; الملتقى التربوي- القناص (العدد 519) | مجلة المجتمع

العنوان الملتقى التربوي- القناص (العدد 519)

الكاتب جاسم المسلم

تاريخ النشر الثلاثاء 10-مارس-1981

مشاهدات 66

نشر في العدد 519

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 10-مارس-1981

     قال الله تعالى: ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (المطففين: 26).  وقال الحسن إذا رأيت الرجل ينافسك في الدنيا فنافسه في الآخرة، وقال وهيب بن الورد: إن استطعت ألا يسبقك إلى الله أحد فأفعل.

أيها الأخ:

     مازلت تتنفس من هذه الحياة فاحمد الله، فالسباق مع الزمن سريع وأنت في دوامة هذه الحياة لا تدري هل كتبت من أهل الجنة، أم من أهل النار، فما بالي أراك تدفع للعمل دفعًا، ولا تعمل إلا بانتظار أمر من موجهك، وكأن العمل لله مغلق ضيق الحدود، إنما ضاقت النفس فضاق معها الإنتاج، أين الهمة العالية؟ أين التسابق في الخيرات والمنافسة لنيل الحور العين مع أقرانك؟ أم أحببت الدعة والاسترخاء؟ ومن العمل ما هو بسيط وهين، وتلذ له نفسك، أما ما تكره فأنت عنه بعيد، كلا فإن جنة الخلد ليست هدرًا: ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله هي الجنة، وأرخص شيء لهذه السلعة هي روحك التي بين جنبيك.

     لقد عشنا والله مع إخوان لنا سبقونا، كانوا يقتنصون، ويتصيدون الأعمال تلو الأعمال، ونحن بينهم لا نجد إلا القليل من العمل؛ لأنهم سبقونا إليه، لقد كانوا مفاتيح خير مغاليق للشر، أقول: كان الرجل منهم ليسبقك في كل شيء في صلاته فتجده في الصف الأول ذاكرًا الله، كثير التنفل والعبادة، كما تجد أحدهم خدومًا لإخوانه، إن كان معهم لا يرضى إلا أن يكون أول من تلقي عليه تبعات الأعمال.

     فيا أيها الأخ الصادق، كن قناصًا للخير، تبحث عن الفرصة تلو الفرصة لتعمل وتزيد الرصيد فإنا ناصحوك فنقول:

1- كن ذاتي الاندفاع، ولا تنتظر أوامر موجهك لتعمل العمل ما لم يكن فيه إخلال للعمل الإسلامي.

2- لا تشعر بأن العمل الذي تؤديه ثقيل عليك، بل استشعر الإخلاص أولًا، ثم حلاوة الإيمان التي يلقيها الله في قلبك بعد أداء هذا العمل.

3- كن أسرع إخوانك لأداء أي عمل تكليفي.

4- كثيرًا ما تجد في بعض النشاطات الفتور في أداء الأعمال وعدم التسابق نحو أدائها؛ فالزم همة عالية يا أخي المؤمن فأنت داع، وهذه الصفة ليست بسيطة أو عادية؛ إنها صفة تدخلك الجنة، فاحرص على التسابق مع إخوانك، وإن استطعت أن لا يسبقك إلى الله أحد فأفعل.

5- أحيانًا -بدافع الخوف أو الإحراج أو الخجل- لا تجد الأخ يسارع إلى العمل والتسابق فيه، واترك الخجل والخوف والإحراج فالموقف هو موقف سباق للجنة.

     وأخيرًا نسأل الله لك التوفيق والعون، فاشحذ همتك، وكن كمن سبقك؛ تفلح في دنياك وأخراك.

حفظك الله بما يحفظ به عباده الصالحين.

هذه ظاهرة طيبة:

     باسمه جلت قدرته، وتعالت حكمته، أخط هذه الكلمات راجيًا منه -جل وعلا- أن ينفع بها من يقرأها ويطبقها، كما أسأله -مولاي القدير الحكيم- أن يلهمني الحكمة والإصابة فيما أكتبه، وما سأكتبه إن شاء الله، وتكون فيه الفائدة لإخواني، وإن كنت مخطئًا فأسأل الله ألا يحرمني أجر المخطئ باجتهادي.

     أما ما أرنو إليه وأقصده بعنوان هذه الكلمة ظاهرة طيبة، فهو أمر موجود عند الكثير أو القليل من الأفراد، وهو كثرة أسئلتهم في الدعوة وأمورها، ولماذا لا يكون كذا؟ ولماذا لا نعمل كذا؟، هل فلان من الدعاة؟ وغيرها من الأسئلة التي ربما يظن الأخ بأنها ظاهرة سيئة، وأن هذا الأخ صاحب هذه الأسئلة أخ متعب، لا يريد العمل، ولا يريد الدعوة، وأنه من الأفضل إبعاده حتى لا يعرف هذه الأمور وغيرها من التفكيرات التي يظن أنها خاطئة، وتراود الدعاة حول هذا النوع من الأفراد.

هذه هي القضية والمشكلة أما النظرة الصحيحة لها فهي:

     قال تعالى -في سورة الكهف في قصة موسى والخضر-: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا  قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا  وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ (الكهف: 66-69).

     أما ما حدث بعد ذلك من قصتهما ومن أسئلة موسى للخضر بعد أن ذكره في كل مرة بما قد اتفق معه في بداية رحلة التعلم والتربية، ولكن لم يستطع موسى أن يتمالك أسئلة وخواطر كانت تجيش في نفسه، وأدى إلى أن ينطق بها لسانه وهو يعلم بأنه مطلوب منه ألا يسأل، وكان يرد عليه الخضر بعد كل سؤال ﴿أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ (سورة الكهف: 75).

وأخيرًا قال له:

﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾ (الكهف: 78)، هذه القصة التي فيها الشفاء والفقه الواضح لمن في عهدته أخ سؤول لحاح في السؤال، إن الواجب رده بالحسنى، فإن كان زاد في السؤال يشرح له ما يناسب مستواه في العمل الإسلامي والعقلي، ثم يبرز له عمله من الناحية الشرعية.

     ثم نأتي لنشرح لماذا لا تكون هذه الظاهرة سيئة، إن السبب في ذلك يرجع إلى كون الإنسان بطبعه يريد معرفة ما يدور حوله، فكيف إذا كانت عهدًا وبيعة مع الله، وكان جزاء ذلك جنة عرضها كعرض السماء والأرض، أو نار وقودها الناس والحجارة، فإن الأخ عند سؤاله يريد أن يطمئن على أن قدمه ثابتة على الجادة السليمة، وأن منهجه الذي اتخذه هو الأفضل، وهو المطابق -إن شاء الله- لما جاء به الحبيب محمد -صلى الله عليه وسلم-، فكيف بالله عليك يقتنع من هذه الأمور إذا سكت عما يجول في باله، ولم يجد جوابًا له، وترك للشيطان المجال بأن ينخر في هذا القلب ويفسده ويشككه، ثم في النهاية ينتصر عليه؟ ألم تفاجأ مرة بإنسان ملتزم منفذ مطيع صبور قد ترك الدعوة، ورجع إلى جاهليته؟ أتعلم السبب في ذلك أن هذا الفرد لم يفعل ذلك إلا لسببين أحدهما النفاق والعياذ بالله، أما الآخر فهو سكوت عن أمور كان يريد لها جوابًا، ولكنه احتفظ بها في قلبه، ولم يفصح عنها، وصارت تتفاقم وتتكاثر، وهو يرغم نفسه على عدم الإفصاح عنها، وبأنه مقتنع بها وهكذا، وبعد مرور فترة صارت داءً، ثم ردة عن جادة الحق، أو أن يكون الأخ قد أفصح عنها، ولكنه لم يجد لها جوابًا شافيًا كافيًا من موجهه.

     فلهذا كانت المصارحة المحدودة -كما بينا- المناسبة لمستوى الداعي في مجاله التربوي والعقلي فيما يسأل عنه من أمور ضرورية للأخ حتى يستمر في الدعوة بهمة أكبر، بعد أن اتضحت له الجادة، وزالت عنه الشكوك الموهنة لعزيمته، المضيعة لعمله.

     وهناك تنبيه مهم وهو ضروري أن يتلمسه الأخ حتى لا يخلط النوعية التي بيناها من الإخوة بنوعية أخرى تريد السؤال والاستفسار بقصد إشباع غريزة جامحة في النفس، تريد أن تعرف كل شيء، وتضع يدها على كل شيء، وتلم بكل أمر ولو كان غير ضروري، إنما هو أمر يريد أن يعرفه وكفى، ويريد أن يكون شخصًا عالمًا بأسرار الدعاة فهو لا يسأل ردًا لشكوك تساوره، ولم يجد لها جوابًا، ولا يسأل ليطمئن على ثبات قدمه في الطريق، إن هذا النوع هو الذي لا نريده في صف الدعاة، نوع الفرد الجاهل بأصول دعوته ومتطلباتها والتزاماتها، الساعي إلى معرفة دقائقها وتقسيماتها فقط، إنه نوع صعب متعب غير مأمون النتيجة، غير واضح الغاية، عيوبه كثيرة، مشاكله أكثر من محاسنه، أسئلته أكثر من عمله، فهمه لا يوازي ما يقدمه للدعوة، هذا النوع من الأفراد لا يكاشف ولا يعطي شيئًا من الأسرار، بل العمل معه هو حثه على الهمة والتضحية والعمل والتقديم فإن أجدت معه، وإلا فإن مكانه مع المراقبين المشاهدين المستمعين، وليس مع الدعاة العاملين المجاهدين الصابرين.

     إن الإخوة الكثيري الأسئلة هم من النوع الأول الذي بيناه، وأما النوع الآخر فهو قليل ونادر، ولكنه موجود؛ فينبغي إذا فهم النوع الأول وإرشاده، فإنه صادق -إن شاء الله-، وأما الآخر فينبغي فهمه، وإبعاده؛ فإنه ذو نزوة.

     وفي الخاتمة أسأل الله العافية من كل عيب وسوء لي ولكل أخ صادق مخلص، كما أسأله -جل ثناؤه- أن يعافي الدعاة من النوع المتعب ذي النزوة، وأن يؤلف بين قلوبنا، ويديم ودنا، ويثبت على طريق الحق أقدامنا حتى نجتمع على طاعته، ونتعاهد على نصرة شريعته.

الرابط المختصر :