العنوان المقاطعة الاقتصادية.. المعركة الشخصية لكل مسلم
الكاتب أحمد عز الدين
تاريخ النشر الثلاثاء 07-نوفمبر-2000
مشاهدات 68
نشر في العدد 1425
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 07-نوفمبر-2000
كل شخص يستطيع أن يخوض تلك المعركة فهي لا تتطلب إذنًا من السلطات ولا فتح الحدود المغلقة.
تخيل أن ما تعطيه للأجنبي سيكون ثمنًا لرصاصة في البندقية الصهيونية.. فهل تدفع؟
من أجل زيادة مبيعاتها أغرقت الشركات المنتجة الناس في بحر التطلعات المتزايدة والشراء دون حاجة بحثًا عن الرفاهية المفقودة.
قبل أن تقرر شراء سلعة ما، سواء كانت غالية الثمن كالسيارة أو سلعة معمرة في المنزل كالبراد أو الطباخ أو الغسالة.. أو مجرد كيس حلوى أو مشروب... هل حاولت أن تعرف أين صنع ذلك المنتج، ومن يستفيد من ثمنه؟ هل كان عامل الجودة أو رخص السعر أو حسن الشكل وراء اختيارك للسلعة، بغض النظر عن الجهة المصنعة؟ أرجو ألا يكون الأمر كذلك.. لأنه يعني أن أمورًا أخرى كثيرة لا تزال غائبة عن الذهن.
من المسلم به أن الاقتصاد يلعب دورًا جوهريًا في حياة الأمم والشعوب، وينعكس أثره على كل أمور الحياة تقريبًا.. السياسة والاجتماع.. التربية والتعليم.. الثقافة والإعلام.. وكذلك الحال في العلاقات الدولية، سلمًا أم حربًا.. صداقة أم عداوة.. وهذا الأثر يتعاظم يومًا بعد يوم بسبب تشابك العلاقات والمصالح وزيادة اعتماد كل طرف على الآخر، سواء على مستوى الأشخاص أو الدول والتجمعات البشرية.
فنمو الاقتصاد وازدهاره يعني المزيد من الإنتاج، والمزيد من الموارد المالية، ومن الوظائف وفرص العمل، وهذا ما ينعكس إيجابًا على أفراد المجتمع.. والعكس بالعكس.
ويمكن اختصار المردود الاقتصادي في كلمتي: الإنتاج والتصدير، سواء بالنسبة للسلع أو الخدمات، إذ كلما زاد الإنتاج وزاد التصدير، حظيت الدولة بقوة مضافة، وكلما قل الإنتاج وضعف التصدير أو زاد الاستيراد، خصم من رصيد قوة الدولة.
فإذا كنا نشكو من ضعفنا، فإن أحد أسباب ذلك، ضعف إنتاجنا، وقلة ما نصدره، وزيادة ما نستورده، وإذا كنا نروم استعادة القوة، فإن أحد الأسباب المؤدية إلى ذلك، زيادة الإنتاج والتصدير، والحد من الاستيراد.
ذلك مدخل عام لربط قضية المقاطعة بالاقتصاد السياسي والاستقلال الوطني، والارتباط بالهوية الخاصة.
المقاطعة.. لماذا؟
على وجه العموم.. وقبل الدخول في مسألة مقاطعة السلع الأمريكية والصهيونية، فإن من ألزم ما نحتاجه أن نقوم بمراجعة فواتير مشترياتنا والتدقيق فيها مرة ومرات.
وسوف نفاجأ بأن النسبة الغالبة مما نأكل ونشرب، ونلبس ونستخدم لا تنتجه أي دولة إسلامية أو عربية.. وقبل سنوات، أشار إلى ذلك الشيخ محمد الغزالي -يرحمه الله- بقوله: إنه لو نادی مناد أن يعود كل منتج إلى أصله ووطنه، لوجدنا أنفسنا حفاة عراة في صحراء قاحلة، وأحسب أننا اليوم أسوأ حالًا من الوقت الذي ذكر فيه الشيخ الغزالي ذلك، فقد اندثر كثير من المنتجات التي كانت تصنعها بلادنا، وحلت محلها منتجات أجنبية بسبب الاستيراد السفهي الذي يبحث عن الأكثر جاذبية، والأكثر ربحًا للمستورد، حتى أبسط المنتجات عادت تستورد.. فهل يعقل أن يستورد أكثر بلادنا العربية أقلام الرصاص والحبر الجاف، ودفاتر المدرسة وحقائبها ومصابيح الكهرباء والملابس.. ناهيك عما هو «أكثر تعقيدًا» كالساعات والآلات الحاسبة؟.. وهل يعقل أن معظم ما يتم إنتاجه في بلادنا من منتجات أخرى إنما هو تجميع لا بد أن يدخل في تكوينه الأساسي مكون أجنبي، يملك الأجنبي سر صنعته، ويستطيع أن يمنعه في أي وقت فتصبح باقي المكونات بلا أدنى قيمة، في حين أن في الكيان الصهيوني 4000 شركة متخصصة في مجال الإلكترونيات وحدها؟
إن معظم السلع التي يتم إنتاجها في بلادنا، عليها اسماء شركات أجنبية، هذه الشركات تملك المصانع المنتجة بنسب تصل في بعض البلدان إلى 100%، وحتى لو كانت أقل من ذلك، فإن جل الأرباح يذهب إلى الشركة الأم، في شكل ربح على نصيبها في رأس المال أو تحت بند الأبحاث والتطوير، أو سر الصنعة أو رواتب لكبار المديرين أو ما يسمى «إتاوة مبيعات»، وهي نسبة تصل أحيانًا إلى 15 % من قيمة كل منتج تذهب للشركة الأم في الخارج.
البحث عن الأفضل
هناك مبرر دائمًا ما يُساق لتفضيل شراء المنتج الأجنبي وهو أنه أفضل من حيث الجودة أو الذوق أو أنه أكثر تطورًا، وربما أرخص سعرًا، وتلك مشكلة تبدو حقيقية ما لم يتم ربطها بالجانب العقدي والنظر إليها بمنظور بعيد المدى من الجانب الاقتصادي والمصلحي:
واجهت شعوبنا خلال ربع القرن الأخير ما يعرف بثورة التطلعات المتزايدة وحدثت طفرات واسعة في مستوى حياة معظم الشعوب، لكن الطفرة الأكبر كانت في مستوى الرضا والقناعة بالمتاح من منع الدنيا ورفاهيتها، وللأسف فقد كانت تلك الطفرة نحو الأسوأ، لقد أصبح الهدف النهائي لمعظم المستهلكين هو الوصول إلى أفضل ما في الأسواق من سلع وخدمات، بغض النظر من الحاجة إليها من عدمه، وإمكان الاستفادة إنها أم لا، وأضرب لذلك مثالًا بسيطًا: كم عدد جهاز التلفاز في البيت؟ 99 قناة تصل في بعض الأجهزة إلى 999... هل تستخدم تلك القنوات جميعًا، بالتأكيد لا، لكن إضافة هذا العدد الكبير كلفك أموالًا إضافية دون فائدة، إننا ببساطة ننجر وراء مغريات الشركات التي أكبر أملها أن تبيع أكبر قدر من المنتجات.. وهي السعى لتحقيق هذا الهدف عبر وسيلتين: الأولى الوصول إلى شريحة جديدة من المستهلكين، الثانية أن يقوم المستهلكون الحاليون بتغيير ما يهم لشراء ما هو أحدث منه، ومن هنا فإن تلك الشركات لا تعرض ما لديها من اختراعات دفعة وحدة، وإنما تعرضها بالقطارة، لنحتاج كل مرة للجوء إليها وشراء المزيد.
نقطة أخرى: كم عدد الأجهزة والأدوات والمعدات والملابس التي بحوزة كل واحد منا ولا يستخدمها ولا يحتاج إليها.. بل يشكل تخزينها عبئًا عليه؟ كم دفع في هذه الأشياء؟ ألم يكن توفير ثمنها لو نجح في كبح جماح الرغبة التي أصبحت متأججة في نفوس أكثرنا؟ ألا نتعود ألا نشتري إلا ما نحتاج فقط.
إن الأصل العقدي الذي يحكم سلوك المسلم في هذا الجانب أن يأخذ من الدنيا ما يعينه على دينه ودنياه، ويكفيه من ذلك ما يؤدي الغرض. الأمة المسلمة أمة مجاهدة مقتصدة، يذم قرآنها المسرفين والمبذرين لقمة واحدة يقتصدها كل سلم من طعامه من كل وجبة تساوي في نهاية العام مليارات، تغني بعض حكوماتنا عن استجداء القمح من الولايات المتحدة وغيرها، الأمة المجاهدة لا تعرف «الرفاهية الكاملة» التي أصبحت شعارًا يدغدغ المشاعر، وإعلانًا ينقل المشاهد إلى جنة كاذبة ليس لها وجود في الدنيا، ويدعوه إلى شراء ما يحتاج.
كأني أكلت
ينقل الأستاذ أورخان محمد علي قصة مسجد في اسطنبول اسمه بالعربية «كأني أكلت» بناه شخص كان كلما مشى في السوق وتاقت نفسه لشراء شيء يأكله قال في نفسه: كأني أكلت، ثم يدخر الثمن، وهكذا كف نفسه عن كل لذائذ الأكل، واكتفى بما يقيم أوده، حتى بني المسجد الذي سمي بذلك الاسم، كم منا يستطيع أن يقول كأني أكلت أو كأني شربت أو كأني لبست أو ركبت.. أو سافرت... إلخ، ولنتمثل الآية الكريمة: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (آل عمران: 92)، ولندرك أننا لن ننال البر حتى نمتنع عن «بعض» ما نحب أن نأكل أو نشرب أو نلبس أو نركب.
ومن الجانب الاقتصادي، فإن الشركات المنتجة لا تستطيع تطوير إنتاجها ما لم تتمكن من بيع المنتج وتحصيل أرباح توجه جزءًا منها للتطوير، والإحجام عن شراء المنتجات المحلية يحول بينها وبين التطوير، بينما الإقبال على شراء المنتجات الأجنبية يساعدها على المزيد من التطوير، وبالتالي تزيد الفوارق بين المنتجين، وقد لا تستطيع السلعة المحلية الصمود في النهاية، فتنهار وتغلق المصانع أبوابها، ويشرد العاملون فيها، الذي قد تكون أنت أو أحد أقربائك أحدهم، دون أن تدري، ويخلو الجو للمنتج الأجنبي، وهذا ما حدث في كثير من الدول التي أخذت بسياسة الخصخصة، وباعت المصانع التي كانت تنتج منتجات محلية لتصبح فروعًا للشركات المتعدية الجنسيات التي باتت تتحكم في العالم، كما أن ضعف الإنتاج يعني زيادة الاستيراد لتغطية الاحتياجات وهذا ما يمثل ضغطًا على ميزان المدفوعات والميزانية، وقد تلجأ الحكومات لمواجهة ذلك بفرض المزيد من الضرائب على الرسوم، كما يؤدي ضعف التصدير وزيادة الاستيراد إلى انخفاض قيمة العملة حتى تتلاشى قيمة الأموال التي في جيبك أو التي ادخرتها.
معركة يشارك فيها كل مسلم
إن ما يحدث في جبهة الاقتصاد معركة لا تقل ضراوة عن المعارك الحربية.. وقد استعد لها الأعداء بكل الأسلحة، خاصة الشركات المتعدية الجنسية التي أصبحت أخطبوطًا ينتشر أفقيًا على شكل «تراستات» ورأسيًا على شكل «كارتلات» لتسيطر على كل ما يتعلق بالقطاع الذي تعمل فيه، ولا تترك للآخرين شيئًا.. فهل اخترنا «السلام» أيضًا خيارًا استراتيجيًا في معركتنا الاقتصادية، أم أن الواجب يقتضي خوض غمار الحرب؟ إن الحرب الاقتصادية تختلف اختلافًا أساسيًا عن المعارك العسكرية، ذلك أنها حرب مفتوحة لا تحدها حدود رسمية، ولا تقف أمامها سدود حكومية، حرب يمكن لكل مواطن أن يشارك فيها، ويشفي غليله، إذ لا يستطيع أن يشارك في معركة الجهاد.
إذا كان ما سبق إطارًا عامًا للتعامل مع السلع والخدمات الأجنبية، فكيف إذا تعلق الأمر بسلع دول تناصبنا العداء، وتأخذ من خزائن أموالنا لتصب في ميزانية جيش الاحتلال الصهيوني.. ماذا يكون شعورك لو تصورت أن ثمن السلعة التي تشتريها سيكون ثمنًا لرصاصة توجه إلى رأس شاب فلسطيني، خرج يرمي أعداء الأمة بحجر أو إلى قلب طفلة فلسطينية أسكنته بعد أن كان نابضًا بالبراءة؟
لو تخيلت ذلك، فإنني أتوقع أنه لن يطيب لك مطعم أو مأكل أو ملبس تعرف أن ثمنه سيوجه تلك الوجهة.. وقد أفتى عدد من علماء الأمة على نحو ما نشرت «المجتمع» فيما سبق، وتنشر في هذا العدد بحرمة شراء سلع تلك الدول التي تجاهر بمناصبتنا العداء، إنه ميدانك للجهاد.. والثغر الذي ترابط فيه، فلا يؤتين المسلمون من قبلك.