العنوان المعترك الحضاري والموقف الإسلامي
الكاتب الشيخ محمد الغزالى
تاريخ النشر الثلاثاء 13-أبريل-1999
مشاهدات 82
نشر في العدد 1345
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 13-أبريل-1999
4 خطوات أساسية تسهم في تحرير التفكير الإسلامي المعاصر من التأثيرات الأجنبية في مفاهيم الحضارة والفن
الحوار الثقافي بين الحضارات سنة من سنن التاريخ، تشترك فيها الحضارة الإسلامية مع غيرها من الحضارات العالمية الأخرى، ولكن هذا الاشتراك من منطلق عقيدتنا هو جانب مهم من جوانب وظيفتنا الدينية؛ وذلك لأننا مكلفون بأداء دور معين خاص في العالم بحكم رسالتنا الحضارية التي تتطلب منا القيام بالشهادة على الحق، وقد أدى سلفنا الأماجد هذا الدور الحضاري في التاريخ في مراحله العديدة وبألوان مختلفة، وقد أغنوا بذلك الحضارة البشرية، وأثروا الثقافة الإنسانية بوجوه وأشكال متعددة، كما اعترف بهذا الفضل لهم المنصفون من مؤرخي العالم والباحثون في الحضارات.
ولقد تخلفت أوساطنا الأكاديمية مؤخرًا عن الاهتمام بقضايا الحضارة والفنون والجمال، اللهم إلا الجهود الشخصية القليلة التي ظهرت من حين إلى آخر، وهذا التخلف كان على حساب التواصل الحضاري والتوارث الثقافي عبر أجيالنا المتعاقبة، والثمن الذي دفعناه لهذا التقصير هو في الاغتراب المتزايد عن تراثنا التليد والاقتراب المتكاثر من مصادر الحضارة الأجنبية وطرائقها الدخيلة في حياتنا الثقافية والفكرية، وقد توسع بذلك التأثير الأجنبي في أنظمة التعليم ومناهج التربية التي زادتنا عرضة للنفوذ الغربي العلماني لا في التفكير والسلوك فحسب، بل في تشكيل مؤسساتنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
ونتيجة هذا الإهمال، فإن مجالات الفن والأدب والفكر بدأت تصطبغ بألوان ثقافية أجنبية وسنن حضارية مستوردة إلى جانب التأثيرات الواضحة في العلوم والتكنولوجيا التي لا مفر منها في أكثر الأحيان.
فيجب علينا أن نرجع إلى مصادرنا الأصلية بالقناعة، والاعتزاز بثروتنا الفكرية والفنية والأدبية لكي لا نترك الساحة للأفكار والنزعات الدخيلة، وحينئذ يمكننا أن نستعيد مرة أخرى دورنا الرائد في توجيه الحضارة الإنسانية إلى قبلة يرضاها خالق البشرية ورب العالمين جل وعلا.
التحرر من الأفكار الاستشراقية
واستعادة هذا الدور الرائد في توجيه الحضارة يدعو إلى إحياء الفلسفة الجمالية الإسلامية مع مسلماتها ومفاهيمها الخاصة، وفي الوقت نفسه يجب إعادة النظر في كل ما تلقيناه من مدرسة الاستشراق من تصورات.
وانطباعات وتشويهات للوجه الحضاري المشرق للإسلام بصورة عامة، ولإنجازات المسلمين الجبارة في مجال الآداب والفنون والجمال بصورة خاصة، فنحن إذا وفقنا في تصحيح اتجاهنا نكون قد ربطنا صلتنا مرة أخرى بماضينا المجيد في مضمار الفنون والجمال، ونكون قد حررنا اليد التي تكتب وترسم، والعين التي تبصر، والقلب الذي يتيقن ويتدبر، والعقل الذي يفكر ويتأمل، والأذن التي تسمع وتصغي، واللسان الذي يتذوق، والأنف الذي يشم، والوجدان الذي يوحي ويبتكر وينشئ ويكتشف، وجملة الحواس التي تشاهد وتلاحظ وتراقب.
ونحن نحث على ضرورة التحرر من الأفكار الاستشراقية لأن المشروع الاستشراقي بصورة عامة قد حاول المبالغة في التأكيد على الناحية المحلية والجانب العنصري في إظهار وجوه النماذج الفنية للمسلمين. كما نجد المستشرقين وتلامذتهم المستغربين منا يحاولون التقليل من أهمية الرؤية الكونية التوحيدية التي اصطبغت فيها الفلسفة الجمالية الإسلامية بصورة واضحة، تلك الفلسفة التي أنشأت أنواعًا ظريفة من الفنون وألوانًا طريفة من الإبداعات الفنية على مدى التاريخ الإسلامي في عهوده الزاهرة.
فالذين لا يؤمنون بالرؤية الكونية التوحيدية يلقون بطبيعة الحال نظرة ذاتية محدودة على هذه الظواهر الفنية التي تمثل حضارتنا المجيدة، ويصرون على تفسيرها تفسيرًا مناخيًّا جزئيًّا، ويتجاهلون المعاني الأخلاقية والروحية العالمية التي تتعدى حواجز الزمان والمكان.
وكثيرًا ما يخطئ الباحثون المعاصرون في فهم طبيعة نشأة الحضارات وتطورها، ولا يدركون أن الحضارات لا تنشأ من العدم المحض، بل إنها تتركب من جملة من العناصر الموجودة بين الحضارات القائمة.
فالمهم في فهم طبيعة حضارة معينة ليس الأجزاء أو الظواهر بعينها، بل الأهم من ذلك الوقوف على الاتجاه العام والغاية والأهداف الأخلاقية، والمقاصد الروحية، وهذه المعالم هي التي تحدد هوية حضارة معينة وشخصيتها وتميزها عن غيرها. فالأجزاء والعناصر الفرعية دائمًا تكون موجودة ومتوافرة من قبل، وقد تكون مستفادة من عدة مصادر حضارية أخرى، ولكن هذه الأجزاء والفروع هى ما يتوحد في سلك حضارة جديدة، وتصطبغ بصيغة عقيدتها ونظريتها، وحينئذ تبرز هويتها.
وهذه الهوية تتأسس على العناصر الجوهرية الدائمة التي تفوق الفوارق الزمنية والعنصرية، ولذلك يخطئ بعض الناس حينما يعتقدون أن الفرق بين فكرة وأخرى يجب أن يكون دائمًا مثل الفرق بين النور والظلام، وبين الأبيض والأسود. ولكن الفروق بين الأفكار أدق وألطف من ذلك في أغلب الأحيان، فهي كثيرًا ما تكمن في الترتيب بين الأولويات وفي التأكيد على بعض المقاصد الرئيسة في الحياة دون بعض الاعتبارات الهامشية. كما تتجلى هذه الفروق في مدى ارتباط عناصر الحضارة بالرؤية الكونية التي تبنى عليها هذه الحضارة، وهذا الربط هو الذي يقيم بين الأجزاء والأفراد تجانسًا وتلاؤمًا مناسبًا.
فلأجل تحرير التفكير الإسلامي المعاصر من التأثيرات الأجنبية في مفاهيم الحضارة والفن والجمال لابد من اتخاذ طائفة من الخطوات الأساسية كما أشرنا إليها في مستهل الحديث:
١ - تحرير التعليم الإسلامي من التأثيرات الأجنبية، والاهتمام المتزايد بتربية الفرد وتشكيل رؤيته الحضارية قبل كل شيء. فإننا قد أهملنا في نظمنا التربوية الجانب الفردي تحت التأثيرات الغربية، لأن الغرب مغرم بالتنظيم الاجتماعي، وقد عمل ذلك على حساب الاهتمام بالتربية الأخلاقية للفرد، والأخلاق عندهم صارت منحصرة في الأخلاق الاجتماعية أو الأخلاقيات.
النفعية النسبية، أما الدين الإسلامي فهو يؤكد من أوله إلى آخره على مسؤولية الفرد أمام الله وأمام الناس، ويجب إعادة النظر في جميع مفاهيم التربية والتوعية لكي تتفق مع أولويات الدين الإسلامي في تكوين الشخصية الإسلامية للفرد.
٢ - التحرر من التأثيرات السلبية التي جاءت من مصادر الحضارة الغربية بواسطة الإعلام والاقتصاد، فهناك ارتباط وثيق بينهما، وذلك لأن الإعلام يقوي الاقتصاد، والاقتصاد يغذي الإعلام، وكلاهما يؤثران على سلوك الأفراد وأخلاقهم. فبدون اتخاذ سياسة عاقلة واعية لتحرير الإعلام والاقتصاد بقدر الإمكان لا يمكننا أن نتحرر كاملاً من التبعية الحضارية التي نعيش فيها الآن، ويجب العمل في الوقت نفسه على إيجاد نظرية إعلامية جديدة مستوحاة من الرؤية الإسلامية حتى يتسنى لنا توفير البديل المناسب للقنوات الإعلامية الغربية التي تغزو بلادنا، وتغذي شعوبنا الإسلامية بالأفكار والقيم المنحرفة ليلاً ونهارًا.
4 - وينبغي أن نأخذ في الاعتبار أنه لا يمكن وضع جميع القواعد بالتحديد مسبقًا لتطور الفنون وترقي الآداب ولإحياء الفلسفة الجمالية الإسلامية، فهذا أمر غير طبيعي فيما يتعلق بالفنون والآداب. فالتطور الصحيح في الاتجاه المطلوب يتحقق بمجرد تحويل قبلة الفرد والمجتمع، وتسخير كافة الوسائل لهذا الهدف وتوجيه المسير الفردي والاجتماعي وجهة يرضاها ربنا ويوافق عليها ديننا وتقرها قيمنا الأخلاقية.
ولكن يمكن وضع خطوط عريضة للتطور المنشود في مجال الفنون والآداب، وأهم ما يمكن قوله هو: إيجاد السياق الحضاري والفكري والتربوي الصحيح الذي يؤدي تلقائيًّا إلى إحياء الروح التي من شأنها أن تعيد لنا هويتنا الحضارية وشخصيتنا الثقافية المتميزة، وحينئذ نكون قادرين على توجيه التطور الحضاري الإنساني إن شاء الله تعالى، كما فعله سلفنا الأماجد في العهود المشرقة من تاريخنا الزاهر
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل