; المفاهيم الحركية ووجوب بنائها علي الشرع | مجلة المجتمع

العنوان المفاهيم الحركية ووجوب بنائها علي الشرع

الكاتب د. فتحي يكن

تاريخ النشر السبت 22-نوفمبر-2003

مشاهدات 54

نشر في العدد 1578

نشر في الصفحة 66

السبت 22-نوفمبر-2003

 

فيما يتعلق بشؤون الإمرة والإمارة

مما هو معروف من الدين بالضرورة، أن الإسلام دعا إلى الانتظام والانضباط في جميع شؤون الحياة، لأن عكس ذلك.. الفوضى ومن الانتظام الذي حرص عليه الإسلام، والذي لابد منه لنجاح الأعمال أن يكون على رأس كل عمل من يتولى المسؤولية فيه، بحيث يكون له القرار الفصل في ضوء شرع الله، وبعد التشاور مع المعنيين وأصحاب العلاقة.

 ولقد ذهب الإسلام في ذلك شأوًا متقدمًا وغير مسبوق، من خلال اللفتة النبوية الكريمة: «وإذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم» (رواه أبو داود بإسناد حسن)

فإن كانت الإمرة مطلوبة في هذه الدائرة الضيقة، فكيف فيما يتصل بالدوائر الكبيرة والأمور المهمة والقضايا المصيرية كبناء الأجيال، وإعداد الدعاة، ونشر الدعوة، والذب عن حياض الإسلام، ومجاهدة الأعداء، إلى ما سوى ذلك من أمور؟

 ولقد أشار سلفنا الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم إلى أنواع شتى من الإمارة من ذلك إمرة سفر، وهناك إمرة جهاد، وهناك إمرة دعوة وهنالك إمرة حلقة، وهنالك إمرة جماعة، وهنالك إمرة دولة، إلى أن تصل الأمرة إلى الإمامة الكبرى.

والأمير في الإسلام إنما هو وكيل عن مجموعة لها مهمة محددة صغيرة كانت أم كبيرة مطلوب منه قيادتها بالشورى، كما هو مطلوب منها طاعته بالمعروف، ومطلوب من الفريقين تحديد الموقف المطلوب في ضوء شرع الله تعالى لما لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب: 36)

والأمير في الإسلام إنما جعل ليطاع، وترتدي الطاعة هنا الطابع الرباني، لكونها مبنية على طاعة الله، وتحقيقًا لأمر يريده الله، ومن ذلك تفهم البعد المقصود في قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ. ﴾ (النساء: 5٩)، فضلًا عن قوله ﷺ: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني» (رواه الشيخان).

ونخلص من كل ذلك للقول بأن الولاء في الإسلام إنما هو ولاء الله ابتداء، والأمير إنما هو موضع تذكير ومسالمة، وأن طاعته واجبة ما كانت بالمعروف فإن خرجت من المعروف إلى المنكر وجبت معصيته، وفي حديث رسول الله ﷺ القول الفصل في ذلك وهو القائل: «ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (رواه الطبراني وصححه الألباني).

في شرعية الثواب والعقاب المتصلين

إن مجرد أن تبنى الإمارة صغرت أم كبرت على مقتضيات الشرع الحنيف، ويكون هدف ذلك طاعة الله والدعوة إلى دينه والتزام أمره واجتناب نهيه والجهاد في سبيله، وأن تحكمها، بالتراضي، عهود وعقود ومواثيق على السمع والطاعة، فقد وجب الوفاء.

 والوفاء بالعهود صفة من الصفات المقدسة التي يطالها قانون الثواب والعقاب في الإسلام ومن أجل ذلك جاء قوله تعالى: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ﴾ (البقرة: 177) وقوله: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ ( الإسراء: 34)، وفي تفسير البغوي «العقود هي أوكد العهود، وقيل في عقود الإيمان والإسلام، وقيل في ما يتعاقده الناس فيما بينهم، أما العهود فالمراد بها أن يصبر الإنسان على أداء ما يعد به الغير، ويبذله من تلقاء نفسه، حتى وإن أضر به ذلك.

ولو لم يكن للعهد والوفاء في الإسلام هذه الأهمية والقيمة لما جاء التقريع والوصف الذميم، على وجه الإطلاق والتعميم، فيمن ينكلون عهودهم فعن رسول الله ﷺ  قال: «اضمنوا لي ستًا من أنفسكم أضمن لكم الجنة، اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا له أيديكم» رواه أحمد وصححه السيوطي والألباني)، وعن رسول الله ﷺ: «قال آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر»، وفي : رواية «وإذا ائتمن خان» (رواه البخاري ومسلم)

ولقد لخص الإمام النووي أقوال الأئمة والمجتهدين في موضوع العهد فقال: «أجمع العلماء على أن من وعد بما لا ينهى عنه، فينبغي أن يوفي بوعده..» وجوبًا عند عمر بن عبد العزيز، واستحبابًا عند الشافعي وأبي حنيفة والجمهور، ومن تركه فاته الفضل، وارتكب كراهة شديدة، ولكنه لا يأثم. 

وفيما يتعلق بحديث: «من مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية»

 لو أخذنا بهذا الحديث الذي رواه مسلم على ظاهره وإطلاقه لحكمنا على السواد الأعظم من المسلمين بالكفر والخروج من المله، لأن نسبة المنتمين إلى جماعات تبقى نسبة ضئيلة جدًّا لا تتعدى في أحسن الأحوال الخمسة بالمائة.

كذلك لا يجوز أخذ الحديث على الإطلاق، لأن التنظيمات والحركات والفئات الإسلامية لا تمثل واحدة منها «جماعة المسلمين»، التي يعتبر الخروج عليها وعدم مبايعتها خروجًا من الدين على نحو ما جاء في الحديث النبوي «ولا يحل دم امرئ مسلم يشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، إلا بإحدى ثلاث النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه، المفارق الجماعة».

ثم إن على الساحة الإسلامية فرقًا ضالة ومنحرفة، ومجرد الانتماء إليها ومبايعتها يعتبر خروجًا من الله كالأحمدية، والقاديانية والإسماعيلية وغيرها، مما يبطل الأخذ بالحديث المذكور على ظاهره وإطلاقه.

 إن البيعة التي لا يصح إسلام مسلم إلا بها هي «بيعة الإسلام والبيعة على الإسلام» وليست بيعة التنظيمات.. وما تضمنته البيعات الشرعية لا يعدو أن يكون عهدًا على الخضوع لسلطان الإسلام، بإنقاذ أركان الإيمان والإسلام ابتداء، وتحليل الحلال وتحريم الحرام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبذل النصح والدعوة إلى الله، والجهاد في سبيل الله، فإن كانت البيعة تعني هذا وتتصل بهذا فهي بيعة شرعية ولازمة ولا مناص منها، بل هي في عنق كل مسلم، سواء انتمى إلى تنظيم أم لا... وحتى لا يفهم الانتماء إلى التنظيم على الله بديل عن الانتماء للإسلام، وأن الخروج منه هو خروج من الإسلام.

 يمكن أن يكون الحديث قد عنى «البيعة الكبرى»، أي بيعة الخلافة وجماعة المسلمين التي تعقد بها أخوة المسلمين ووحدتهم واجتماعهم وقوتهم وتناصرهم وانتصارهم وشهودهم على البشرية جمعاء، ولا تعني بحال بيعة هذه الفئة أو تلك.. والله أعلم.

الرابط المختصر :