; المظلومون في تاريخنا.. يوسف بن تاشفين (٢ من ٦) | مجلة المجتمع

العنوان المظلومون في تاريخنا.. يوسف بن تاشفين (٢ من ٦)

الكاتب عبدالرحمن الحجي

تاريخ النشر السبت 01-ديسمبر-2007

مشاهدات 66

نشر في العدد 1779

نشر في الصفحة 42

السبت 01-ديسمبر-2007

 (*) أستاذ التاريخ الإسلامي والأندلسي

احتلال «طليطلة»  شجع «ألفونسو السادس» على أن يلقب نفسه بالإمبراطور ذي الملتين (الإسلام والنصرانية)!

ألفونسو المغرور كان يقول:إنه يقاتل بجيشه الجن والإنس وملائكة السماء !       

في الوقت الذي كانت الدولة المرابطية قد استوت على سوقها، كانت الأندلس تمر بأقسى عهودها، إذ توالت عليها المحن وضربتها الفتن، تمزقًا وحروبًا وخضوعًا لعدو لا يألون جهدًا في الإتيان عليها بكل أسلوب لإزالتها من الوجود، شجعه على ذلك ارتماء ملوك طوائفها على أعتابه متنازلين له عن حصون وأراض، وتقديمهم أموالًا استرضاء له ودفعًا لعدوانه، واستمدادًا لمعاونته العسكرية في مواجهة إخوانهم وأبناء عمومتهم من ملوك الطوائف الذين فعلوا الشيء نفسه فازداد عدوهم قوة وازدادوا هم ضعفًا!

هذه الممالك الضعيفة ما كان أحدهم ينجد مدينة أندلسية تُحاصر من قبل «ألفونسو السادس»، فتزوي أمام أعينهم تحت أقدام هذا العدو الغادر المغرور الناكث لكل العهود . كما حدث المدينة طُليطلة (واسطة العقد الأندلسي) وكورتها، التي اضطر أهلها إلى الاستسلام بعد إنهاك وحصار دام سبع سنوات، فاضطر أهلها لتوقيع تلك المعاهدة في منتصف محرم ٤٧٨ هـ (٦/٥/١٠٨٥م)، ثم تم الاستيلاء عليها واحتلالها في أول صفر سنة ٤٧٨هـ (٢٥/٥/١٠٨٥م) من قبل «ألفونسو السادس» ملك إسبانيا النصرانية الموحدة (قشتالة وليون وجليقية)؛ حيث تركها ملوك الطوائف لمصيرها البائس، فلم يكد ينجدها أحد منهم غير أمير «بطليوس» أبو محمد عمر المتوكل على الله ولأكثر من مرة، ومع ذلك فقد قاومت المدينة كل ذلك الإنهاك الشنيع وتخريب المزارع والبساتين من حولها السنوات عدة، وذهبت معها كل توابعها من المدن والقرى والأرياف حتى لقد قبل إنه سقط بسقوط طليطلة نحو مائة منبر.

الترحيب بالعدو!: بل ذُكر أن بعض أولئك الملوك أرسل إلى ألفونسو يهنئه بأخذه طليطلة، «وعند ذلك وجه كل رئيس بالأندلس رسله إلى ألفنش (ألفونسو ) مهنئين، وبأنفسهم وأموالهم مفتدين، حتى إن صاحب «شنتمرية» حسام الدين بن رزين نهض إليه بنفسه وحمل هدية عظيمة القدر متقربًا إليه، وراغبًا أن يُقره في بلده عاملًا بين يديه، فجازاه على هديته بـ« قرد!» وهبه إياه، فجعل ابن رزين يفخر به على سائر الرؤساء، واعتقد أنه جنته مما كان يحذر ألفونسو من وقوع البأساء»...

 ورغم أن «فرناندو الأول»، والد ألفونسو كان قد قسم مملكة إسبانيا النصرانية بين أولاده الثلاثة إلا أنه جرى بينهم خلاف انتهي ينزع ألفونسو من مملكته وسجنه في «دير ساهاجون»، الذي فر منه ملتجئًا إلى طليطلة مملكة الطوائف، عند ملكها المأمون سنة ٤٦٤ هـ (يناير ١٠٧٢م)، وفي ذلك يقول المؤرخ الموسوعي الوزير لسان الدين ابن الخطيب: «ولحق بطليطلة، وبها يومئذ المأمون بن ذي النون، فآواه وأجاره وأسكنه عنده، وسُكناه بطليطلة واطلاعُه على عوراتها هو الذي أوجب تملك النصارى بها».

 كان هذا المأمون (المأفون) قد رحب به أيما ترحيب كأنه الفاتح الميمون! بل وأسكنه وحاشيته بجوار قصره، موفرا له كل أسباب الراحة، كما جعل له دارًا خارج مدينة طليطلة ذات رياض، لنزهته ولقاءاته بحاشيته ومستشاريه، وبقي في منفاه تسعة شهور حتى سنة ٤٦٥ هـ (أكتوبر ١٠٧٢م)، حين قتل غريمه أخوه الملك «شانجه» في1072/10/6م، ربما بتدبير منه، وبمساعدة أخته« أراكا».. ليتولى الملك مكانه، فتبدأ عندها صفحة جديدة في التاريخ الأندلسي.

الجاسوس النائم!

ومن الأعاجيب التي تُذكر أيام إقامة« ألفونسو السادس»، هذا في طليطلة، أنه كان يختلط بأهل المدينة المسلمين ويتجول فيها ويرى قوة حصانتها، لمعرفة المكان الذي يمكنه دخولها واقتحامها منه.

بل وأغرب من ذلك، حيث سمع حديثًا دار بين المأمون بن ذي النون ووزراته، وكان إلى جوارهم متظاهرًا بالنوم لديهم، حول موضوع الدفاع عن طليطلة وحمايتها من أي هجوم عليها، من قبل النصارى للاستيلاء عليها، والوسيلة التي يمكنهم بها تحقيق هذا الأمر، فتركز حديثهم بصعوبة ذلك لحصانة المدينة، وأن ذلك يقتضيهم (النصارى) ما لا يقل عن سبع سنوات، بعد تخريب ما حولها وتدمير مؤونتها وحجب كل مدد عنها، فاستوعبها ألفونسو وفهمها وانتفع بها، بعد أن تعرف على أحوال المدينة وجغرافيتها ومواقعها، ليعرف كيفية الاستيلاء، عليها لدى عودته إلى الملك.

أليس من الخير، كل الخير، إزالة هذه الأوضاع وتخليص الأندلس من ملوك الطوائف هؤلاء؟ وهو ما دفع إلى استدعاء أمير المرابطين يوسف بن تاشفين الذي خاض «معركة الزلاقة» الفاصلة، وألحق الأندلس بالدولة المرابطية إداريًا، لتصبح الجناح الغربي منها .

احتلال طليطلة: كان لاحتلال طليطلة أثره الزلزالي البالغ في الأندلس أولًا، والمغرب ثانيًا - وفي بقية العالم الإسلامي ثالثًا- لكنه في الوقت ذاته أظهر لملوك الطوائف نتائج سوء سياساتهم عمومًا، ومنها تخلفهم الشائن عن نجدة المدينة وضعفهم وتخاذلهم، وهو ما شجع «ألفونسو السادس» على أن يلقب نفسه ب «الإمبراطور ذي الملتين»

Totius Hispaniae  Imprateurباللاتينية 

وتعني «إمبراطور كل إسبانيا: الإسلامية والنصرانية».

عند ذلك ظن أنه سيأخذ الأندلس وشيكًا، وأنها غير بعيد ستكون كلها في قبضته، وكان يرنو بعد أخذه طليطلة إلى قرطبة العاصمة.

ويقول أبو الحسن علي بن بسام الشنتريتي (٥٤٢هـ - ١١٤٧م): «وكان أعد لمسجدها الجامع، حمى الله ساحته من الخطوب الروائع، ناقوسًا تأنق في إبداع،.

وتجاوز الحد في استنباطه واختراعه، فالحمد لله موهن أيده، ومبطل كيده، وجزى الله أمير المسلمين وناصر الدين، أبا يعقوب يوسف بن تاشفين، أفضل جزاء المحسنين، بما بل من رماق، ونفس من خناق، ووصل هذه الجزيرة من حبل، وتجشم إلى تلبية دعاتها واستنقاذ ما بها من حزن وسهل، حتى ثل عروش المشركين، وظهر أمر الله وهم كارهون، والحمد لله رب العالمين».

استعراض القوة

بل لقد ذهب ألفونسو إلى أبعد من ذلك، حيث اخترق البلد بثُلة من جنده على خيولهم من شمال الأندلس إلى جنوبها تمامًا لم يعترضهم أحد، حتى مدينة « طريف» والجزيرة الخضراء على شاطئ الأطلسي، ووقف عند مائه، إشارة إلى امتلاكه كل الأندلس، ومن هناك كتب إلى يوسف بن تاشفين متهكمًا، أنه سيرسل له سفنًا كي يعبر إليه وينازله في المغرب، ليوفر على يوسف جهود العبور إلى الأراضي الأندلسية، فكتب إليه يوسف على ظهر كتابه: «جوابك يا أذفونش (ألفونسو) ما تراه، لا ما تسمعه إن شاء الله،. واستشهد له ببيت للمتنبي:

ولا كُتب إلا المشرفية والقنا ***  ولا رسل إلا الخميس العرمرمُ

 ولعل هذا الجواب من يوسف إلى ألفونسو قد تكرر في مناسبة أُخرى، ذلك أنه بعد أن عبر يوسف إلى الجزيرة الخضراء (أول مدينة أندلسية) قادمًا إليها من سبتة عبر مضيق جبل طارق، وتكاملت جيوشه، اتجه نحو حشود ألفونسو، التي اجتمعت له من بلاده ومن بلاد الفرنجة مما وراء جبال البرت، وتوجه ألفونسو للمواجهة بجموعه من مدينة طليطلة، وكتب إلى يوسف يصف قوة جيشه مهددًا إياه بالويل والثبور، فأجابه كاتبًا له على ظهر رسالته: «الذي يكون ستراه». وكان قد مر بنا في حلقة «المعتمد بن عباد»، كيف أن ألفونسو السادس هذا كان يقول مغرورًا بجنده الكثيف: «إنه يقاتل بهذا الجيش الذي جمعه الجن والإنس وملائكة السماء»!، بل لقد ذكر شاهد عيان للمعركة، أن ابن عمه «غرسيه» كان معه بألف فارس قبل معركة الزلاقة، وفارقه بمن معه من جنده لغروره، عندما قال ألفونسو :«هذا يوم لنا فيه الغلبة على المسلمين»، فقال له غرسيه: «إن كان سبق لك بذلك القضاء»، فقال :« أنا الغالب سبق أو لم يسبق»! 

المراجع

1- نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، أحمد بن محمد المقري التلمساني.

2- الأندلس، ابن الكرديوس.

3- تاريخ إسبانية الإسلامية ( أعمال الأعلام) - لسان الدين بن الخطيب.

٤-الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة (أي: جزيرة الأندلس)، ابن بسام الشنتريني.

٥-الإحاطة في أخبار غرناطة، لسان الدين ابن الخطيب.

٦-  روض القرطاس، ابن أبي زرع .

٧-مخطوطة الأسكوريال(مدريد) رقم ٤٤٨ غزيري، ورقة ٤٩ ٠ ٥٣

٨-دوزي في نشرته العبادية:

II118 DOZY Abdadids

  La Espana del Cid pedal pp 176-177 -9

    Modesto Lafuente Historia Gen eral de Espana IIp397-10

الرابط المختصر :