العنوان المظلومون في تاريخنا (16) الرَّحّالة الحسن الوَزَّان (2من2)
الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي
تاريخ النشر السبت 14-يوليو-2007
مشاهدات 78
نشر في العدد 1760
نشر في الصفحة 48
السبت 14-يوليو-2007
تُوُفي البابا ليون العاشر نهاية سنة (927هـ = 1/12/1521م)، ليخلفه في البابوية الألماني: أدريان السادس، الذي شغل قبلها مناصب متقدمة ومهمة وعالية وخطيرة، محققاً عاماً Adrian VI لمحاكم التفتيش في الشمال الإسباني. كان هذا البابا الجديد يتشكك في نصرانية الحسن، وأنه ما يزال مسلماً؛ تأسيساً على ما سبق أن عرفه من عمله السابق، أن المسلمين في الأندلس واجهوا إجبارهم على التنصير بإظهار النصرانية وإبطان الإسلام. وهم الذين عُرِفوا بـ: المورسكيون (Sp. Los Moriscos، Eng. The Moriscos، Fr. Moresques) وهم الأندلسيون الذين بَقَوْا في الأندلس تحت السلطة النصرانية، بعد سقوط غرناطة، وأن الحسن منهم، متبنياً نفس الأُسلوب. مع أسباب أخرى، كلها جعلت الحسن يترك روما، ويسافر إلى غيرها، حيث زار العديد من المدن الإيطالية، ابتداءً من مدينة بولونيا، ثم زار نابولي وفلورنسا. Bologna، Napoli(Naples),Firenze(Florence) أما بولونيا فهي التي عرفها وعرف التدريس في جامعتها مبكراً، بدعوة من راعيه البابا ليون العاشر، استقر فيها مدة. هناك وضع قاموسه (معجم مفردات طبية): عربياّ ــ لاتينياً ــ عبرياً، لاتزال بعض أوراق من قسمه العربي موجودة بخطه في مكتبة الأُسكوريال (شمال مدريد) برقم598 ومؤرخ في (930هـ= 1524) وفي نهاية هذا الكتاب اسمه الكامل من خلال توقيعه: العبد الفقير إلى الله يُوحَنّا الأسد المدعو قَبْلُ الحسن بن محمد الوَزَّان الفاسي، خَارَ اللهُ له». أو: «فرغ من نسخ هذا الكتاب العبد الفقير إلى الله مؤلفه يوحنا الأسد الغرناطي المدعو قبل الحسن بن محمد الوزان الفاسي في أواخر يناير عام ألف وخمسمائة وأربع وعشرين لتاريخ المسيحيين الموافق لعام ثلاثين وتسعمائة لتاريخ المسلمين وذلك بمدينة بلونيا من بلاد إيطاليا برسم المعلم الحكيم الماهر يعقوب ابن شمعون الوفي الإسرائيلي حفظ الله نعمته آمين». عودته إلى بلده ثم بعدها وأخيراً عاد الحسن إلى روما. ثم غادرها نهائياً، ربما خلال سنة (934هـ= 1528م)، عائداً إلى المغرب، ولابد أنه وضع خُطة محكمة مرتبة مدروسة. كان ذلك قبيل نهب روما من قبل الجيش الإمبراطوري أوائل مايو 1527م. ولانكاد نعرف أي شيءٍ يتعلق بكيفية عودته ومكانها والطريق التي سلكها، لكن من الممكن من جنوب إيطاليا بحراً (ربما من نابولي) إلى تونس، أقرب مكان إليه. ولا يعقل أن يكون قد بقي في تونس ــ كما ذكر البعض ــ إنما لابد إنه ذهب إلى المغرب، وأغلب الظن عن طريق البر متخفياً. ولابد أنه عاد ليستقر في مدينة فاس، لكنا نكاد نجهل تماماً كل شيءٍ عن ذلك!! وإذا كانت حياته السابقة ــ قبل الأسر وخلاله ــ إما مجهولة التاريخ والحال، أو مُخْتَلَف فيها، أو في كثير من تفاصيلها، فالأمر أكثر جهلاً بعد عودته من أسره إلى بلده. ويكون الحسن قد قضى في أسره نحو عشر سنوات، للأسف لا نعرف عنها إلا القليل، رغم الخبرة والمتابعة والعودة إلى الكتابات بعدة لغات. وكما تفاوتت الكتابات عنه في أمور متعددة تفاوتت بين الغموض والتخمين والاستنتاج، فقد جرى الاختلاف في مدة بقائه في الأسر، إلى من جعلها نحو ثلاثين عاماً!! مؤلفاته كان الحسن متقدماً في العربية وأدبها ويقول الشعر فيها، إلى حد أنه مرة حين قيامه، مكلفاً بزيارة أو متجولاً في بعض المناطق، نظم قصيدة مدحٍ فيها أحد الزعماء، فاستحسنها وأهداه جواداً مجهزاً(مُطَهَّماً) وخمسين ديناراً(يعدل راتبه السنوي). كما كان يجيد اللغة القَشتالية (الإسبانية القديمة) والعبرية. تعلم في إيطاليا اللغة الإيطالية بسرعة جيداً، كلاماً وكتابة وتدريساً، كما تعلم اللاتينية. ولذلك جعله البابا ليو العاشر ــ ومَِن بعده ــ يدرس اللغة العربية في كلية بولونيا، وجامعتها المعروفة، التي تعتبر من أقدم الجامعات الأوروبية، مع قرينتها السوربون (باريس) التي تأسست سنة 1257م، كل ذلك بعد نقل العلوم الإسلامية مترجمة إليهم. كتابه «وصف إفريقيا»: كان البابا ليون العاشر قد طلب من الحسن أن يكتب رحلاته ــ التي كتبها بالعربية ــ بالإيطالية، ففعل. وأنجزه في روما (سنة 932هـ = 1526م)، بعنوان «وصف إفريقيا». يمثل هذا الكتاب الجزء الثالث من كتاب كان ينوي تأليفه في الجغرافية العامة، ربما كان على نسق ما فعله الجغرافيون قبله، من أمثال الجغرافي الأندلسي أبو عبيد البكري (487هـ = 1094م) في كتابه المسالك والممالك، وياقوت الحموي (626هـ = 1229م) صاحب معجم البلدان، وابن عبدالمنعم الحِمْيَري ( نحو 727هـ =1327م) صاحب كتاب «الروض المِعْطار في خَبر الأقطار»، وللأسف فالنسخة العربية لهذا الكتاب مفقودة الآن، ويذكر أنها كانت موجودة في القرن الـ 16 الميلادي في مكتبة «بنيللي» في إيطاليا. ولدينا النسخة الإيطالية بقلم الحسن نفسه بعنوان: Descrizioni dell` Africa e delle cose notabili que quivi sono «وصف إفريقيا وما فيها من الأمور المهمة». ينتهي الكتاب بجملة: أن المؤلف أتمه في رومة بتاريخ 20/3/1526م (=932 هـ). نُشِرَ سنة 1550م، وكان من أوائل الكتب المطبوعة في أوروبا، وتكرر نشره، وترجم إلى العديد من اللغات الأوربية. لم يترجم إلى العربية إلا سنة 1979م لأول مرة. ثم ظهرت ترجمة أخرى سنة 1981م، تكرر طبعها سنة 1983م، يعتبر كتاب وصف إفريقيا من أوثق ما كتب في الموضوع. ــ وله رسالة باللاتينية في تراجم الأطباء والفلاسفة العرب، أتمها سنة 1527م نشرت سنة 1664م، وأعيد نشرها. فهذه الكتب الثلاثة هي التي بقيت ونجت، وهي: القاموس والتراجم ووصف إفريقيا. والمفقود: في الفقه أو الشريعة أو السيرة (على صاحبها الصلاة والسلام)، والنحو والشعر. ثباته والتزامه وتمسكه والآن نأتي إلى القضية الرئيسة في موضوعنا، وهي أنه: اتهمه البعض بأنه تنصر وترك دينه الإسلامي. فما من شك على الإطلاق أن ذلك عار عن الصحة ولا حقيقة له، ولا دليل عليه بحال، وفيما ذكر آنفاً أكثرمن دليل، وتضاف إليه أمور: تكتمه: كان متكتماً في حياته الخاصة ولا يُعْرَف عنها شيءٌ. ولا يبدو أنه كان يستقبل أحداً في منزله، كما لم ينخرط في الحياة العامة المجهزة للمتعة واللهو والمسرة. ولم يمارس أياً مما كان متاحاً ومألوفاً وعاماً. لو حدث ذلك فعلاً، لكان مارس تلك الحياة، ولأظهر ما يرضيهم ويؤكد لهم تحوله حقاً، حماية لنفسه على الأقل. لكنه عاش منعزلاً ومعتزلاً كل أحد، يعيش وحده، منشغلاً بنِتاجه العلمي، ومتابعاً عمله التدريسي. عدم زواجه لم يتزوج قط، ولم تكن له صلة ما بالنساء، في مجتمع كان يموج بالحرية، ويمتليء بالمرح، متابعاً للأنس وموجباته، بلا مانع أو حرج أوحدود. أُسلوب كتاباته وخواتيمها لا سيما« وصف إفريقيا». كتبه في روما، برغبة البابا، باللغة الإيطالية، تجدها تموج بالمضمون الإسلامي وتوجهاته الممتلئة ولاءً، إن لم تَفح به السطور تعبر عنه الصدور. لو لم تكن تعرف قصته ومجريات أحواله ومسيرته، لقلت إنه مسلم ممتاز، على الرغم أنه كان يكتب مشاهداته البشرية ومكتشفاته الجغرافية وتحليلاته الاجتماعية، ليس فقها ً. ومعه فلا تجد فيها إلا هذه المعاني الواضحة. عكس ما ذُكِر: أنه نال الإسلام ببعض الكمات، قالها إرضاءً لهم، مما لم أجد منه ذرة، بل على العكس. تجده يختم كتبه بكلمات إسلامية واضحة. يحافظ على التاريخ الهجري، ويكتب اسمه الإسلامي، ويختمه بالدعاء، كما مرت نماذجه. وختامه مسك ختم بالعودة مصراً، رغم أنها مخاطرة، متوقع اكتشافها. فعاد ممارساً علناً ما على المسلم القيام به، ولا أقول عاد إلى الدين الإسلامي، فإنه لم يفارق الإسلام لحظة، ولا نوى ذلك أبداً، ولم يكن يوماً ما إلا مسلماً مؤمناً. رحمه الله سبحانه وتعالى وعفا عنه وأثابه خيراً، والحمد لله رب العلمين، ونسأله العافية والقبول بكرمه.