العنوان المنافقون بين سلمان رشدي وأحمد ديدات
الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري
تاريخ النشر الثلاثاء 28-مارس-1989
مشاهدات 59
نشر في العدد 910
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 28-مارس-1989
- الدول الديمقراطية تصادر الكتب بحجة أن نشرها يضر بالمصلحة العامة
- لماذا يحرم أي شيء يمس اليهود، ولا يحرم ما يمس المسلمين الذين يحترمون حرية التعبير
لو أن قضية سلمان رشدي مجرد ارتداد عن الإسلام لهان الأمر، فالدين ارتدوا عن الإسلام كثير، وأقرب مثال على ذلك أبناء المسلمين الذين اعتنقوا الشيوعية، لا ريب أنهم مرتدون عن الإسلام، والإسلام غني عن المرتدين، ولا يهم المسلمين في شيء ارتداد سلمان رشدي، فإلى جهنم وبئس المصير، ولكن القضية أكبر من ذلك؛ القضية في من يقفون وراء سلمان رشدي وكتابه آيات شيطانية، قضية الحاقدين على الإسلام، الذين ساءهم انتشار الإسلام في الغرب، وساءهم أن يسعى المسلمون في بريطانيا إلى إثبات وجودهم، والاعتراف بحقوقهم، وفي المحافظة على تربية أولادهم تربية إسلامية، وعدم التفريط في دينهم، والإصرار على الدعوة إلى الإسلام، أراد الحاقدون الذين لا زالوا يحملون الأحقاد الصليبية، والذين تحركهم الصهيونية ألا يسمحوا للإسلام أن ينتشر في الغرب، وأن يمارسوا اضطهاد المسلمين بالتنفير من الإسلام، وإلحاق الأذى بالمسلمين.
وكما هي عادة الحاقدين في كل زمان ومكان، وعادة المستعمرين من الصليبيين أن يبحثوا عن شخصيات عندها الاستعداد للقيام بهذا الدور، بملاحظة صفات معينة في هذه الشخصيات فتكون أولًا من جنس الجهة المستهدفة، ومن المعجبين بالحياة العربية، والذين عندهم شعور بالنقص، وتطلع إلى الشهرة، وقد وجدت هذه المرة الشخصية المناسبة للقيام بهذا الدور، وهي شخصية سلمان رشدي، الدي ينتمي إلى الجالية المسلمة في بريطانيا، وهي الجهة المستهدفة، وانطبقت عليه الصفات المطلوبة؛ فقد تربى تربية غربية؛ إذ التحق بمدرسة رجبي الخاصة ببريطانيا التي تضم أبناء الطبقة الأرستقراطية وسنه لا يتجاوز أربعة عشر عامًا، وفي عام ١٩6٥م التحق بجامعة كمبريدج وتخرج منها فاندمج في المجتمع الغربي، ثم تزوج من إنجليزية وطلقت منه، فتزوج من كاتبة أمريكية تدعى ماريان ويجنيز، وألف قصة أبناء منتصف الليل التي نشرت سنة ١٩٨١م وفازت بجائزة بوكر الأدبية.
إذًا هو قد انفصل عن مجتمعه الأصلي وأصبح في غربة فكرية، وإذا كان قد اندمج في المجتمع الغربي والفكر الغربي، وأصبحت اهتماماته كلها غربية، ولم تعد له علاقة بدينه وبأهله، وعاداته وتقاليده، فما الذي يحمله على إصدار رواية بعنوان: أشعار شيطانية يخاطب بها الغرب، ويتهجم فيها على الإسلام، ويسب فيها نبي الإسلام، ويطعن في زوجات الرسول والصحابة؟ وقد رشحت هذه الرواية لجائزة أدبية أخرى من مؤسسة بريطانية، أليس ذلك تنفيذًا لتوجيهات الحاقدين من الصليبيين والصهيونيين؟ وما معنى أن تقوم مؤسسات نشر كبيرة بتبني هذه الرواية ونشرها في أنحاء الغرب، وتبنتها مؤسسات في أمريكا، حيث نفوذ الصهيونية العالمية، ألا يجعلنا كل ذلك نجزم أن المقصود هو إهانة المسلمين، وتشويه الإسلام حتى لا يفكر أحد من الغربيين في الدخول فيه، ولا ينصفون المسلمين في مطالبهم، لأنهم بذلك يمكنهم أن يقولوا: «وشهد شاهد من أهلها».
إن الآلام التي يسببها هذا الكتاب للمسلمين في الغرب لهي آلام مبرحة، لن يشعر بها إلا أولئك الذين يعايشون الغربيين، ويواجهون أحقاد العنصريين من صهيونيين وصليبيين، ولذلك كانت ردود فعلهم عنيفة حيث أقدم بعضهم على حرق الكتاب، وأقاموا مظاهرات احتجاجية لأنهم شعروا بالدوافع الخفية وراء إصدار هذا الكتاب، وما يسببه لهم من آلام، وتحت ستار حرية الرأي والفكر والديمقراطية صدر هذا الكتاب الشيطاني، وروج له، ودعوا سلمان رشدي لزيارة أمريكا ليقوم بترويج كتابه إمعانًا في الإساءة.
إن الأشخاص الذين يخرجون من صفوف المسلمين يحملون معاولهم وخناجرهم ليطعنوا المسلمين من الخلف، ويهدمون حصونهم بحجة حرية الفكر والإبداع، إنما هم أشخاص قد باعوا أنفسهم للشيطان طمعًا في المال والشهرة على حساب الآخرين، إنهم مرتزقة منافقون، ولو كان عندهم فكر وإبداع لساهموا في تقدم شعوبهم عن طريق العلم والمخترعات، ولقاموا بالدفاع عن حقوق أهلهم المهضومة، وصدوا عنهم غارات الطامعين من المستعمرين والصهيونيين، ولكنهم تجردوا عن القيم والأخلاق.
لقد جاءت خطورة هؤلاء من حيث إنهم عملاء يمثلون الطابور الخامس في الجبهة الإسلامية، ويثبطون الهمم، وينخرون كالسوس الذي ينخر في الجذور والساق، يزعمون أنهم مفكرون وهم في الحقيقة ضالون مضلون، ومرتزقة دجالون وكذبة مشعوذون.
إن الدول الديمقراطية كبريطانيا كثيرًا ما صادرت كتبًا بحجة أن نشرها يضر بالمصلحة العامة، والقانون البريطاني يحمي المذهب الإنجليكاني من التجديف والقذف، وقد طالب المسلمون البريطانيون أن يعدل هذا القانون ليشمل حماية الإسلام، ولكن لم يستجب لهم أحد، بينما حموا اليهود، فقد حرم الحديث عن أي شيء يمس اليهود، إلى درجة مصادرة الأبحاث العلمية المتعلقة بتاريخ الحرب العالمية الثانية، وعلى حد قول المسلم الإنجليزي إبراهيم هوت: لماذا يمنع المتحدثون باسم الشين فين الأيرلنديون من الظهور في وسائل الإعلام؟ ولماذا يحرم الحديث عن أي شيء يمس اليهود ولا يحرم ما يمس المسلمين الذين يحترمون حرية التعبير، ويميزون بين إباحة التهجم على العقائد والمقدسات وبين حرية التعبير؟
وزيادة في الاستخفاف بالمسلمين أنه عندما احتج المسلمون قبل أن ينزل الكتاب في الأسواق بعد الإعلان عنه، فطالبوا الشركة بالامتناع عن نشره قالت لهم الشركة: إنها مع اعتذارها عن أي إساءة يسببها الكتاب للمسلمين فإنها تصر على نشره، فما فائدة الاعتذار إذًا؟! أليست هذه سخرية؟!
إن الذين قرءوا الكتاب قالوا: إن مضمونه ازدراء بشع بالإسلام كدين سماوي، وبالرسول صلى الله عليه وسلم وأزواجه وأصحابه، فهل في استطاعة مسلم أن يسكت على هذا؟ والغريب أن نرى بعض الصحفيين العرب بدلًا من أن يستنكروا صدور الكتاب استنكروا المظاهرة التي قامت في بريطانيا ضد نشر الكتاب بحجة أنها ستتسبب في نشر الكتاب، ولو أن الكاتب بجانب ذلك استنكر الكتاب لقلنا: إنه حسن النية، ولكنه يدين المظاهرة ولا يدين الكتاب، ومن متابعة ما يكتبه هذا الكاتب تتضح سوء نيته، فقد سبق أن هاجم الطيارين المصريين الذين احتجوا على تقديم الخمور على الخطوط الجوية المصرية، وطالب باستمرار تقديم الخمور حتى يقال: إننا متحضرون، وخير لهذا الكاتب وأمثاله أن يكفوا عن نصائحهم، أو مثل أولئك الكتاب الذين هاجموا الداعية الإسلامي أحمد ديدات بحجة أن محاضراته ومناظراته تثير الفتنة الطائفية، فمثل هؤلاء في الواقع يعارضون كل من يدعو إلى الإسلام، إما في قالب الدفاع عن الوحدة الوطنية، أو الدفاع عن حرية الفكر، وهم يتناقضون مع أنفسهم عندما يكون الهجوم على الإسلام يسمون ذلك حرية فكر؛ ولكن عندما يتحدث الدعاة عن الإسلام، ويردون عنه الهجوم والشبهات يقولون: إن في ذلك إضرارًا بالوحدة الوطنية، أو إثارة للفتنة، فإذا قام الداعية أحمد ديدات وبين التحريف الذي أدخله اليهود والنصارى على التوراة والإنجيل، وأعلن أنه يجادلهم بالتي هي أحسن كما أمر القرآن، مؤمنًا بكتب الله كلها التوراة والإنجيل والزبور والقرآن، ومعظمًا ومحترمًا الأنبياء جميعهم يعقوب ويوسف وداود وسليمان وموسى وعيسى ومحمد وكل الأنبياء والمرسلين، يقال له: إنك تثير فتنة طائفية!
﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص: 5) يريدون أن يمنعوا المسلمين أن يفسروا قرآنهم، وأن يدعوا الناس إلى دينهم، وألا تطلق الحرية إلا للكتاب والمحاضرين الذين تخلوا عن الدين، وكفروا بالله، ويعملون على زعزعة عقائد المسلمين. وستجد الذين يعارضون أحمد ديدات من الكتاب العرب هم الذين يؤيدون سلمان رشدي، ولا يشعرون بتناقضهم حيث يدعون أنهم مع حرية الفكر؛ فحرية الفكر عندهم هي حرية الهجوم على الإسلام فقط.
أما نحن المسلمين فلا تزعجنا حرية المناقشة؛ لأن القرآن علمنا احترام الحوار الهادف؛ قال تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (سبأ: 24) وأن نعتمد على العلم والبرهان لا الظن ولا التضليل والتزييف والكذب والبهتان؛ قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ (الأنعام: 148) ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: 111) ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ (الحج: 8).
ولكن ماذا نقول عن الصحفيين العرب الذين يطالبون بمنع محاضرات أحمد ديدات، والصحفيين الذين يطالبون بترجمة أعمال سلمان رشدي إلى العربية ومنها آيات شيطانية؟ بماذا نصف هؤلاء وهؤلاء؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل