; الملياردير الذي يعترف به الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان الملياردير الذي يعترف به الإسلام

الكاتب عبد الحافظ عزيز

تاريخ النشر الثلاثاء 02-فبراير-1999

مشاهدات 83

نشر في العدد 1336

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 02-فبراير-1999

الأغنياء داخل المجتمعات هم محط نظر الكافة. لما تنتظره منهم هذه المجتمعات، من دور اجتماعي واقتصادي يعود عليها بالنفع، وتكون هناك مسؤوليات وواجبات على هؤلاء الأغنياء تختلف من مجتمع إلى آخر.

ومع سيطرة النظام الرأسمالي على معظم اقتصادات العالم، وجدنا أن رجال الأعمال هم اللامعون في مجال النشاط الاقتصادي، وقد كان وصف المليونير يطلق خلال السبعينيات وحتى منتصف الثمانينيات على كبار رجال الأعمال بحكم أن المليون كان حلمًا لدى الكثير من العاملين في مجال الاقتصاد لكن في وقتنا الحالي فقد أصبح المليون رقمًا عاديًا في مجال النشاط الاقتصادي، وأصبح الوصف الصحيح الذي يطلق على أصحاب الثروات الكبيرة من رجال الأعمال هو الملياردير.

هذا الملياردير في المجتمع المسلم عليه الكثير من الواجبات وهو ينطلق من خلال مفهومه للمال الذي بينه له الإسلام، حيث إنه مستخلف في هذا المال ومهمته عمارة الكون، وبذلك هو يتعبد إلى الله بما يمارسه من نشاط اقتصادي سليم.

وقد أحسن الدكتور السيد دسوقي - أستاذ هندسة الطيران بجامعة القاهرة-حين بين أن الحضارة الإسلامية تقوم على دعامات ثلاث هي: العطاء التقوى، التصديق بالحسني، انطلاقًا من قول المولى عز وجل: (فَأَمَّا مَن أَعطَىٰ وَٱتَّقَىٰ وَصَدَّقَ بِٱلحُسنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِليُسرَىٰ) (الليل: 5-7). 

والعطاء هنا بمعناه الواسع ليس صدقات تقدم في موسم بعينه ومناسبات محدودة، ولكنه عطاء يمتد قاصدًا أن يعم الخير، حتى يكون الدائم المتصدق قول الله عز وجل: (قُل إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلعَٰلَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُۥۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرتُ وَأَنَا أَوَّلُ ٱلمُسلِمِينَ)  (الأنعام: 162-163). 

والواقع أن كثيرًا من رجال الأعمال في مجتمعاتنا الإسلامية يتأثرون بما يحيونه من تعامل مع الغرب، فنجد أن سلوكهم وعاداتهم وتقاليدهم مستمدة من هذا النظام الرأسمالي، وإن كان لبعضهم بعض أعمال الخير التي تتمثل في بعض التبرعات للمؤسسات والأفراد، ولكن ينقصهم أن يكون لهم دور اجتماعي رائد من خلال عمل مؤسسي يقوم بدور التكافل الاجتماعي الذي تميزت به من قبل مجتمعاتنا الإسلامية حيث كان الأغنياء فيه هم دعاة الخير، إذ أوقفوا الكثير من ثرواتهم لصالح المدارس والجامعات والمستشفيات ولازالت هذه الأوقاف تؤدي دورها وقد يكون التساؤل هل يكون في المجتمع الإسلامي ملياردير؟

نعم يكون ذلك إذا ما توافرت الشروط الآتية:

  • إذا كان لا يكنز ماله أو يحبسه عن التداول والإنتاج، أي أنه مطالب باستثمار ماله لصالح المجتمع، وتتضح أهمية هذا الشرط إذا نظرنا إلى واقع البلاد الإسلامية التي يصنف معظمها إن لم تكن كلها ضمن البلاد النامية التي تعاني من الكثير من المشكلات الاقتصادية، وعلى رأسها البطالة وانخفاض مستوى الدخول والمديونية الخارجية.. إلخ.

  • ألا يتصرف في ماله على غير مقتضى العقل، أي أنه مطالب بالرشد في الإنفاق.

  • أن يبتعد عن عيشة الترف ولا مانع من العيش داخل دائرة المباح من الحلال على ألا يصل إلى درجة السرف والترف التي ذمها الله عز وجل في قوله (وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُترِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجرِمِينَ)  (هود:116)

وقد علمنا التاريخ أن الشعوب حين تبدأ حياة الشرف والمغالاة فإن ذلك يكون إيذانًا بغروب شمسها وأفول نجمها مصداقًا لقوله تعالى: (وَإِذَا أَرَدنَا أَن نُّهلِكَ قَريَةً أَمَرنَا مُترَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيهَا ٱلقَولُ فَدَمَّرنَٰهَا تَدمِيرا) (الإسراء:16).

وهو ما عبر عنه الرسول -صلى الله عليه وسلم- «فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم» (صحيح البخاري)

أن ينفق دائمًا في سبيل الله، إذ لا يكتفي الإسلام بفريضة الزكاة، بل يطالب القادرين أيضًا بفريضة الإنفاق في سبيل الله يقول سبحانه: (وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلقُواْ بِأَيدِيكُم إِلَى ٱلتَّهلُكَةِ وَأَحسِنُواْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلمُحسِنِينَ) (البقرة:195). ويقول أيضا: (وَلَا يَحسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبخَلُونَ بِمَا ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضلِهِۦ هُوَ خَيرا لَّهُم بَل هُوَ شَرّ لَّهُم سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِۦ يَومَ ٱلقِيَٰمَةِ)  (آل عمران :۱۸۰)، أي أنه مطالب دائمًا بالإنفاق العام بقدر ما وسع الله عليه، وهو يباشر ذلك تلقائيًا بدافع من العقيدة وابتغاء مرضاة الله.

لقد كان المسلمون الأوائل يتسابقون في البحث عن كل محتاج لكفالته ابتغاء وجه الله بل قد كان أثرياء المسلمين يسارعون في القيام بالتزامات الدولة ذاتها، فهذا عثمان بن عفان يقوم بتجهيز جيش العسرة، وهذا عبد الرحمن بن عوف يدفع ثروته لإعتاق الرقيق وسد حاجة كل محتاج ولم تكن المسارعة إلى البذل في سبيل الخير من شأن المكثرين وحدهم، بل كان ذلك أيضًا من المقلين حتى نزل فيهم قول الحق تبارك وتعالي:

(وَيُؤثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِم وَلَو كَانَ بِهِم خَصَاصَة وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفسِهِۦ فَأُوْلَٰئِكَ هُمُ ٱلمُفلِحُونَ) (الحشر: 9)

الرابط المختصر :