العنوان المنطقة العربية حقل تجارب للمخابرات العالمية
الكاتب مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية
تاريخ النشر الثلاثاء 05-يناير-1999
مشاهدات 61
نشر في العدد 1333
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 05-يناير-1999
يبدو أن منطقة الشرق الأوسط قد أصبحت حقلًا لاختبار العديد من المؤسسات الأمنية في العالم، وها هي وكالة المخابرات الأمريكية الـ «سي. آي. إيه»، حينما أرادت أن تخرج من أزمتها الأخيرة بسبب عملياتها الفاشلة، بدأت تبحث لها عن اتفاقات السلام بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، حتى تستطيع أن تغير من صورتها التي شوهت أمام الرأي العام الأمريكي، بل إنها بدأت تروج لتوظيف أشخاص من المنطقة للعمل بها حتى تستطيع مواجهة الظواهر الجديدة التي لم تكن في حسبانها مثل الإرهاب وانتشاره في جميع مناطق العالم، والذي يحتاج إلى أشخاص يفهمون لغته، ودوافعه ويتوقعون تصرفاته المستقبلية.
ولا يتوقف الأمر عند حد الـ «سي. آي. إيه» التي تريد حل مشكلاتها على حساب أمن منطقة الشرق الأوسط، بل إن جهاز المخابرات البريطاني الذي يعاني هو الآخر من تراجع في أدائه بعد أن بدأ عملاؤه السابقون يكشفون عن أسرار عملياته الفاشلة والناجحة على حد سواء، وبعدما واجهته ظاهرة الإرهاب على أراضيه متمثلة في الجماعات المتطرفة التي منحتها بريطانيا حق اللجوء السياسي، فبدأت تسبب صداعًا في رأس أجهزة الأمن البريطانية، شرعت أيضًا تبحث عن أشخاص من منطقة الشرق الأوسط يستطيعون أن يضخوا الدماء في جسدها الذي أصيب بعطب كبير.
ويدفع ذلك إلى التساؤل عن السبب الذي أصبحت معه منطقة الشرق الأوسط بالذات حقل اختبار للأجهزة الأمنية في العالم، وما مؤشرات دخول هذه الأجهزة المنطقة الشرق الأوسط، وكيف تتصرف المنطقة إزاء هذه المحاولات الساعية للنيل من أمنها واستقرارها؟
في البحث عن السبب الذي يجعل الشرق الأوسط منطقة جذب لكل القوى العالمية والإقليمية يطفو على السطح حجم المصالح الأمنية والإستراتيجية الموجودة في المنطقة التي يمكن الإشارة إلى أهمها في الآتي:
الأهمية الجيوإستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط بالنسبة لكل القوي العالمية، ولا سيما أنها تمتلك موقعًا جغرافيًا يتوسط قارات العالم، بالإضافة إلى أنها معبر للتجارة العالمية، كما تحتوي على أكثر من نصف الاحتياطي العالمي للبترول، بما يعني أن الحفاظ على هذا المصدر أمر مهم للغاية بالنسبة للعالم الغربي، أيضًا فإن المنطقة بما تمتلكه من قوة بشرية هائلة تعد سوقًا كبيرة يمكن فيها تصريف المنتجات الغربية بصفة عامة، وكذلك أيضًا تصريف القيم الثقافية الغربية والأمريكية بها، حتى تشكل المنظومة الغربية قوة عالمية.
تعد منطقة الشرق الأوسط من أكثر المناطق التي حدثت بها نزاعات عسكرية، ولا سيما في ظل وجود إسرائيل والصراع العربي الإسرائيلي بأبعاده الشمولية، خلافًا للمشكلات الأمنية العديدة التي جعلت المنطقة سوقًا كبيرة للسلاح الغربي بكل أنواعه المختلفة.
ارتباط المنطقة بظاهرة الإرهاب منذ العقد الماضي، مما جعل العالم يتابع كل صغيرة وكبيرة بها، لا سيما أن هذا الإرهاب كان في بعض عملياته موجهًا لمصالح دول خارج المنطقة.
على خلفية ما سبق بدأ العديد من المؤسسات الأمنية يعطي منطقة الشرق الأوسط أهمية خاصة؛ حيث شهدت في الماضي اختبارًا للعديد من عملياتها الاستخباراتية، سواء تهريب سلاح أو قتل معارضين، أو تمويل جماعات إرهابية.
هذا ويمكن استعراض الشكل الجديد لدخول الأجهزة الأمنية لمنطقة الشرق الأوسط فيما يلي:
أولًا- بعد أن تزايد حجم العمليات الفاشلة التي قامت بها الـ«سي. آي. إيه» في الآونة الأخيرة خاصة عدم قدرتها على التنبؤ بتفجير السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام، وفشلها في القبض على بن لادن الذي تتهمه بالتورط في هذا الحادث، بدأ الجهاز في إعادة تقويم هيكله وعملياته، فاكتشف القائمون عليه أنهم لا يملكون كوادر بشرية قادرة على فهم ظاهرة الإرهاب التي بدأت تنتشر في جميع مناطق العالم وبخاصة في منطقة الشرق الأوسط، ومن هنا بدأت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في إطلاق حملة التجنيد مثقفين ومحللين في المنطقة، وذلك لحل أزمتها تجاه ظاهرة الإرهاب، ويؤكد البعض أن لجوء الـ«سي. آي. إيه» إلى مثل هذا الأمر يعكس عدم قدرتها على اختراق أي من الجماعات الإرهابية أو التنبؤ بما تخطط له من عملیات مستقبلية، وقد امتلأت الإعلانات المخابراتية عن وظائف لأبناء منطقة الشرق الأوسط بمزايا عديدة كالإقامة الدائمة، والرواتب المغرية، ومنح الجنسية.
وقد طلب الإعلان الذي نشر على الإنترنت من العميل الذي يريد العمل بالجهاز الإجابة عن عشرات الأسئلة، وملء عشرات الطلبات عن اسمه، ومستواه التعليمي وعمله السابق والحالي، واهتماماته السياسية والثقافية، ومعتقداته ووجه التزامه بها.
ثانيًا- الاستخبارات البريطانية والمنطقة: في محاولة من جهاز الاستخبارات البريطاني لفهم ظاهرة الإرهاب لجأ أيضًا إلى المنطقة؛ إذ أعلنت صحيفة «الجارديان» في بداية الشهر الماضي أنه مطلوب عملاء من العرب والإيرانيين والأتراك والهنود والباكستانيين، وأكد الإعلان وجود فرص عمل مغرية في وحدة اللغات والترجمة وكتابة الوثائق السرية وإعدادها في لغة سهلة مبسطة، واشترط في الراغبين للعمل كجواسيس الإلمام بأهم الأحداث في دولتهم، والقدرة على استخلاص معلومات المخابرات، والتعليق عليها، والاهتمام بتفاصيل الأحداث، مؤكدًا منح الذين يتم اختبارهم عقود عمل دائمة ومرتبات تبدأ من (١٦) ألف جنيه إسترليني.
ثالثًا- الدور الجديد للـ «سي. آي. إيه» في اتفاقات واي بلانتيشن:
إذ اعتبر الجهاز طرفًا أساسيًا في بحث القضايا الأمنية المتعلقة بتنفيذ المرحلة الثانية من إعادة الانتشار الإسرائيلي في الضفة الغربية، وبالفعل أرسل الجهاز خبراء التدريب أفراد جهاز الأمن الوقائي الفلسطيني، والاستخبارات الفلسطينية.
ويؤشر هذا التطور على أن هذا الدور العلني لـ«سي. آي. إيه» في الشرق الأوسط سوف يضمن لها التواجد بشكل شرعي في المنطقة لمراقبة أي أخطار على المصالح الأمريكية.
ويبدو أن الأقمار الصناعية والتكنولوجيا قد فشلت في التوصل لما يمكن أن تقوم به الجماعات الإرهابية تجاه المصالح الغربية، ولذلك بدأت المؤسسات الأمنية الغربية في الاعتماد على الإنسان الذي يعيش في هذه المنطقة لدراسة بعض الجماعات المهددة لمصالحها، وهذا يؤكد أن الإنسان سيظل هو محور العمل السري في أي مكان في العالم.
إن لجوء الأجهزة الاستخبارية إلى منطقة الشرق الأوسط لاختبار عملياتها وأدوارها يؤكد مدى أهمية هذه المنطقة برغم المتغيرات العالمية التي أشار البعض إلى أنها قد تقلل من أهميتها وبخاصة اكتشاف البترول في مناطق أخرى من العالم، لا سيما نفط بحر قزوين.
كذلك فإن استعانة هذه الأجهزة بجنسيات عربية يستهدف بالأساس تحليل الشخصية العربية التي تعيش فيها، وعاداتها، وتقاليدها، وسلوكها حتى تبني سياساتها وإستراتيجياتها تجاهها على هذا الأساس.
ومما سبق يتضح أنه من الضروري على القوى الفاعلة داخل منطقة الشرق الأوسط أن تتحرك وتتخذ من الخطط والسياسات ما يحول دون تحولها إلى مكان لحقل تجارب أمنية قد تطول استقرارها، وأمنها القومي.
مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية - لندن
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل