; المظلومون في تاريخنا يوسف بن تاشفين (1من ٦) | مجلة المجتمع

العنوان المظلومون في تاريخنا يوسف بن تاشفين (1من ٦)

الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي

تاريخ النشر السبت 24-نوفمبر-2007

مشاهدات 79

نشر في العدد 1778

نشر في الصفحة 38

السبت 24-نوفمبر-2007

(*) أستاذ التاريخ الإسلامي والأندلسي

رؤية علمية لمسيرة هذا القائد الفذ.. تعتمد على مصادر نادرة وموثقة.

استمر حكمه قرابة ٥٠ عامًا ويعد من أكبر مؤسسي الدولة المرابطية الشرعية المجاهدة بالمغرب العربي والأندلس.

لماذا هذه السلسلة؟

لأجل كشف الحقيقة في تاريخنا وحضارته بكل أبعادها وجوانبها وصورها. وذلك بسبر الأغوار البعيدة لهذا التاريخ المتميز، رغم ما يثقله من بقع مفتعلة منتحلة مهلهلة وهي مخالفة لطبيعته حدثت في أوقات يبذل الجهد لعلاجها.

يأتي كل ذلك من خلال رؤية علمية قائمة جاهزة للصبر، قادمة بالمثابرة على البحث مبتغية الحق والحقيقة، لا يؤخرها خوف ولا يقدمها طمع.

أمران

الخوف والطمع، طالما فَتَّا عَضُد كل عمل وأفسداه، وأخلياه من كل مضمون مهما بدا مزركشًا مزوقًا منمقًا خادع المظهر ملوث المخبر خاويًا من كل طهر. الحمد لله أن الميدان لا يخلو من أولئك الذين اتخذوا العلم سلوك تقوى ليغدو حامله صفحة مثلى، وعادة فيه ترى. 

كل ذلك لأمرين، يقتضيهما العمل العلمي الجاد :

1- إسعافي: اقتضته طبيعة الحال وليس للغرض والمال قصده كشف الشبهات التي غيبت حقيقته وحجبت بهاءه وضيعت مقاصده كيما يظهر بصورته الحقة، متلألئًا جذابًا. 

2- الهدف البارز الأساس: البحث التاريخي الجاد لرسم حقيقة صورة مساره، اعتمادًا على كل الصيغ العلمية الأمينة ووسائل البحث الموضوعية محتضنة أدق المعلومات وأوثق الكتابات الجادة والمصادر، آخذة أهم المواصفات بأمانة متميزة. أما التوثيق فمن الأوليات الألفبائية.

لأجل ذلك وغيره، يُستحب له البذل المادي والمعنوي والعلمي، وتندب الإمكانات والجهود والطاقات كما يعتبر من الواجب اللازم الذي قد يقع ضمن فرض الكفاية إن لم يكن فرض العين.

كل ذلك يعد من باب العدل والمروءة والإنصاف، وهي كذلك من سمات حضارتنا الإنسانية.

من خلال ذلك وأمثاله يعتبر دعوة لبناء الحياة في مجتمعاتنا على العلم الحق النقي الملتزم.

إمام فعال

كل ذلك دون ضجيج، يظهرُ حاله في الميادين والمواقف والأحداث دون جعجعة حتى لو أتت بطحين، فعله قبل القول أو من دونه، ومعه يستقل عمله. ألم يأتك ما جرى للخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان يوم وقف على منبر مسجد المدينة المنورة على ساكنها الصلاة والسلام ليخطب الجمعة فأُرتِجَ عليه (ذهب عنه الكلام)، ثم قال: أنتم إلى إمام فعَّال أحوج منكم إلى إمام قوَّال، ونزل، فكان أبلغ من خطبة.

إنه صبغة من صبغ هذا الدين الذي بنى بمنهجه مجتمعه وأقام عليه حياته وحضارته الفذة التي تميزت بسبقها المشهود. أقامت للإنسانية صروحًا من النتاجات المتنوعة والفتوحات البارعة والآفاق الظليلة بأروقتها الشاسعة. أمدت الإنسانية بالخير العميم والقيم المترقية والعلم الكريم، قدمته للعالمين من استحق منهم، ومن ليس بالفضل والمعروف جدير قدمته هبة كنخلة أصلها ثابت وفرعها في السماء. كل ما فيها كريم تهب خيرها لكل أحد، أو كنحلة رغم خفتها لا تترك إلا كل طيب وشفاء كريم وغذاء سليم لا تؤذي حتى الضعيف.

حضارة قامت على العلم السليم المنسجم مع الحقائق المتعلقة بالحياة والمتوائم مع نواميس الحياة والمتلاقي مع قوانين الوجود كل ذلك واضح يتبين للناظر دون جهد كبير، وبدون دراسة أو عناء ممارسة من خلال الاطلاع على كثرة الأعلام- نساء ورجالًا وشبابًا- ووفرة النتاج وأرقام المؤلفات الفائقة ونوعيتها. 

إنه ليبدو بوضوح مُغيَّب أن العلم الحي العملي هو الذي صان الأمة، وطالما رفعها من كبوتها خلال كل العصور، وأعاد إليها هيبتها، مستمرًا في المقاومة ما أمكنته الظروف المحيطة، وهو الذي أنهضها وأعادها وأطلقها. وكان هو وراء الرفعة التي تمت في عصر الطوائف الأندلسية في القرن الخامس الهجري (القرن الحادي عشر الميلادي)، فأنتج مما أنتج معركة الزلاقة ذات التاريخ المجيد.

دعوة للنهوض

إذن فهي دعوة للنهوض بالأمة تبني بناءها، ليأتي بأمثال أهلها من علماء وأمراء وقادة أمثال من رفعوا هذا الهم عن الأمة، كابن تاشفين ومن معه من أبطال الزلاقة الباسلة ذات البلاء الحسن. 

وهو بناء كان الأمل- بالوسائل الحديثة المتوافرة- أن تقوم به مؤسساتنا العلمية وتسعى إليه معاهدنا التعليمية، مثلما تأخذ به جامعاتنا المنهجية وتكون حارسة له ولكن للأسف عَزَّ ذلك ونأى.

كما أن ممارسة تلك المؤهلات تهب لأهلها مناعة وحصانة وصيانة من مفاجأة الوقوع في المهاوي، أو التردي تحت الأنقاض أو تترامى إلى الركام لتقيم في النفس موازين العلم الصدوق والنغم المرهف الأنيق والحاسة المشبعة بالثقة والقوة والقدرة على التمييز، وتجعله يؤثر ولا يتأثر إلا بالخير مميزًا، يُقبل محتكمًا في أموره لميزان موثق سليم كريم عندها تكون لديه في التاريخ- كما في غيره- حاسة، مما يمكن تسميتها هنا: «الحاسة التاريخية» Historical Sense  عندها يمكن النظر إليه منارة تقود ومنهجًا يسود ودافعًا بالخير يجود يأخذ- ببصيرة واعية مستنيرة- بالمجتمع. مسيرة لا تتردى، يفيض عليه بالخير ويبعث على الفخر، يجلب الثقة والاعتزاز حين النظر في أسباب ذلك متجنبًا مهاويه راصدًا حركته آخذًا بأسباب نهضته عارفًا قدر ماضيه معالجًا أسباب ترديه ساعيًا للرقي بجهده، باذلًا سعيه في علوه مدركًا روعة منهجه وسموه آخذًا بالهمة والعزيمة سائرًا على الدرب لا يعرف اليأس ولا الهزيمة ولسان حاله يردد: 

بنى لي المجد آباء كرام *** ورثنا مجدهم باعـًا فــيــاعـا 

وهَذَّبني الإباء ففات طرفي (1) *** وكل يجري بعد ما استطاعا

(الطرف: الكريم من الناس والخيل وما عداهما).

تلك كانت خاطرة، سقتها بين يدي الموضوع آخذًا بك الآن إليه، فالتمس كريم العذر عاملًا الفكر لائذًا بجميل الصبر.

فمن هو يوسف بن تاشفين؟

إنه أمير المسلمين وناصر الدين وقائد المرابطين (الملثمين الصحراويين): أبو يعقوب يوسف بن تاشفين بن إبراهيم بن ترقوت اللمتوني (٤٠٠- ٣ محرم سنة ٥٠٠ هـ- 1009-2/٩/1106م). حكم قرابة خمسين عامًا. أحد أكبر مؤسسي الدولة المرابطية الشرعية المجاهدة في العدوة المغربية ثم أضيفت إليها العدوة الأندلسية.

أصل هذه الدولة: لقد نشأت في الصحراء المغربية، نمت واستقام أمرها واستوى عودها واكتملت مقوماتها، فقامت بواجبها الشرعي نحو أهلها هناك في المغرب الكبير، ثم تجشمت القيام بما عليها تجاه إخوة الأندلس، مما اقتضى أن تكون الأندلس ولاية مرابطية في الجناح الغربي من الدولة الإمبراطورية المرابطية الكبرى، الممتدة من أقصى المغرب الكبير (أدنى، بالنسبة لأهل المشرق أو المغرب الأوسط) شرقًا حتى المحيط الأطلسي غربًا، ومن شمال شبه الجزيرة الإيبيرية (الأندلسية). 

مع طُرْطُوشَة وسَرَقُسطة ولُشْبُونَة Lisboa. Zaragoza. Tortosa (Lisbon)

من توابعها حتى نهاية بلاد السودان وموريتانيا جنوبًا بضمها مدينة تنبكتو شمالي مملكتي غانة ومالي، أواسط إفريقيا الغربية (روض القرطاس، ابن أبي زرع، ١٣٦). وكان ابن تاشفين أحد أكبر بناة هذه الدولة التي عاشت نحو قرن من الزمن.

كيف كان ذلك؟

أصل المرابطين: من قبيلة لمتونة الصنهاجية، أعظم القبائل البربرية، سكان الشمال الإفريقي، وصنهاجة أم لعديد من القبائل أمثال: لمتونة وكدالة (جدالة) ولمطة. كانت قبائل صنهاجة لوقت ما متفرقة حتى ظهر فيهم الأمير أبو عبد الله محمد بن تيفاوت اللمتوني، وكان مرموقًا ورعًا شغوفًا بالجهاد، حتى إذا ما استشهد، قام مقامه صهره زعيم قومه: يحيى بن إبراهيم الجدائي، ومن بعده ابنه: إبراهيم بن يحيى ابن إبراهيم سنة ٤٢٧هـ (١٠٣٥م) الذي ذهب مع رفقة من قومه إلى المشرق لأداء فريضة الحج وطلب ما أمكن من العلم. ولدى العودة إلى دياره مر بمدينة القيروان ليقابل فقيهها وكبير شيوخ المذهب المالكي فيها: أبو عمران الفاسي، فتلقى ومن معه عليه العلم وتأثروا به وطلب منه أن يبعث معه فقيهًا لإرشاد قومه العلم الصحيح (الإحاطة في أخبار غرناطة ابن الخطيب . 4/348) . فتم اختيار أحد الفقهاء النابهين المعروف بالعلم والشجاعة والورع: عبد الله بن ياسين الذي كان قد تلقى العلم في الأندلس لنحو سبع سنوات. فاستُقبل باحتفاء وفرح وكرم. وبدأ ينشر علمه وأقبل الناس عليه وأحبوه لعلمه الغزير ومقدرته في التأثير وغيرته الإسلامية الوفيرة عندها كثر حوله تلامذته ومحبوه ومريدوه.

أصل التسمية

بذاك انقطع ورفيق دربه إبراهيم بن يحيى الجدالي- ومن معهما، وبعد أن انضم إليهما نفر من جدالة ومعهم يحيى بن عمر أحد زعماء لمتونة- للعلم والعبادة في جزيرة يحيط بها نهر النيجر (أسفل مملكة مالي). وابتنوا هناك رباطًا لهذا الغرض، فالتحق بهم كثيرون من أشراف قبيلة صنهاجة. ولهذا السبب سماهم عبد الله بن ياسين: «المرابطون».

ولما أصبحوا يعدون بالآلاف بثهم ابن ياسين في المناطق المتعددة للدعوة إلى الإسلام والالتزام بتعاليمه في كل أمور الحياة والأخذ بمنهجه الرباني. 

ولما وجد من البعض مواجهة أعلن الحرب عليهم، وذلك سنة ٤٣٤هـ = ١٠٤٢م، واستمر مع أتباعه على ذلك، حتى أطاعته قبائل صنهاجة كافة، وأخذ يدير شؤونهم، يعاونه في ذلك إبراهيم بن يحيى الكدالي. وعند وفاة الأخير، أخذ مكانه يحيى بن عمر اللمتوني الذي كان أميرًا معروفًا بالجد والزهد والورع.

أول ظهور

استمر المرابطون على ذلك وظهر أمرهم ورحبت بهم القبائل؛ لما رأوا من صدقهم وإخلاصهم. حتى لقد كاتبتهم سنة ٤٤٦هـ قبائل عدة للانضمام إليهم. إلا أنه سنة ٤٤٧هـ توفي الأمير يحيى بن عمر، ليحل مكانه أخوه أبو بكر بن عمر، وكان صالحًا كثير الورع.

وفي السنة التالية سار المرابطون بقيادة أبو بكر نحو بلاد السوس من الجنوب المغربي، جاعلًا على رأس الجيش ابن عمه يوسف بن تاشفين اللمتوني (روض القرطاس ۱۲۸- ۱۲۹) وهنا لأول مرة يظهر اسم هذا القائد الفذ المغوار الموهوب المتمكن؛ فافتتح كل تلك المناطق.

كانت سياستهم اتباع تعاليم الكتاب الكريم والسنة المطهرة وترك كل ما عداه من إجراءات مخالفة لهما، ثم امتدت دعوتهم وانضوت تحت لوائهم جهات كثيرة. كان منها مدينة أغمات التاريخية التي تم أخذها سنة ٤٤٩هـ (عنها يُنظر: الروض المعطار، ابن عبد المنعم الحميري ص ٤٦). 

وهكذا حتى تغلبوا على قبيلة مغراوة. وتصاهر معهم الأمير أبو بكر اللمتوني في أغمات بزواجه من زينب بنت إسحاق (الهواري) النفزاوية من القيروان أبوها تاجر يفد إلى أغمات وكانت امرأة حازمة لبيبة ذات رأي وعقل وجزالة ومعرفة بالأمور (روض القرطاس ١٣٤).

استمر المرابطون في جهادهم يوالون التقدم حتى أصيب عبد الله بن ياسين في أحدها، فأوصى- قبل وفاته في ٢٤ جمادى الأولى سنة ٤٥١هـ = ١٠٥٩م (الروض المعطار ص٤٦)- شيوخ المرابطين التزام الشرع وحسن المعاملة والبعد عن الفرقة والحسد والسعي وراء الزعامة. كما أوصاهم على اختيار أبو بكر بن عمر مكانه لزعامة المرابطين ولزوم الطاعة له عليهم، فأقروه بعده جميعًا. 

أما الأمير أبو بكر بن عمر فقد استقر في مدينة أغمات جنوب شرق مراكش عندها وفد عليه من بلاد الصحراء حيث قاعدتهم وقومهم من أخبره باختلاف المرابطين هناك، فذهب إليهم في الحال، مستدركًا ومستشعرًا ومستبقًا مخاطره، وجعل ابن عمه يوسف بن تاشفين مكانه بل وطلق زوجته ومحبوبته ذات العقل والحسن والجمال زينب بنت إسحاق النفزاوية رفقًا بها من مشاطرة حياة الصحراء وشظف العيش فيها وتكاليفها الشاقة مما لا تطيقها، موضحًا لها أسباب ذلك: «يا زينب إنك ذات حسن وجمال فائق وإني سائر إلى الصحراء برسم الجهاد لعلي أرزق الشهادة والفوز بالأجر الوافر وأنت امرأة لطيفة لا طاقة لك على بلاد الصحراء وإني مُطَلَّقُك، فإن تمَّمتِ عُدتك فتزوجي ابن عمي يوسف بن تاشفين فهو خليفتي على بلاد المغرب». ارتحل أبو بكر بنصف الجيش إلى الصحراء في ذي القعدة ٤٥٣هـ-/11-12/1061م. وعندها تزوجها ابن عمه يوسف «فكانت القائمة بملكه والمدبرة لأمره والفاتحة بسياستها أكثر بلاد المغرب» (روض القرطاس ١٣٤ – 135 الإحاطة 4/349).

نشاهد من الآن كيف تتضح- بشكل أبرع وأروع وأنصع- نوعية الأمير يوسف بن تاشفين في الميادين كافة، ليس فقط مزاياه القيادية بل وسياساته الحكيمة ومواهبه الإدارية وحنوه على الناس ثمرة يحيط بها ويقودها ويعليها استقامته وتقواه وزهده الواضح الملحوظ الأصيل.

لماذا هذا الأسلوب؟

الآن وبعد هذه الجولة المتعبة الشاقة الصعبة لاستخلاص هذه المعلومات التي لم تكن رغبة أو انسياقًا وراء الاستطراد، بل فكرة وعمدًا وقصدًا، من أجل معرفة أصل الدولة المرابطية وكيفية نشأتها وأسباب ومراحل قيامها، وبدايات ظهور يوسف بن تاشفين لإلقاء بعض الضوء على هذه المرحلة من حياة الدولة وحياة هذا القائد الميمون وتميزه المشهور، والأسباب الكامنة والبينة في توفرها التي صنعت كل ذلك وقدمته بهذه الصياغة كيما يجري فهمها واعتبارها والانتفاع بها على المدى الحالي مثلما القريب والبعيد.

ولعله قد غدا من الواضح الآن الأسلوب المتبع في تقديم هذه الحلقات الذي يقوم على استيفاء ما يتعلق بالموضوع. بعيدًا :

ابتداء وقبل عرض قضية الظلم الواقع عليه. نذكر ما يبين من أموره وأحواله ومسيرته، كل ما يعين على ظهور الحقيقة كاملة، فيكون ذلك عونًا على فهمه، ويقود إلى وضوح الواقع الجدير بالاعتبار والاعتداد والإشهار، كما يُري بسهولة بالغة بُعد وبطلان ما يُثار من الظلم الذي سيق ادعاء عليه، حين التعرض لمناقشة ذلك عندها تكون الصور المقدمة واضحة تمامًا، حيث يتم ظهور بعد تلك الادعاءات عن أي واقع وهي مجردة من كل دليل أو معقولية أو منطق مما يجعل رؤية تهافتها بسهولة بالغة، وربما إدراك الأسباب الكامنة وراءها التي ساقت تلك المظالم عن عمد وهدف مقصود وعندها تُعرَفُ الحقيقة ظاهرة بارزة غالبة على كل ما أثير حولها، بعد عودة الحق إليه فيكون لها التمجيد بعد الاتهام والتنديد.

وخلال ذلك كله يجري الاعتماد على أوثق المصادر الأمهات ولا تخلو من مخطوطات، مع ملاحظة توخي الدقة والتحري واختبار رواياتها ما أمكن منطقًا ودراية ورواية إلى جانب الانتفاع بالكتب والوثائق والمجلات الأجنبية بالعديد من اللغات- وبكل ما يُغني ذلك ويوضحه ويجليه من بيانات ولوحات وصور، وبعد كل ذلك ومعه يتلاءم ويتسق ويتعانق في جو علمي، يأخذ سبيلًا:

إبداء الحجج المنطقية الملتصقة بذات الموضوع، بمضامينه وأحواله وكافة أجواء وموازين عصره، مستمدًا من أجوائه وأعرافه ومسلّماته، ومما يماثله سلامة. ليوضح الصورة لدى الحاجة للعودة إليه.

تردفه وتتحفه وتسعفه الأدلة التاريخية ما أمكن؛ لتتعانق حججها وتتكشف حقائقها ويتثبت رجحانها وحجيتها. 

وإليك نادرة أخرى: ذلك أنه بعد نحو اثني عشر عامًا من مغادرة أبو بكر بن عمر، وإنجاز ما أراده من تلك الرحلة الجهادية عاد إلى أغمات سنة ٤٦٥هـ ونزل في مكان خارجها. والمتوقع الآن أن يتولى القيادة من وكيله ابن عمه يوسف، لكنه سجل مأثرة أخرى، حيث إنه حين رأى الأحوال في غاية الجودة والأمور في تمام الرفعة والحياة بخير رقي، بسياسة يوسف وذلك مما رآه وسمعه واستفسر عنه وبأحسن مرام ورجاء وحداء، لم يطالب يوسف بالتنحي.

ولو أراد لكان الأمر من حقه، فيمكنه الوصول إليه بكل يسر وسهولة وانسيابية والكل معه حتى يوسف نفسه لا يمتنع من ذلك- بل أقره على ما هو عليه ولاية وأصالة، اختيارًا وإرادة وقناعة، فرحًا وارتياحًا وانشراحًا. عندها حث يوسف بالاستمرار على هذا النهج الكريم، محبذًا سياسته موصيًا إياه بالناس خيرًا، وعاد إلى الصحراء متابعًا جهده وجهوده وجهاده، حتى استشهد هناك في شعبان سنة ٤٨٠هـ= /1087/11م (روض القرطاس ١٣٥- 136). منذ ذلك الوقت استمرت دولة المرابطين تنمو وتتوطد أركانها وهيبتها وتقدم نتاجها الحضاري المتنوع تباشر أعمالها وتتابع مشاريعها في كل اتجاه. ويوسف هو الذي بنى مدينة مراكش واختطها سنة ٤٥٤هـ = ١٠٦٢م، مبتدئًا ببناء القصبة والمسجد وكان يشارك العمال والمهندسين العمل بنفسه، واتخذها عاصمة، وكلمة مراكش تعني بلغتهم «امشِ مسرعًا».

(القصبة: مصطلح أندلسي مغربي يُطلق ويعني هنا: مبنى الدولة أو ديوان الحكم المحصن يضم أمورها ومعه القلعة العسكرية وحصنها).

العبور إلى الأندلس

كان ابن تاشفين بعقليته الناضجة يستشير العلماء والفقهاء ويتخذ مستشاريه من النبهاء يلجأ إليهم ويقبل نصحهم. من ذلك أنه اتخذ من عبد الرحمن بن أسباط وزيرًا، وهو أديب من أهل الأندلس ومن مدينة المرية جنوب الأندلس (مرصد وميناء على البحر المتوسط (Almeria) (وخبير بأمور الأندلس، وقد أخذ بكل نصائحه فيما يتعلق بالعبور إلى الأندلس استعدادًا لمعركة الزلاقة واتخذ من بعده (٤٨٧هـ) أبو بكر بن القصيرة (جمادى الأخرة سنة ٥٠٨هـ = ١١١٤م)، الأديب المعروف واسمه: محمد بن سليمان الكلاعي الإشبيلي (الإحاطة ٢/ ٥١٦-٥٢١). 

نقل لسان الدين ابن الخطيب في کتابه الإحاطة (4/347-354) عن مؤرخ الدولة المرابطية: أبو بكر محمد بن يحيى الصيرفي من كتابه المفقود «الأنوار الجلية في أخبار الدولة المرابطية» (الإحاطة 1/108- 4/407)، عن يوسف بن تاشفين قوله: «كان يرحمه الله، خائفًا لربه كتومًا لسره كثير الدعاء والاستخارة مقبلًا على الصلاة مديمًا للاستغفار، يواصل الفقهاء ويُعظّم العلماء ويصرف الأمور إليهم ويأخذ فيها بآرائهم ويقضي على نفسه وغيره بفتياهم ويحض على العدل ويصدع بالحق ويعضد الشرع ويحزم في المال، ويولع بالاقتصاد في الملبس والمطعم والمسكن، إلى أن لقي الله مجدًا في الأمور ملقنًا للصواب مستحبًا حال الجد مؤديًا إلى الرعايا حقها من الذب عنها والغلظة على عدوها وإفاضة الأمن والعدل.... كما كان بالغ التقشف. مستمرًا طوال حياته لا يلبس غير الصوف. مأكله الشعير ولحوم الإبل وشرابه ألبانها، لا يكاد يتعامل أو يتناول غيرها (عنه انظر: روض ١٣٦- 145) هذه قراءة ودراسة ومتابعة متأنية مكيثة حثيثة للصفحة المغربية من حياة الدولة المرابطية وورقتها المورقة، ولأحد أهم مؤسسيها: الأمير يوسف بن تاشفين.

الرابط المختصر :