة، فكانوا هم من أكبر أسباب قوتها وتفوقها وتوسعها، ولو أنهم تحالفوا ضد هذه القوة ــ العدو المشترك ــ وتعاونوا فيما بينهم لحموا البلاد، لكنهم بهذا ضاعوا وأضاعوا، لولا أن تقيض لهم بفضل الله تعالى علماء وأمراء، جمعوا من اجتمع منهم للنجدة. وكان على رأس هؤلاء الأمراء، المعتمد على الله. فسعى لدى الآخرين للأخذ بالعزيمة، وترتيب دعوة أمير الدولة المرابطية الفتية بالمغرب، ذات العاصمة مراكش، يوسف بن تاشفين (500هـ) لنجدة الأندلس، ضد التجبر النصراني. أرسل الرسل من العلماء والقضاة، للقائه وإقناعه لنجدة الأندلس وإنقاذه، من ضياع ماحق محقق وماثل.  ضعفُ الالتزام  ومن الملاحظ أن أيَّ انحدار في المجتمع المسلم، سببُه ضعفُ الالتزام، بالقواعد الشرعية ومنهجها الرباني. والعودة إليها تقتضي جهدَ العلماء والأُمراء، الذين لم تخلُ الميادين منهم، لاسيما العلماء، وبالذات في الأندلس، سواء في عصر الطوائف أو غيره. بهم بدأت عملية الإنقاذ في الأندلس، وعصر الطوائف أكبر شاهد على ذلك. وكم مرةٍ كانوا أولَ المبادرين، رغم صعوبة الظروف. وكلما طال وقت الضعف زاد ضعف الالتزام، فهما مترافقان في عَلاقة عكسية، وبه تصبح العودة إلى قوة الالتزام، بحاجة إلى وقت أطول وجهد أكبر. ولدينا ثلاثة أمثلة متفاوتة معبرة وواضحة وقوية: (1) خلافة عمر بن عبد العزيز(101هـ): حين أراد أن يرد الأمة إلى ما كانت عليه، أيام الخلافة الراشدة. وهي قريبة من ذلك زماناً وبنياناً، كانت الاستجابة سريعة. سارت الأمة خلفه بسرعة وعادت، كما تعود الأم إلى ابنها المفقود، متلهفة ملبية مسرعة. وهذا يدل كذلك أنه لا بد من القُدْوَة والريادة الواعية. (2) أيام الطوائف في الأندلس (القرن 5هـ): اقتضى الأمر وقتاً أطول وجهداً أكبر وبذلاً أكثر. يكفي أن تعلم أن أحد علماء الأندلس الذين ساهموا في ذلك، وهو أبو الوليد الباجي (474هـ)، استمرت دعوته في كل أنحاء الأندلس، داعياً إلى تجديد معاني الإسلام في النفوس، لمدة 33 عاماً!! ثم انضم لها الأمراء، وكان على رأسهم، متسلماً رايتها الأندلسية المعتمد، داعياً إليها أميرَ المرابطين، إلى نجدة الأندلس. فاستجاب بجيشه، وسار الجميع تحت الراية، عندها أنزل الله نصره على أهل دينه. (3) هذا في المغرب الإسلامي، أما في مشرقه، فكانت التجربة مماثلة في القرن السادس الهجري أيام القائد الشهم صلاح الدين الأيوبي (589هـ)، وإن كان مهد له آخرون قبله. ولا بد من العلم أن كل هذا يقوم على رعاية الداخل، وإعداد متطلبات مواجهة الخارج ورد عادياته ودحره. ترى منذ ذَهاب الدولة العثمانية وحتى اليوم، بعد مضي نحو قرن، يحاول العاملون جهدهم، ولم يصلوا بعد إلى مثل تلك النتائج، لتحقيق قيام كيان إسلامي شرعي، والأمل بالله تعالى، ثقةً كاملة تامة، أنه آت في موعد يقدره الله سبحانه وتعالى ويهيء أسبابه ويُفْرِح أحبابَه. < من الواضح بالنسبة لموضوعنا قد شاركت هزاتٌ سبقت كلَّ ذلك، بينت للمجتمع وأيقظته، وبَصّرَتْ أولي النُّهَى فيه، فقاموا وتقدموا وتنادوا، لأداء ما يجب عليهم. < إذن وبالفعل كانت قد سبقت معركةََ الزلاقة التي رَدَّت العادية، هزاتٌ عنيفة، أعادت الوعي وأرت السوءَ مُجَسماً وأحَسَّتْهم مَرارتَه، لتخاطب كوامن الولاء والأداء والبلاء، فاستجابت. وإن كان العديد من العلماء بدأوها قبل ذلك وعجلوا إنضاجَها، ممهدين أرضيتَها مُقرِّبين إلى النفوس ارتواءَها. لكنهم كانوا نموذجاً يُحتذى ومثالاً يُرتأى وقدوة تُقتدى.

الرابط المختصر :