; المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية ومغامرة الإنقاذ | مجلة المجتمع

العنوان المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية ومغامرة الإنقاذ

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 01-فبراير-1983

مشاهدات 60

نشر في العدد 606

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 01-فبراير-1983

  • عندما بدأ الغزو رحبت به بعض المناطق على أنه جيش إنقاذ ينسحب بعد إتمام عملياته.

  • لا يزال المغامر اللبناني يفاوض.. فعن أي شيء ستنكشف المغامرة يا ترى؟

  • الأسلوب اليهودي في التعامل يتضح في مناورات المفاوض الإسرائيلي مع لبنان.

  • عوامل وملابسات كثيرة تؤكد أن الانسحاب الإسرائيلي... والسوري ليس سهلًا.

  • أمين الجميل.. ماذا بعد المغامرة؟

عندما بدأ الغزو الإسرائيلي للبنان في 6 حزيران «يونيو» الماضي حسب بعض اللبنانيين أن إسرائيل تعمل لصالحهم، وأنها سوف تكتفي بإخراج سوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، وأن قواتها ستعود إلى قواعدها سالمة بعد أن تضمن استتباب الأمن للسلطة المنتخبة المسماة «شرعية»، سيما وأنها كانت تعلن على لسان عدد من المسؤولين فيها أنه ليس لها أطماع في أي شبر من الأراضي اللبنانية، وأن هجومها على لبنان موجه إلى الفلسطينيين والسوريين، وأنها سوف لن تتدخل بشؤون لبنان الداخلية، وستكتفي بضمان قيام نظام حكم مستقر..

وهكذا، فقد رحبت بعض المناطق اللبنانية بالجيش المعتدي على اعتبار أنه «جيش إنقاذ» ينسحب بعد أن يتم مهمته المعلنة... كان ذلك في المناطق المارونية من بيروت والجنوب والجبل، وبعض المناطق الدرزية كذلك.

ولكن، وبعد مرور ستة أشهر على العمليات العسكرية وسقوط بيروت، وبعد أن تم انتخاب رئيس جمهورية أول وثان، وبعد أن رضيت السلطة اللبنانية بإجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.. ما تزال إسرائيل تماطل وتناور، وتطرح كل يوم مطلبًا تعجيزيًا جديدًا، وكأنها تريد أن تقول للذين حاولوا استثمار الغزو الإسرائيلي لتحقيق مصالحهم، بأن الجيش الإسرائيلي لا يمكن أن يتحرك لتحقيق مصالح أحد إلا إسرائيل، وهو لن ينسحب إلا بعد أن يتم استنزاف المفاوض اللبناني للحصول على أكبر قدر ممكن من المكاسب.

  • مناورات خلال المفاوضات:

بدأت المناورة بأن طلبت إسرائيل بأن تكون المفاوضات في القدس وبيروت، وأن يتولاها مسؤولون سياسيون.. وهي تدرك أن هذا يحرج لبنان أمام الدول العربية التي يعلق آمالًا كبيرة على دعمها المادي له من أجل إعادة إعمار البلد. فتدخلت الولايات المتحدة لإنقاذ الموقف لأنها هي حتى الآن لم تعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، فكيف يلتزم لبنان بذلك. وتنازلت إسرائيل ورضيت بأن تكون المفاوضات في كل من خلده «جنوب بيروت» والخالصة «كريات شمونة» القرية الحدودية. 

ثم استأنفت إسرائيل طرح شروطها، فهي تريد أن يكون الانسحاب جزئيًا وعلى مراحل، وهذا يعني أن تستنفذ المفاوضات من أجل تسجيل انسحاب رمزي لا يتعدى عدة كيلو مترات تنال إسرائيل في مقابله مكاسب سياسية كبيرة. 

وتم تجاوز هذه النقطة، فطلبت إسرائيل توقيع اتفاقية سلام معها على اعتبار أن اتفاقية الهدنة الموقعة عام 1949م باتت في حكم الملغاة. وأن يتم تطبيع العلاقات، وأن يجري فتح الحدود للعبور بين البلدين وللتبادل التجاري.. فتوقف المفاوض اللبناني عند موضوع التطبيع.

وجرى الاتفاق على تشكيل خمس لجان فرعية متخصصة لمعالجة كل الأمور العالقة مرة واحدة، وبهذا يجري تجاوز إصرار لبنان على بحث موضوع الانسحابات أولًا، مقابل الإصرار الإسرائيلي الذي يطالب بإعطاء الأولوية لموضوع العلاقات بين البلدين، وسارت المفاوضات مرحلة أخرى. 

عادت إسرائيل فطرحت ضرورة احتفاظ قواتها بمحطات للإنذار المبكر في عدة مناطق لبنانية، منها جبل الباروك «في وسط لبنان» الذي يشرف على سهل البقاع، وتستطيع محطة الإنذار فيه أن تغطي مسافة تمتد إلى ستمئة كيلو متر، أي أن إسرائيل تستطيع التجسس على عدة بلدان مجاورة، منها سوريا والأردن والعراق وتركيا.. ثم إن هذه المحطات تحتاج إلى قوات حماية وخطوط تموين وتغطية جوية ونقاط مراقبة، ومعنى هذا أن يبقى الاحتلال الإسرائيلي كما كان.. فرفض لبنان، وتقدم الوفد الأمريكي بحل وسط يقضي بأن تكون هذه المحطات بإدارة القوة المتعددة الجنسيات «أمريكية فرنسية إيطالية». ثم طرح فكرة أخرى هي أن تتولى أقمار صناعية أمريكية مراقبة الأراضي اللبنانية وتزويد إسرائيل بالمعلومات اللازمة... لكن إسرائيل لم تقبل التنازل بعد.

وتعثرت المفاوضات مرة أخرى، فإسرائيل تريد أن ينتقل مكانها من الخالصة إلى هرتزليا، وهي على بعد عدة كيلومترات من مدينة تل أبيب.. ثم اتهمت القوة المتعددة الجنسيات بأنها تشكل غطاء لانسحاب «الفدائيين» الذين يضربون مراكز القوات الإسرائيلية وخطوط تموينها، وأن كوادر فلسطينية استطاعت العودة إلى بيروت..

  • ابتزاز يهودي:

هكذا تسير المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، وهي نموذج للابتزاز اليهودي الذي تمارسه إسرائيل في لبنان على الرغم من أن لبنان رضي بكل المطالب الإسرائيلية «الشكلية» وطالب بمجرد انسحاب القوات من أرضه.. ومع هذافإن إسرائيل ترفض ذلك. 

كل ذلك كان جانبًا واحدًا من الأزمة اللبنانية. أما الجانب الآخر فهو الانسحاب السوري والفلسطيني من لبنان فسوريا ما تزال تسيطر على المناطق الشمالية من لبنان، وعلى قسم كبير من سهل البقاع. تعمل في هذه المناطق قوات المقاومة الفلسطينية وقوات تابعة لتنظيمات مسلحة ومتطوعين إيرانيين، صحيح أن مناطق الاحتكاك مع إسرائيل هي تحت السيطرة الكاملة للقوات السورية، إلا أن الوجود المسلح «الفلسطيني واللبناني والإيراني» يعتبر عقبة كؤودًا، فإلى أين سينسحب الفلسطينيون الموجودون في البقاع والشمال؟ قد لا يرغبون الانسحاب إلى سوريا، وقد ترفض سوريا دخولهم الأراضي اللبنانية، لأن للمجموعات المسلحة أراضيها. سيما وأنهم مسلحون تسليحًا عاليًا، وقد أدركوا المصير الذي آلت إليه القوات الفلسطينية التي خرجت من لبنان إلى المنافي العربية في أعماق الصحراء والجنود الإيرانيون هل سينسجمون مع الموقف السوري أو الفلسطيني؟ تلك أيضًا مشكلة. وهذا يعني أن سوريا تحتفظ تحت يدها بأوراق تستطيع من خلالها المناورة من أجل بقاء قواتها أطول مدة ممكنة على المتواجدة في الشمال والبقاع تتحرك ضمن الرغبة السورية ولا تستطيع الخروج عليها.. وقد بدأت سوريا تتحدث عن ضرورات أمنية لسوريا فيلبنان، وأن لبنان مجرد «خاصرة» للأراضي السورية وأن سوريا سوف ترفض أن تطعن من خاصرتها. إذا أضفنا هذا إلى أن النظام السوري القائم يعتبر لبنان عمقًا أمنيًا له، وأن وجود قواته في لبنان ضمن له ألا تكون الصحافة اللبنانية أو التنظيمات الحزبية موجهة ضد تطلعات النظام... 

إذًا لن يكون الانسحاب السوري سهلًا، كما أن الانسحاب الإسرائيلي ليس أمرًا ميسورًا، مع الشك الكبير بإمكان إنجازه، وقد كان الإجماع العربي على دعم لبنان عنصرًا أساسيًا في تشديد الضغط الأمريكي على إسرائيل.. فكيف إذا تشقق هذا الإجماع وبدأت المناورات العربية وسياسات المحاور والمزايدات العربية والفلسطينية؟! 

إن ذلك سوف يساعد إسرائيل على مزيد من التعنت، سواء على المستوى اللبناني أو على صعيد القضية الفلسطينية ككل.

  • عوامل هدم داخلية:

ليس هذا وحسب، بل إن الساحة اللبنانية الداخلية زاخرة بعوامل الهدم والتفجير، سواء في المناطق التي تسيطر عليها «شكليًا» السلطة اللبنانية أو اللتين تسيطر عليهما كل من سوريا وإسرائيل.

هذا وزير الدفاع الإسرائيلي «شارون» يقوم بزيارات إلى المناطق اللبنانية المارونية يجري خلالها مفاوضات مع زعامات سياسية وقيادات في القوات اللبنانية «ميليشيا حزب الكتائب» في محاولة للالتفاف على الموقف اللبناني الرسمي الرافض لتطبيع العلاقات وبقاء القوات الإسرائيلية في لبنان، بعد هذا يصرح قائد القوات اللبنانية فادي إفرام بأن تطبيع العلاقات مطلب لبناني، وأنه لا خيار أمام السلطة السياسية إلا هذا الطريق، فأين المكتب السياسي لحزب الكتائب الذي يتمثل في السلطة بابن رئيس الحزب رئيس الجمهورية؟!

ثم هذا سعد حداد يطرح نفسه في الجنوب بديلًا للسلطة اللبنانية على اعتبار أنه ضابط لبناني «في الأصل» وأن جنوده ما زالوا جنودًا لبنانيين، وأنه أسهم مع القوات الإسرائيلية في عملية تحرير لبنان من «الغرباء». 

كذلك في الشوق ما تزال إسرائيل تمارس الدور القذر مع طرفي النزاع الطائفي: الدروز والموارنة، فتترك قوات حزب الكتائب تقيم مراكزها العسكرية وحواجزها على الطرقات، في الوقت الذي تطلق فيه يد الضباط الدروز في الجيش الإسرائيلي ليدعموا أبناء طائفتهم في المنطقة.. وإسرائيل هي المستفيد الأول في النهاية.

أما في المناطق التي تسيطر عليها سوريا، فإنقصف المدافع وأزيز الصواريخ لم يتوقف في طرابلس إلا من أيام قليلة، حيث تحرض «الوحدات الخاصة» التابعة لقيادة رفعتالأسد مجموعة من أبناء الطائفة «إياها» نزح قسم منهم قديمًا إلى طرابلس وهاجر الباقون إليها في ظل السيطرة السورية على المدينة فيقتلون ويخطفون وينهبون دون وازع ولا رادع، مستفيدين من دعم القوات السورية لهم كلما تصدت لهم القوى الإسلامية المحلية.

وقد استفادت السلطة اللبنانية من هذا الجو المعبأ شعبيًا في طرابلس ضد سوريا، فأشاعت جوًا من الكراهية لمن يسمون بـ: «الغرباء» في المنطقة، والمقصود بذلك السوريين والفلسطينيين. وهذا شعور مستغرب وافد على طرابلس بالذات. التي كان مطلبها الشعبي قديمًا هو الوحدة مع سوريا.

  • مغامرة الإنقاذ:

في هذا الجو تجري المفاوضات. وتحت كل هذه الضغوط يحاول اللبنانيون استعادة وحدة البلد بعد الانقسام الذي يعيش في ظله منذ عام 1975م، فإلى أي مدى يستطيع المفاوضون اللبنانيون تحقيق هذا المطلب؟! 

رئيس الجمهورية الحالي قال بعد انتخابه: إن محاولة استعادة وحدة لبنان هي «مغامرة إنقاذ».. وهي حقًا مغامرة، ولا يزال المغامر يحاول.. فهل تنجح المغامرة؟! هذا ما ستكشفه الأسابيع القليلة القادمة…

الرابط المختصر :