; المظلومون في تاريخنا «11» عباس بن فرناس.. معارفه وميادين ابتكاراته «2» | مجلة المجتمع

العنوان المظلومون في تاريخنا «11» عباس بن فرناس.. معارفه وميادين ابتكاراته «2»

الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي

تاريخ النشر السبت 28-أبريل-2007

مشاهدات 46

نشر في العدد 1749

نشر في الصفحة 66

السبت 28-أبريل-2007

تنوّعت الابتكارات وتجاوزت التوقعات، منها قضية الطيران التي جرى الاقتصار عليها، مع شديد الأسف، لقد كان له باع وإبداع واختراع في عديد من المبتدعات، تكفي واحدة منها لتجعله عالمًا، هذا كان في كل منها كالمتخصص فيها وحدها، وحتى لو كان الأمر كذلك، لوضع في صف المبدعين الكبار الذين يُشار إليهم، أعلامًا في التاريخ الحضاري والإنساني، فكيف وقد ظهر في نحو اثني عشر ميدانًا؟

ولا أستبعد أن يكون ترك مؤلفات أو كتابات، فقدت أو أحرقت أو نهبت في النكبة الأندلسية الكبرى بعد السقوط، أو لعلها موجودة في مكان ما أو مأخوذة.

عرف ابن فرناس معارف كثيرة وعلومًا متنوعة ومبتكرات زائدة، وأصبح من روادها المعتمدين، وبزّ أقرانه المعروفين. كان عالمًا مقننًا فيلسوفًا حاذقًا، وشاعرًا مفلقًا (معجبًا حاذقا)، ومنجمًا مطبوعًا موفقًا، صحيح الخاطر، ثاقب الذهن، جيد الفكر، حسن الاختراع، كثير الإبداع.

لقد أبدع طول أمده إبداعات لطيفة واختراعات عجيبة في غير ما صناعة من جد وهزل، وكان مع ذلك مجيدًا للشعر، حسن التصرف في طريقه، كثير المحاسن جم الفوائد، ذا خصال رائقة وأخبار سارة.. كما كان صاحب نير نجات، أخذ حيل كالسحر، وليست كثير الإبداع والاختراع والتوليد والاستنباط، واسع الحيل «ربما في الميكانيك»، حتى إنه نُسب إليه السحر وعمل الكيمياء، «المقتبس ٢٣٨/٢/١-٢٤٣»، مما أثار بعضهم عليه، حسدًا أو جهلًا أو استغرابًا.

الميادين التي ارتقاها وفاز فيها بالتقدم والتعين:

- الطب حتى غدا طبيب الأمراء، وأسر قرطبية عدة.

- الفيزياء «الطبيعة» والرياضيات، متداخلة مع العديد من العلوم التي اشتغل بها.

- الأدب، لا سيما الشعر، حيث كان يقوله في أغراض عدة، لا سيما الوصف والمديح والهجاء.. كان يرتجله بانسياب وسهولة وحضور «نفح ١٣٣/٣»، فكان من شعراء الأمراء، ابتداء من الأمير الحكم وابنه الأمير عبد الرحمن الأوسط وابن الأوسط، الأمير محمد، وربما بداية إمارة ابنه المنذر «انظر المقتبس ٢٤١/٢/١-٢٤٢ المغرب في حلى المغرب، ٣٣٣/١».

- الفلك: القبة السماوية صنع عباس ابن فرناس في بيته هيئة السماء التي ركبها على منهاج الحكمة، ومثل فيها أفلاكها، وأقام فيها آلات تخيل إلى الناظر فيها أنها نجوم وغيوم وبروق ورعود، فأراها كثيرًا من عيون الناس مفتخرًا عليهم، بحكمة شاع ذكرها في الناس وحديثهم عنها «المقتبس ٢٤٠/٢/١».

- الصناعة: هو أول من استنبط بالأندلس صناعة الزجاج من الحجارة ودبرها بالحكمة «المقتبس ٢٣٨/٢/١».

- العروض والموسيقى: كان أول من فك في الأندلس كتاب العروض للخليل، وأول من فك فيه الموسيقى وكشف غوامض الأشياء. وأول من فك العروض وميزان الشعر وفهمها، وله فيه كتاب حسن بلغ في تجويده الغاية.

- ذات الحلق: وهي آلة تمثل حركة الكواكب، تستعمل لرصد هذه الكواكب السيارة، تتكون من عدة حلقات متداخلة في وسطها كرة. 

لقد عمل ابن فرناس هذه الآلة المخترعة العجيبة وقدمها للأمير عبد الرحمن الثاني «الأوسط»، وعمل عباس أيضًا من قبل «قبل المثقالة» ذات الحلق للأمير عبد الله بن الحكم، ورفعها إليه بها، وكتب معها:

قد تم ما حملتني من آلة              أعلى الفلاسفة الجهابذة دوني

لو كان بطليموس ألهم صنعه       ولم يشتغل بجداول القانون

فإذا رأته الشمس في آفاقها           بعثت إليه بنورها الموزون.

ومنازل القمر التي حجبت معًا      دون العيون لكل طالع حين

فيرون فيها بالنهار كما بدت            بالليل في ظلمات الجون

«المقتبس ٢٤٢/٢/١٠ كذلك ٢٨٣/٢/٢٠».

(الحلق: جمع حلقة، الجون، مفردها، الجون، وهو الضوء).

- رجام المجانيق «المقتبس ٣٥٦/٢/٢-٣٥٧»، آلة حربية صنعها ابن فرناس، بما هي نوع من الدبابات، يهاجم بها العدو. ربما ترمي عليه أذى لا يمكنه رده، ولا يمكنه ذيل من فيها من المهاجمين، استعملها الأمير محمد، في قمع بعض الثائرين في قلعة الحنش قرب مدينة ماردة «شمال غرب قرطبة» سنة ٢٥٤هـ «٨٦٨م»، وربما في غيرها.

- قلم الحبر: وهي آلة أسطوانية تغذى بالحبر أشبه بالقلم الحالي.

- النافورات الجميلة: كان ابن فرناس يقوم بإبداع أعمال ليزين بها الدوائر والحدائق والقصور، لا سيما للأمراء، مهندسًا مدنيًا معماريًا.

ولقد «كان عباس بن فرناس الحكيم الشاعر لا يزال تفره «تحذق وتتقن قريحته الحكمية»، يخترع الطرف الملوكية ويولد الطرف المعجبة، ذوات الصور الجميلة والحركات البديعة بتلونها وإفراغها المياه منها في البرك وغيرها، يستعين في إقامة أشخاصها ومعالجة هندستها بأصبغ عريف النجارين في القصر يعلمه عملها بصنعتها، فإذا تمت ونظر إليها الأمير محمد أعجب بها سرورًا... عباس مخترعها، فأثابه على ذلك بما...» «المقتبس ٢٨٣/٢/٢، ٢٨٤».

- المنقانة «المنجانة= الميقاتة»: وهي نوع من الساعات، وهو الذي عمل بالأندلس المنقانة لمعرفة الأوقات، ورفعها إلى الأمير محمد حفيد الأمير الحكم، ونقش فيها أبياتًا من قوله شعرًا «جعل الكلام لها»:

ألا إنني للدين خير أداة 

إذا غاب عنكم وقت كل صلاة 

لم تر شمس بالنهار ولم تين 

كواكب ليل حالك الظلمات 

بيمن أمير المسلمين محمد 

تجلت عن الأوقات كل صلاة 

«المقتبس ٢٨٢/٢/٢-٢٨٩». 

 

الرابط المختصر :