العنوان المظلومون في تاريخنا.. يوسف بن تاشفين (الأخيرة)
الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي
تاريخ النشر السبت 05-يناير-2008
مشاهدات 53
نشر في العدد 1783
نشر في الصفحة 40
السبت 05-يناير-2008
- السيرة العملية للقائد المغوار وزهده في الدنيا وتقشفه يكذب هذه الفرية.
- لا بد من عمل جاد للارتفاع بالأمة إلى مستوى يرفع من هبوطها ويأخذ بيدها إلى بناء حياتها لتقدم أعلامًا كباراً مثل بن تاشفين.
لقد أغرت الأندلس يوسف بن تاشفين منذ أول عبوره بجمالها وخيراتها وأجوائها، مما حمله على أخذها (انظر: المعجب، ١٣١، ١٣٥ نفح الطيب، ٤/٣٧٤-377، وفيات، 7/119 وبعدها قارن أعمال الأعلام، ١٦٣ و ٢٤6-٢٤7) إن مثل هذا الكلام أبعد ما يكون عن الواقع ولا سند له على الإطلاق، إلا الظنون السيئة المنحرفة الآثمة، بل لعل الاطلاع على حياته ومجتمعه ودولته تكفي وزيادة، ليس فقط لإسقاط ذلك بل والسخرية منه والاستغراب والضحك.
وهنا يتبين كم كان من المهم ذلك الاستعراض السابق وأهميته وفائدته وضرورته، لفهم القضايا ذات الأهمية البالغة الوثيقة الصلة بموضوع المقال.
ولعل الذي مر من شرح سابق لا سيما المظلمة الثانية يعين كثيراً على رفع هذه المظلمة الثالثة وإسقاطها ومع ذلك فهذه أدلة إضافية تقدم إسهاماً وتقوية وتثبيتاً لرميها بعيداً.
إن يوسف لدى عبوره الأول وبعد استقراره أياماً في الجزيرة الخضراء أول أرض أندلسية بذل جهداً كبيراً فيه، لترتيب أمور جيشه وإعداده وتوجيهه لمعركة فاصلة، قيل إنها أنسأت (أطالت) في عمر الأندلس أربعة قرون الحلل السندسية 2/195 وكان بأشد الحاجة للراحة، حيث إنه بمجرد وصوله الجزيرة الخضراء سجد لله شكراً، ثم شرع في بناء أسوارها ورم ما تشعت من أبراجها وحفر الحفير عليها وشحنها بالأطعمة والأسلحة (دوزي ۱۹۳)، وكان عبد الله بن المعتمد في استقباله في الجزيرة بكل أنواع الضيافات.
وعندما توجه يوسف نحو إشبيلية استقبله في ظاهرها ابن عباد، وحياه وفرح كل منهما بالآخر وتعانقا، وأقام يوسف في إشبيلية ثلاثة أيام، ولم يطل المقام، متعجلاً للقاء العدو، بل روي أنه لم يدخلها حين عرض عليه ثم إنه فصل عن الخضراء بجيوشه قاصداً شرقي الأندلس، وسأله المعتمد دخول إشبيلية دار ملكه ليستريح فيها أياماً حتى تزول عنه وعثاء السفر ثم يقصد قصده، فأبي عليه وقال: إنما جئت ناوياً جهاد العدو فحيثما كان العدو توجهت إليه (المعجب ۱۳۲-۱۳۱)، بل حتى بعد المعركة وقد دعاه المعتمد لزيارة إشبيلية والاستجمام فيها فلم يبق أكثر من ثلاثة أيام بعد الجهد المضني رغم إلحاح المعتمد وربما تكون فقط هذه هي الفترة التي قضاها في إشبيلية .
لو أراد لنال
عاش يوسف متقشفاً طول حياته حتى آخر أيامه وكذلك بعد معرفته الأندلس والتحاقها بالدولة المرابطية فكيف يمكن أن يكون هذا النعيم الذي فيها والترف الذي كان يحياه ملوك الطوائف، وقد سبق أن انتقدهم فيه (نفح الطيب 4/374-377)، أن يجذبه لأخذها.
لو أراد من خيراتها حتى عدمها عنده ليس من الصعب ما يريده منها بسهولة، وهو في مغربه ومن غير أن يتكلف بأخذها، ولم يذكر أنه طلب أن يجلب إليه منها شيء لنفسه أو لغيره، أي شيء البتة.
إن من يتابع مجريات الأحداث يساء ويستاء ويسأم من هذا الكلام كيف يمكن ليوسف أن يرسم الأحداث بهذا المنوال كل عبوراته الأندلسية كانت بدعوة من أهلها، وتمت جميعها بعد إلحاح وتكرار وتوسل من أهلها، وبعد مداولات واستشارات وفتاوى الفقهاء.
كان يوسف لا يقدم ولا يقوم بمثل هذه الخطوة إلا بعد تريث وتأمل وتوثيق مدروس، باعتبار الأمر لله، ليقوم على أساس جهادي، فيبرم كلمته ويفي بها دون تأخير على الدوام.
كان يوسف يدرك تماماً تكاليف هذا كله بل وكبير خطره الواضح على دولته لكن قبوله دوماً كان بكليته جهاداً ونصرة لدين الله وابتغاء الأجر والثواب عنده سبحانه.
لو حدث أن يوسف رغب في خير ونعيم الأندلس، الأمر الذي أغراه بأخذها، تحقيق هذا يتم بغير أخذها بتكاليفه الباهظة المضنية الثقيلة، وبالإمكان أن يأتيه ما يريد بدون ذلك والكل جاهز لأحسنه مما يجعل هذا الكلام يثير التعجب والدهشة والضحك المؤسف.
مرحلة جديدة
إن دخول يوسف الأندلس شكل مرحلة جديدة في تاريخ تلك الدولة، حيث وضعها في عالم جديد، وأرض غريبة وأمم كثيرة متلاحمة متناصرة، أمام مثل هذه المواجهات الجديدة في نوعيتها (انظر: دوزي ۱۹۱) التي قد تطول وتميل وتؤول بهم إلى ما لا طاقة لهم به، ومع ذلك قبل هذا التكليف من أجل نصرة إخوانه المسلمين، وإن كانت هي مغامرة قد تكون قاتلة، كان مدركاً لها بوضوح.
إذن كان هذا هو الدافع الوحيد لقبوله الحلة السيراء (2/98).
يتبين من هذا جيداً أن أهل الأندلس هم الذين دعوه، ورجوه وحثوه في كل مرة، فيلبي.
لو أراد أخذها لفعلها في العبور الأول بعد انتهاء معركة الزلاقة، وكان ذلك عليه أسهل وأنجع وأسرع، والنفوس مهيأة لذلك، حيث أحبه الناس حياً عظيماً ورأوا فيه المنقذ إلى حد أن أمير غرناطة عبد الله بن يلقين يقول في مذكراته المنشورة عن أمير المسلمين يوسف بن تاشفين لو استطعنا لمنحناه لحومنا، فضلاً عن أموالنا (التبيان١٠٤).
يتبين بوضوح تام كيف أن هذا الظلم بأسهمه الثلاثة قد طاشت، وأنها لا ظل لها من الحقيقة ولا اعتبار أو قرار.
إذن فلابد من عمل جاد للارتفاع بالأمة إلى مستوى يرفعها من هبوطها ويرتقي بها إلى آفاق الحياة الكريمة ويأخذ بيدها إلى بناء حياتها على هذه المعاني التي يكون العلم لحمتها، والعمل به سداها لتقدم هؤلاء الأعلام الكبار أمثال ابن تاشفين ومن معه في نفس المضمار، لتأتي بكريم الثمار وتقيم الحياة الكريمة تتزيا بأجمل شعار.
وبهذا نأتي إلى نهاية الجولة الحالية، بعد سهر، وتعب، ومعاناة لمدة نحو ثلاثة أسابيع ليلاً ونهاراً، قوامها ودوافعها ونهوضها على منوال دوافع يوسف بن تاشفين وأهل الزلاقة إن شاء الله تعالى، وهما صفحتان متماثلتان كل في أوان، إلا أنهم هناك جاهدوا بالسنان وهذا الجهاد هنا بالبيان، ولكل منهما میدان والحمد لله رب العالمين، وله وحده الولاء ومنه الفضل والمنة والخير كله بيده هو أهل التقوى وأهل المغفرة.