العنوان المقاومة الإسلامية. وانتفاضة فلسطين تواصل جهادي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 30-أغسطس-1988
مشاهدات 79
نشر في العدد 880
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 30-أغسطس-1988
أقامت الجماعة الإسلامية في لبنان في ذكرى تحرير صيدا ندوة سياسية بعنوان «المقاومة الإسلامية وانتفاضة فلسطين. تواصل جهادي» شارك في الندوة العلامة محمد حسن الأمين والشيخ ماهر حمود عضو تجمع العلماء المسلمين والدكتور علي عمار المسؤول السياسي للجماعة الإسلامية والأستاذ محمد عبد الهادي.
احتلال ذو طبيعة واحدة:
تكلم أولًا العلامة محمد حسن الأمين فعرض لأهم العناصر المنطلقة من طبيعة الإسلام في تكوين حالات المقاومة في أي مجتمع أو بيئة تتعرض للاضطهاد أو الاحتلال فقال:
إنه على ضوء الانتفاضة القائمة في فلسطين المحتلة وفي ضوء ما جرى على الساحة اللبنانية خلال فترة الاحتلال التي ما تزال مستمرة لقسم من الجنوب والبقاع تأكد أن للكيان اليهودي احتلالا ذا طبيعة واحدة وإن تعددت امتداداته. وأن مقاومته هي أيضا ذات طبيعة واحدة وهدف واحد وإن تعددت أشكالها وصفتها. لذلك من الطبيعي النظر إلى الانتفاضة المباركة داخل فلسطين المحتلة بوصفها امتدادا للمقاومة في جنوب لبنان وتواصلا جهاديًا معها. كما أن من الطبيعي النظر إلى المقاومة في جنوب لبنان بوصفها امتدادًا للمقاومة الفلسطينية التي سبقتها. إنها حلقات في سلسلة واحدة مترابطة كل حلقة منها مرتبطة بسابقتها غير أنها لا تكررها إنها تضيف عليها وتجددها. وهكذا تنمو وتتواصل حركة الجهاد في سبيل تحرير فلسطين. ونشهد آخر تجلياتها في الانتفاضة الراهنة في فلسطين المحتلة وهي أعلى أشكال الجهاد الذي عرفته حتى الآن مسيرة العمل نحو تحرير فلسطين. وهي بدورها تمهيد لمرحلة أعلى منها. لا تتوقف عند حد العصيان المدني بل تتجاوزه إلى الثورة الشعبية المسلحة التي تشكل في نظرنا أعلى مرحلة تسبق التحرير أو على الأقل تمهد له من خلال قيام سلطة إسلامية فلسطينية مجاهدة على الأرض المحررة بالدم وليس عن طريق التفاوض والاعتراف بشرعية العدو.
إذا كان الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين يشكل في وعي المسلم امتدادا للمشروع الاستعماري الذي يهدف إلى تصفية الإسلام أمة وعقيدة ومشروعا حضاريا ومقدرات وثروات فإن أي تهاون أو تفريط في توفير مستلزمات الصراع مع هذا المشروع وأي محاولة لإبعاد مهمة الصراع معه عن مقام الأولية سوف يؤدي تدريجيا إلى الاستسلام له وينتهي إلى إقرار مشروعيته وبالتالي سوف تتنازل الأمة عن حقها في الحياة وعن رسالتها الإلهية.
إن الهزائم التي واجهها الكيان الصهيوني على يد المقاومة في جنوب لبنان كانت حدثًا نوعيًا لجهة بلورة مفهوم إسلامي.
الكفاح المسلح الوسيلة الوحيدة للتحرير:
من هنا تكتسي المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان أهميتها أنها استطاعت أن تحدث آثارا كبيرة ونوعية لجهة طرح الصراع مجددا مع العدو بوصفه المهمة الأولى والأقدس لجميع المسلمين الأمر الذي ساعد على إعادة القضية الفلسطينية مجددًا إلى الواجهة رغم كل المحاولات المشبوهة التي أرادت أن تتخطى هذه المهمة.
إن الهزائم التي واجهتها «إسرائيل» على يد المقاومة في جنوب لبنان كانت حدثا نوعيا لجهة بلورة مفهوم إسلامي في ساحة الصراع العربي-«الإسرائيلي» ولجهة إعادة الاعتبار لمفهوم الكفاح الشعبي المسلح كوسيلة وحيدة لتحرير فلسطين وأخيرًا وليس آخرًا لجهة إنضاج ظروف الانتفاضة المباركة التي تشهدها أرض فلسطين.
ثم يكمل قائلًا: نعود لتؤكد ما بدأنا به هذه المداخلة من أن طبيعة الكيان الإسرائيلي واحدة وإن تعددت امتداداته. وهذا يستلزم أن تكون مقاومته ذات طبيعة واحدة يشد بعضها أزر بعض و يتولد بعضها من الآخر ولا يمكن ضمان هذا الترابط والتواصل إلا من خلال ترسيخ الأرضية الإسلامية لهذه المقاومة التي تشكل القاسم المشترك للشعوب الإسلامية سواء على مستوى العقيدة أو التاريخ المشترك أو المهمات المصيرية المشتركة دون أن يعني ذلك الانقطاع عن كل مشاريع المقاومة التي تلتقي مع الخط الإسلامي لجهة إعطاء أولوية مطلقة للصراع مع العدو الإسرائيلي وإن اختلفت معنا في منطلقاتها الأخرى».
هذا جهاد نصر أو استشهاد:
ثم تكلم الأستاذ محمد عبد الهادي عارضًا لأهم الدوافع الدينية في تاريخ جهاد الشعب الفلسطيني ضد الانتداب الإنجليزي إلى يومنا الحاضر ومركزا على تجربة الشيخ عز الدين القسام التي كانت تعتمد الإسلام كمحرك ومحرض على الجهاد في وجه المحتل. ولا نستغرب ذلك إذا أدركنا أن الشهيد القسام كان من كبار العلماء الذين أسسوا حركة جهادية في فلسطين رافعا شعاره المشهور «هذا جهاد نصر أو استشهاد» وكان من خلال موقعه كخطيب في جامع الاستقلال في مدينة حيفا يوجه المؤمنين الذين كانوا يأتونه من كل أنحاء القضاء مركزا على التالي:
1. التنبيه إلى الخطر الصهيوني.
2. الدعوة إلى الجهاد ضد الاستعمار والتهيئة النفسية للثورة.
3. اختيار العناصر الطليعية للتنظيم.
وكان يردد في كل خطبة قول الله تبارك وتعالى:﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (سورة آل عمران: 169) و﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (سورة الصف: 4) وكان يتداول كثيرا في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا ديس شبر من أرض المسلمين فعلى المرأة أن تخرج بغير إذن زوجها، وعلى الرجل أن يخرج بغير إذن أبيه.
وكان الشيخ القسام رحمه الله يسكب كل مقولاته هذه في إطار الحث على مقاومة الاستعمار البريطاني والخطر الصهيوني.
خارج أطر المعادلات الدولية:
ثم تكلم عضو تجمع العلماء المسلمين الشيخ ماهر حمود فتناول الدور الذي لعبته المقاومة الإسلامية في لبنان في تكوين الحالة الجهادية في فلسطين، فالمقاومة الإسلامية استطاعت كسر هيبة الجيش اليهودي وأثبتت مقولة إمكانية انتصار مجموعات المجاهدين في حروب العصابات ضد الجيوش الكلاسيكية التي تتسلح بأسلحة متطورة وذلك بعد أن برز عقم الأنظمة العربية في تحقيق أي خطوة إيجابية على صعيد إنقاذ الشعب الفلسطيني بل برز على العكس من ذلك تآمر هذه الأنظمة على هذا الشعب الذي دفع الضريبة عن الأمة الإسلامية. لقد نجحت المقاومة الإسلامية بفضل جهادها وبفضل إصرارها على أن تتحرك خارج أطر المعادلات الدولية التي كانت تسعى لتقييد هذه المقاومة والحد من انبعاثاتها المتألقة فالمقاومة الإسلامية عندما رفضت قرار ٤٢٥ كانت تمنح العمل الجهادي ضد اليهود بعدا يطال الأمة الإسلامية بأكملها وأول ما يطال بتأثيره الشعب الفلسطيني الرازح تحت نير الاحتلال الصهيوني. لقد وقفت المقاومة الإسلامية هذا الموقف على الرغم من المصاعب اللبنانية التي تعترض مثل هذا الموقف الذي يعتبر متهورًا في ميزان العديد من القوى السياسية لقد أشعرت هذه المواقف الجذرية للمقاومة الإسلامية الشعب الفلسطيني في الداخل أنه ليس وحيدًا في الميدان بل إن له إخوة ومناصرين يدافعون عن دينهم بالدم والنار ويتطلعون إلى المسجد الأقصى بكل ما يرمز إليه هذا المسجد من معان إسلامية جامعة فكان لا بد لهذا النهج الإسلامي أن يسهم إسهامًا فاعلًا في تأجيج الحالة الجهادية لدى الشعب الفلسطيني في الداخل.
ثم تحدث الدكتور علي عمار المسؤول السياسي للجماعة الإسلامية في الجنوب فقال:
إن مقاومتنا الإسلامية تخترق بجذورها الأصيلة أعماق التاريخ البشري لتستمد وجهتها وأصالتها من تلك المواقف المشتركة التي اعتمدت من قبل جميع الرسل والأنبياء والأولياء وجميع المؤمنين والتي اتخذت لنفسها وجهة واحدة تستطيع أن تحددها بمقاومة الظلم والانحراف وحث الناس جميعا على الالتحاق بالركب الإيماني الهادف إلى إصلاح النفس وتحرير الأرض والإنسان من كل سلاسل الشر والطغيان، إن انتصار الشرور مجتمعة في بلادنا هو الذي حرك المؤمنين المخلصين ودفعهم إلى القيام بجولات شاملة قتالية رائدهم الإسلام والقرآن يوقظون الغافلين الطيبين القانطين يدعونهم إلى التوحيد وإلى التجمع في ظل راية الإسلام والانطلاق بعون الله ورعايته لمواجهة هذه الشرور المتعاونة ومقاومة كل أنواع الظلم التي لحقت بهم خلال الفترة الطويلة الماضية. فكانت مقاومة الإخوة المجاهدين في أفغانستان الذين ضربوا لنا المثل الصالح ولفتوا انتباهنا إلى القدرة التي يتمتع بها المسلمون اليوم لمواجهة أي اعتداء وللإمكانيات الهائلة التي يملكونها فتجعلهم قادرين على رفض أي شيء يحاول البعض من أولئك المغرورين فرضه طمعًا بالهيمنة ومصادرة البلاد والعباد ليكونوا في خدمة هذا البعض وتحت إمرته.
انتفاضة لا تعرف المساومة:
إنها انتفاضة إسلامية مباركة تمكنت اليوم بصدقها وإيمان أبطالها أن تربك الحثالة المتواطئة وأن تصمد كالطود العظيم الذي لن ينال من شموخه وكبريائه أي جهد تقدم به عواصف هوجاء أو حتى بلهاء، وهي ليست حركة مدجنة ولن تكون أبدا، وهي لم تبدأ لتنتهي عند حدود رسمت لها سلفا أو لتكون في خدمة هذا النظام أو ذاك أو لمصلحة توجهات منحرفة تسعى بكل الوسائل للاستفادة منها وتقديمها على أنها ورقة ضغط في المحافل الدولية وداخل البيوت السوداء أملا في الحصول على عدد من المكاسب الهزيلة.
إنها مقاومة مسلحة فليفهم هؤلاء، وليخجلوا من أطفالهم وعجائزهم، لا تعرف أي شكل من أشكال المساومة ولا تريد من مجلس الأمن أن ينصفها ولا لدول العالم أن تقف إلى جانبها، إذ متى كان هذا الأمر مهما بالنسبة إلينا؟؟ ليس من أهدافها أن تدفع بالإنجليز والألمان والطليان والفرنسيين إلى البكاء والشفقة والطلب إلى اليهود في فلسطين الكف عن أساليبهم الوحشية الهمجية في مواجهة الأطفال العزل إلا من قلوب مؤمنة جبارة وحجارة تفقأ العيون وتبلبل القلوب. ليس هذا هدفها، إنما من أهدافها الحقيقية مقاومة الاحتلال اليهودي المدعم من كل أولئك الذين يذرفون اليوم دموع التماسيح ومواجهة وجوده البغيض المدنس لأرض فلسطين الإسلامية.