العنوان الأمين العام لحركة الاتجاه الإسلامي في تونس: المنع القانوني لحركتنا سيؤدي إلى ظهور المجموعات المتطرفة
الكاتب عبدالفتاح مورو
تاريخ النشر الثلاثاء 15-يناير-1985
مشاهدات 57
نشر في العدد 700
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 15-يناير-1985
- نحن متفطنون إلى الأطراف التي تمارس الدس الرخيص ضد حركتنا، وهي محاولة لتهميش قضايا البلاد السياسية.
- السلطة تخشى الحركة لشعبيتها.
- لن نتنازل عن حقنا في الإعلام.
- في لقائي بمزالي عملت على إزالة شبهات علقت بالحركة.
- تقاطرت علينا الدعوات لطلب العفو.. ورفضناها بشدة.
- قال لي الوزير الأول إنه لم يكن وراء ضرب الحركة سنة ٨١.
هذا هو أول تصريح سياسي يدلي به الأستاذ عبد الفتاح مورو بعد رفع الإقامة الجبرية عنه فقد حوكم سنة ٨١ مع قيادة حركة الاتجاه الإسلامي وصدر ضده حكم بالسجن لمدة عشر سنوات، قضى منها عامين بين سجني 9 أبريل بالعاصمة وبرج الرومي ببنزرت ثم تحول إلى الإقامة الجبرية عندما اشتد به المرض وأشرف على الموت.
هو من مواليد سنة ١٩٤٨ بتونس العاصمة حصل على الإجازة من كلية الحقوق سنة ١٩٧٠ وتولي مهنة القضاء حتى سنة ۱۹۷۷ ثم التحق بالمحاماة.
التونسيون ينادونه «یا شیخ» فقد عرفوه واعظًا في جمعية المحافظة على القرآن الكريم ومدرسًا بمسجدي «سيدي يوسف» و«أبي محمد» بقلب العاصمة، وله علاقات اجتماعية واسعة جِدًّا ومما زاد في شعبية الرجل ما عرف به كلامه من وضوح لا يخلو من نكتة هادفة.
مكتبه في نهج الكومسيون لا يخلو من الزائرين أبدًا، من حرفاء نوبوه في قضاياهم لدى المحاكم وأصدقاء جاءوا يستشيرونه في بعض قضاياهم وإخوان له في الدعوة والحركة جاءوا يطلبون رأيه في بعض المسائل ورجال صحافة وسياسة أتوا ليتحاوروا معه أو يبادلونه الرأي أنه الرجل الثاني في حركة الاتجاه الإسلامي بتونس.
وفي مكتبة المذكور كان لنا معه لقاء شائق ودار بيننا الحوار التالي:
- الاستعداد لدخول الساحة السياسية:
- أستاذ عبد الفتاح، بعد أن تم الإفراج عن قيادات حركة الاتجاه الإسلامي المسجونة في شهر أغسطس الماضي، بقيت الحركة صامتة لفترة، بل إنها إلى اليوم لم تسجل حضورها الرسمي بما لها من ثقل في الساحة السياسية، فما أسباب هذا السكوت؟
- إن سكوتنا يعود إلى عدة عوامل، أولًا أن حركة الاتجاه الإسلامي ضربت ضربة قاسية من طرف السلطة الحاكمة فقد فرض على قيادات الحركة أن تتغيب عن الساحة مدة ثلاث سنوات، وفي غياب هذه القيادات التي كان بعضها في المهجر وبعضها في السجن وبعضها الآخر مختفيًا طرأت مجموعة من الأحداث في البلاد. فكان من المفروض على هذه القيادات وهي خارجة من المحنة أن تقيم واقع البلاد بالاطلاع على ما جد في غيابها وتحرص على تقريب وجهات النظر وتعميقها، وهذا أمر ليس بالهين خصوصًا وأن حركتنا حركة جادة تريد أن يكون عملها مسايرًا لتطورات الواقع ومنصبًا على واقع تريد تغييره، وهذا ما لا يتسنى إلا بعد تشاور ودراسة وتفحص. وقد أفضت بنا هذه الدراسة إلى مجموعة من المعطيات بدأنا الآن نستغلها لندخل الساحة السياسية. هذا جانب، الجانب الثاني هو أن القيادات التي كانت متغيبة لا بد لها من وقت تستريح فيه أنفاسها وتسترجع مواقعها العائلية والمهنية، فقد كان لا بد من تسوية مجموعة من القضايا حتى يتفرغ الخارجون من المحنة إلى القيام بواجباتهم السياسية الوطنية.
- اللقاء مع مزالي:
- من قبل أن يصدر قرار الإفراج عنكم، كان لكم لقاء مع السيد الوزير الأول محمد مزالي، فمن الذي طلب اللقاء، أنتم أم الحكومة؟ وما هو الهدف منه، وماذا تم فيه بالضبط؟
- كان هذا اللقاء عقب الرسالة التي توجهت بها إلى رئيس الجمهورية والتي شرحت فيها مجموعة من القضايا تتمثل أساسًا في المبادئ التي تتبناها حركة الاتجاه الإسلامي في عملها السياسي. فقد رأيتها مناسبة لأذكر المسؤول الأول في البلاد بالقضية حتى تكون واضحة، عقب هذه الرسالة التي قرأت على رئيس الجمهورية جاءتني دعوة لزيارة الوزير الأول والتي كانت بتكليف من رئيس الجمهورية رغبة في الاطلاع عن كثب على رأي أحد قياديي حركة الاتجاه الإسلامي. في هذا اللقاء عملنا على إزالة الشبهات التي علقت بالحركة، هذه الحركة التي لم يتيسر لها في أي فترة أن تتصل بأي مسؤول سياسي في البلاد، فلأول مرة يسمح لنا الاتصال بمسؤول في البلاد بلغنا له مجموعة من المعطيات للتعريف بحركة الاتجاه الإسلامي تتمثل في:
- أن هذه الحركة حركة سياسية تستلهم مبادئها وبرامجها من الإسلام الذي هو دين كل التونسيين.
- وأن الحركة عندما تستلهم مبادئها وبرامجها من الإسلام فهي لا تنفي عن غيرها الصفة الإسلامية وتعتبر أن الإسلام حق مشاع لكل التونسيين يحق لهم أن يتعاملوا مع الإسلام تعاملًا رشيدًا وأن يستلهموا منه برامجهم السياسية. وبهذا الاعتبار فإن حركة الاتجاه الإسلامي قد التزمت طريق الإقناع في التعامل السياسي بعيدًا عن العنف الذي أريد في كثير من المرات أن يلصق بها باطلًا، فقد كانت الحركة محل تعنيف من غيرها، ولا أدل على ذلك من أن الحركة قد وقع الزج بها في السجن، وصدرت على عناصرها أحكام تتراوح بين سنة وعشر سنوات سجن بمجرد تقديم طلب للحصول على رخصة لتكوين حزب فلم يصدر من الحركة ما من شأنه أن يعكر صفو النظام العام في البلاد. وألفتنا النظر أيضًا أن الحركة تعمل في إطار تونسي بحت وليس لها أي صلة بأي طرف خارجي فهي لا تتلقى أوامر من الخارج ولا معونات مادية، فهي منقطعة الصلة بالأطراف الخارجية. هذه بصورة عامة عن القضايا التي ركزنا عليها الحديث في ذلك اللقاء.
مقابل ذلك أراد السيد الوزير الأول أن يوضح لنا أنه لم يكن وراء حزب حركة الاتجاه الإسلامي وإنما هي مجموعة من الظروف الداخلية والعالمية فرضت تلك المحاكمة وقد سعينا في ذلك اللقاء من جهتنا إلى التذكير بمطالبنا وباعتبارنا طرفًا سياسيًا يحق لنا أن نتواجد بصفة قانونية باعتبارنا متواجدين بصورة واقعية. نريد أن تكون لنا تأشيرة تمكننا من العمل على الساحة السياسية. هذا ما تناولناه في ذلك اللقاء. وقد سئلنا أيضًا عن علاقتنا بثورة إيران وهي نقطة حساسة جدًا بالنسبة للسلطة في بلادنا خصوصًا ونحن متهمون بأننا امتداد لتلك الثورة، فقلنا إن ثورة إيران تحمل الصفة الإسلامية وبذلك فإننا لا نملك أن ندعو للعاملين للإسلام في أي مكان كانوا إلا بالنصر والتمكين والتأييد، لكن لثورة إيران ظروفًا ذاتية حتمت عليها أن تسير المسار الذي سارته، ونحن في بلادنا لنا ظروف معينة هي بعيدة تمامًا عما نجد في إيران ولذلك فإن ما يربطنا بثورة إيران هي التسمية الإسلامية، فنحن حركة إسلامية وهي ثورة إسلامية. وليس بيننا الآن أي نوع من العلاقات، وذكرنا أيضًا بموقفنا من مجلة الأحوال الشخصية التي يعتبرها النظام عنصرًا أساسيًا لتونس الحديثة، فقلنا إننا نطالب أن تعتبر هذه المجلة عملًا بشریًا فرضته ظروف معينة، يحق لنا بعد خمس وعشرين سنة من تطبيقها أن ندعو إلى مراجعتها بما يتلاءم والروح الإسلامية وواقع الشعب التونسي المسلم. هذا هو ما جرى في ذلك اللقاء.
- حرمنا أبسط الحقوق:
- هل مورست عليكم ضغوط بطريقة أو بأخرى عندما كنتم في السجن لطلب العفو؟
- ابتسم الأستاذ مورو، ثم قال: طوال مدة السجن كانت تتقاطر علينا من اليمين واليسار دعوات غير رسمية من بعض الأطراف، لكنها موجهة، تدعونا إلى تقديم طلب في العفو لتسهيل خروجنا من السجن وذلك بأن تقدم ورقة نطلب فيها العفو وفي ذلك القرار ضمني بأننا مخطئون. وقد قابلنا هذه الدعوات بالرفض لأننا لم نجرم في حق أحد، بل كنا ضحية سياسة خاطئة زجت بنا في السجن وبذلك كنا لا نتحمل مثل تلك العروض. لقد وقع الاعتداء علينا وحرمنا من أبسط حقوقنا ولذلك فلم يقدم أي فرد من الإسلاميين طلبًا للعفو الذي حدث هو أن بعضًا منا تدهورت وضعيتهم الصحية السجن من بينهم أنا، فتم نقلي إلى الإقامة الجبرية مدة سنة.
- وكيف حال صحتك اليوم بعد الخروج من السجن؟
- وضعيتي الآن هي وضعية من عانى في غياهب السجن، في الرطوبة والظلمة وحالات الشدة بعيدًا عن حريتي وأسرتي وإخواني من أجل عقيدة أحملها وأريد أن أناضل من أجلها. إن وضعية السجن سيئة جدًا من جميع النواحي رغم ما يقال عن تحسينات السجون. لكن السجن يبقى هو السجن ويحس النزيل هناك ببشاعة المظالم ولا إنسانية لبعض الأحكام. فكل الإسلاميين الذين سجنوا هناك خرجوا من السجن من عاهات وأمراض وأتعاب وكنا ساحة خصبة لأمراض السكر والقلب والروماتيزم والأعصاب ولم يسلم من ذلك أحد رغم أن معدل أعمارنا كان ٢٨ سنة تقريبًا، وما زلنا نعالج مخلفات السجن، فأنا مصاب بالسكر والجلطة القلبية بغض النظر عن الأمراض الخفيفة التي شفينا منها والحمد لله.
- حياة السجن:
- هل كانت لكم في السجن بعض الامتيازات سواء بالنسبة للعلاج أو الاطلاع على بعض الصحف أو زيارة الأهل باعتباركم مساجين سياسيين؟
- القانون التونسي لا يفرق بين سجين سياسي وسجين حق عام، وقد كان دخولنا إلى السجن مناسبة للمطالبة بوضع قانون أساسي يضمن حقوق السجين وواجباته، وهذا لم يتم، لكن من حيث الممارسة كان وضعنا أحيانًا أسوأ من السجين العادي فباعتبارنا مساجين من أجل قضية سياسية كانت إدارة السجن تتحرى معنا كل ما يتعلق بالكتابة والدوريات والكتب أو في الرسائل التي كنا نوجهها، فالسجناء العاديون لا تفرض عليهم رقابة شديدة في قراءاتهم أو مراسلاتهم، أما نحن فقد فرضت ضدنا رقابة شديدة بلغت حد منعنا من التلفزيون والصحف طيلة الثلاثة أشهر الأولى من فترة السجن، ثم سمح لنا بالاطلاع على جرائد الحزب الحاكم فقط، وبعد مدة طويلة من المطالبة سمح لنا بالاطلاع على جريدتين أخريين وبقينا نطالب بالدوريات وإلى آخر فترة تم يسمح لنا بالاطلاع على الصحف السياسية خصوصًا الصحف المستقلة والمعارضة. الكتب كان يسمح لنا بالكتب الدينية فحسب أما الكتب السياسية أو ما يظنون أنها سياسية فهي ممنوعة، وحتى في اتصالنا ببقية المساجين فقد وضعوا بيننا وبينهم حاجزًا، فكل المساجين كانوا على اتصال ببعضهم إلا مساجين الاتحاد الإسلامي، فقد كان ممنوعًا عليهم الاتصال بأي سجين غيرهم، كانت علينا رقابة شديدة، وكانوا يخشون منا العدوى مثلما صرحت لنا الإدارة بذلك. وبحمد الله تعالى فقد كان مجرد وجودنا في السجن قد حسس بقضيتنا لأن المساجين الذين كانوا معنا في سجن برج الرومي والذين يبلغ عددهم خمسمائة سجين تقريبًا كان أغلبهم محاكم في قضايا القتل، فهو سجن من الدرجة الأولى من حيث الشدة ويوجد به المحاكمون في قضايا خطيرة، هؤلاء المساجين لم يفهموا أبدًا وجودنا معهم في ذلك السجن رغم كونهم في أغلبيتهم مجرمون أو متهمون بالإجرام الخطير، لكن بمجرد أن شعروا بوجودنا في السجن عن طريق الآذان، فقد كنا نؤذن لكل صلاة تأثروا وظهر فيهم من تاب إلى الله وبدأ يقرأ القرآن وبلغني أن ٧٠ بالمائة منهم أصبح يؤدي الصلاة لا لشيء إلا لشعورهم أننا سجنا من أجل الإسلام، وبذلك فقد أدى المسار الذي ضرب بيننا وبينهم إلى نتيجة عكسية وهي تأثرهم بقضيتنا وفكرنا مع أننا لم نكن نتصل بأي واحد منهم.
- يقال إن السيد الوزير الأول خرج معجبًا بك بعد اللقاء الذي جمع بينكما، فما سر هذا الإعجاب؟
- هذا سؤال من المفروض أن يوجه إلى الوزير الأول وليس لي أنا، على كل هناك جانب يمكنني أن أجيب عنه وهو أن هذا اللقاء كان أول لقاء يتم بين أحد قياديي حركة الاتجاه الإسلامي ومسؤول على مستوى عال. وقد قيل عن حركتنا الكثير قبل أن تسجن قياداتها. وأرادت بعض الأطراف بوعي أو بدون وعي أن تشوه توجهاتها وممارساتها فتصفها بالرجعية والتخلف وتنسب لها رفض الحوار والتعنت والتحجر، فلعل هذه الجلسة قد رفعت بعض تلك الأقاويل التي كانت شبه يقين عند البعض وبينا للوزير الأول أن ما يقال منا لا يطابق الواقع.
- بين الاعتدال والتصلب:
- أشيع منذ مدة أنه سيتم بينكما لقاء ثان، فهل هذا صحيح؟ وماذا ستتناولون فيه إن كان صحيحًا؟
- أنا إلى حد الآن لم يطلب مني لقاء آخر وأنا لم أطلب، وإذا طلب مني فلا أرفض ذلك.
- يصفك البعض بأنك الشخصية الأكثر اعتدالًا في الحركة، فماذا تقول في هذا الرأي؟
- هذا كلام قيل كثيرًا، والذين يروجون هذا التصنيف يبدو أنهم يجهلون حركة الاتجاه الإسلامي، هم يقولون إنني معتدل وأن أخي راشد الغنوشي متصلب، وأنا أعرف جيدًا أخي راشد، فليس هناك معتدل ومتصلب وإنما يبدو أن هؤلاء يقولون ذلك لأن اتصالهم في كثير لعلاقاتي المهنية بينما الاتصال بالأستاذ راشد رئيس الحركة ليس متيسرًا في كل لحظة لمن هم خارج الحركة وأنا مهنتي- المحاماة- تفرض عليّ الاتصال بالناس والحوار معهم وحركتنا ذات مبادئ، تسعى إلى تجسيدها في الواقع وتتوخى في ذلك طريقة الإقناع.
- الخارجون من السجن:
- لنعد إلى واقع الحركة، فهناك عناصر عديدة من أبناء الحركة تم فصلهم عن أعمالهم ووظائفهم سواء بسبب الإيقاف أو السجن، وبلغنا أن هؤلاء اتصلوا ببعض المصالح المعنية فأين وصلت هذه المساعي؟
- لقد نبهنا عند خروجنا من السجن أنه من العار أن يضطهد فرد من أجل فكره ثم يطارد بعد السجن بالبطالة، وهي ممارسة متخلفة، لذلك سعينا لأن نحس كل الأطراف بما في ذلك السلطة بواجب تمكين هؤلاء الشباب من العودة إلى سالف وظائفهم خصوصًا وأن معظمهم من رجال التعليم وأصحاب الشهادات العليا ولهم وظائف تحتاج إليها البلاد كثيرًا لذلك فإنه من الإجرام السكوت على هذه المخالفة، وقد سعى هؤلاء الإخوة إلى الاتصال بعدة أطراف للتحسيس بقضيتهم مثل رابطة حقوق الإنسان وجمعية المحامين وهيئة المحامين للدعوة إلى تمكينهم من العمل. والمساعي ما زالت جارية لتحقيق هذا الهدف. ونحن نعتبر أن هذا أمر أساسي إذ أرادت السلطة أن تتجاوز ما فات وطي تلك الصفحة.
- هل تلقيتم في ذلك ردًا من السلطة؟
- كل ما سمعناه هو التطمين والتأكيد بأن القضية محل درس وأن الحكومة ستسعى لتمكين هؤلاء من حقهم في الشغل.
- والأشخاص الذين هم في المهجر؟
- هؤلاء الإخوة رجع منهم عشرون شخصًا تقريبًا؛ إذ سمح لهم بالدخول وسحبت في حقهم بطاقات الإيداع من المطار ومراكز الأمن في البلاد وقدموا اعتراضًا على الأحكام التي صدرت ضدهم وهذه الأحكام الآن بصدد إعادة النظر لدى القضاء وما زالت مجموعة أخرى في المهجر تنتظر الدخول.
- العودة إلى الأنشطة الإسلامية:
- كانت لحركة الاتجاه الإسلامي قبل محاكمات سنة «۱۹۸۱» عدة نشاطات متنوعة مسجدية وثقافية وإعلامية فهل ستعودون إلى تلك النشاطات؟
- كان لحركتنا تواجد هام علني قبل المحاكمات سنة 81، وأهم مراكز التواجد والنشاط هي المساجد حيث تلقى فيها الدروس ويلتقي فيها آلاف الشباب لتعلم القرآن ومفاهيم الإسلام وقد تعطل هذا العمل أو على الأقل ضعف كثيرًا لما ووجه به من محاصرة أثناء فترة السجن وما زال متعطلًا إلى الآن، لأن السلطة استولت على المساجد في غيابنا ووضعت عليها ناسًا يتظاهرون بالإسلام وهم في معظمهم يمثلون هناك إدارة الأمن أو إدارة الحزب الحاكم ويمثلون أي تحرك أو نشاط ولو كان دينيًا بحتًا فحتى تحفيظ القرآن الذي هو أمر رباني ليس موكولًا إلى اجتهاد أي كان يمنعوننا منه. نضيف إلى هذا أن العديد من المساجد التي تم بناؤها خلال السبعينيات في المعاهد والمصانع مواكبة للصحوة الإسلامية المباركة تم إغلاق بعضها. الجانب الثاني هو نشاطنا الإعلامي فقد كانت لنا ثلاث صحف وهي المعرفة وهي مجلة شهرية والمجتمع والحبيب وهما أسبوعيتان، وقد تعطلوا في فترة الإيقافات سنة ٨١. ونحن حريصون اليوم على المطالبة بهم وإعادتهم إلى الصدور. ونحن لا نعتبر خروجنا من السجن كاملًا إلا إذا مكنا من حقنا في الإعلام وتبليغ رأينا، فما هو الفرق بين بقائنا في السجن أو الخروج منه مع حرماننا الإعلامي، بل إننا بهذه الطريقة خرجنا إلى سجن أكبر من الذي كنا فيه، وهذه مسائل لسنا مستعدين أن نتنازل عنها لأن صاحب الفكرة يحتاج بدرجة أولى إلى الاتصال بغيره ليبلغ رأيه، ولذلك فنحن حريصون في عودتنا إلى تنشيط بيوت الله وإصدار صحفنا السابقة.
- إنه الخوف من جماهيرية الحركة:
- ما هو تفسيركم لاستثناء الحركة من الاعتراف القانوني والحق الإعلامي دون غيرها من الحركات؟
- يبدو أنه خوف من شعبية الحركة باعتبارها من أبرز الحركات المعارضة في البلاد، وفي ذلك أدلة ملموسة يعرفها الجميع، فأي صحيفة إذا لاح لها شبح الإفلاس يكفي أن يكون في صفحتها الأولى عنوان عن حركتنا أو صورة لأحد قياديي الحركة حتى تباع كل أعدادها فهناك تخوف من الحركة من حيث ثقلها في البلاد.
الأمر الثاني الذي لا نخفيه هو أن الحركة توجهًا مغايرًا لتوجهات النظام وبقية الأطراف المعارضة في البلاد. فحركتنا ليست حركة سياسية فحسب بل هي حركة حضارية تقدم بديلها الحضاري إلى مختلف فئات الشعب وتعتقد أن شعبنا مسلم في كيانه وثقافته وهو ضحية تيار التغريب الذي أخذ بطرف كبير منه عدد لا يستهان به من قياديي البلاد. فعندما تتقدم حركتنا لا يمكن أن تقاس بما يقاس به غيرها. ونحن نرى أن الحل الوحيد للمشاكل التي يعيشها الشعب التونسي يكمن في الإسلام. وحركتنا تقدم الإسلام لا كطرق تعبدية فحسب بل وأيضًا نقدم الإسلام كنظام حياة تسعى لتطبيقه في القرن العشرين وهذا ما يميزنا عن غيرنا. لذلك فإن العمل الذي قام به النظام التونسي مدة ما يقرب من ثلاثين سنة يعتبر محل أخذ ورد. والحركة ترفض تمامًا جانبًا كبيرًا مما وقع تطبيقه في البلاد. وتقدم عنه بديلًا متكاملًا لذلك فإن النظام عندما يمنع الحركة من النشاط هو إحساسًا منه بخطورة ما تطرحه.
- الحركة والأطراف السياسية:
- ما علاقتكم ببقية الأطراف السياسية في البلاد؟
- لقد رأينا أن أهم قيمة يجب أن نناضل من أجلها هي التجمع وحق التنظيم وحق التعبير وحق الإعلام مسائل يحترمها دستور البلاد ونحن نشترك وهي قضية الحريات والتي تتمثل في حق مع أطراف المعارضة في هذه القضية لأننا جميعًا متضررون من تجاوزات السلطة لهذه الحريات، لذلك سعينا إلى جمع المعارضة والتعاون معها لخوض نضال مشترك من أجل هذه القضية وتحقيق الحريات الأساسية لمجموع الشعب التونسي، لذلك فإن لنا علاقات تعاون وصداقة مع الأطراف السياسية في البلاد خصوصًا تلك التي تعترف بحقنا في العمل والتنظيم والتي أبدت اهتمامًا بقضيتنا.
- منذ اعتقالات يوليو ۸۱ حتى أغسطس الماضي «تاريخ الإفراج» كانت كل الأطراف السياسية سواء المستقلة أو المعارضة تتحدث عن المظلمة المسلطة على حركة الاتجاه الإسلامي، لكن منذ الإفراج عنكم في أغسطس الماضي إلى الآن نظمت مجموعة «التجمع الاشتراكي» عبر صحيفتها «الموقف» هجومًا عنيفًا على الحركة وذكرت أن حركتكم تمر بخلافات حادة وهي مهددة بالانقسام، لماذا وراء هذه الحملة الصحفية عليكم؟
- لقد لفتت انتباهنا هذه الحملة المنظمة التي دخلت فيها هذه المجموعة، فقد كانت كل الأطراف تتحدث عن قضيتنا، ولم يكن بإمكان هذه المجموعة وهي عناصر محدودة جدًا من اليسار الماركسي المتطرف وقتئذ أن يتحدث عنا بسوء لأن ذلك كان يعني فقدان مصداقيتها لدى الشعب لأن الشعب التونسي المسلم لا يقبل أن يتحدث أحد بسوء عن حركة الاتجاه الإسلامي خصوصًا وأننا وقتها في محنة. وبمجرد خروجنا من السجن أردنا أن نتصل بكل الأطراف السياسية لمواصلة النضال والعمل من أجل مصلحة تونس، فما راعنا إلا وهذه المجموعة تكثف هجومها على الحركة تحت غطاء الإعلام النزيه فتحدثوا عن خلافات داخل حركة الاتجاه الإسلامي وسعوا إلى الدس والذي لفت انتباهنا أكثر هو أن هذا النهج وقع الإصرار عليه بطريقة غير معهودة ثم إن ما نشرته هذه المجموعة لم تكن تحقيقات صحفية وإنما أخذت شكل مناورات شرطة أمن الدولة والمخابرات بما فيها من دس رخيص وقلب للحقائق وهو ما دفعنا إلى لفت الأطراف السياسية إلى هذه الدسائس والتحركات المشبوهة كما أشعرنا هذه الأطراف إلى أننا منتبهون إلى أطراف هذه المحاولات الفاشلة وخلفياتها وهي ممارسات لن تقر الحركة ولن تشغلنا عن معركتنا الحقيقية ضد الظلم والكبت والفساد وهي أيضًا محاولة لتهميش قضايا البلاد السياسية والتي لن ينتفع بها سوى أعداء الشعب والوطن.
- برنامج المستقبل:
- أستاذ عبد الفتاح ما هو برنامجكم السياسي في الفترة القادمة؟
- إن قضيتنا الأساسية اليوم هي تبليغ صوتنا ومواقفنا لكل فئات الشعب عبر وسائل الإعلام ونحن- دون غيرنا من الأطراف- محرومون من هذه المنابر، نحن نعرف أن الشعب التونسي الكامن شعب مسلم، لكن هذا الإيمان التقليدي في نفوس الشعب يجب أن يكون واعيًا بما يدور حوله وتغييره إلى ما يخدم الإسلام ويقطع أسباب الفساد والانحراف وهو عمل شاق وطويل ولكنه الوحيد القادر على تخليص البلاد مما فيها من سلبيات. فعملنا الأساسي اليوم هو الاتصال بالناس وإبلاغ رأينا لهم واضحًا وصريحًا حتى نتمكن من تغيير المفاهيم التقليدية السائدة واستبدالها بمفاهيم الإسلام الخالدة. ولقد حذرنا وما زلنا نحذر من أن هذا المنع المتواصل من حقنا في تبليغ صوتنا والصدع بآرائنا والتواجد القانوني سيؤدي حتمًا إلى ظهور المجموعات المتطرفة التي تتبنى العنف والتغيير بالقوة.
- كلمة أخيرة توجهها إلى قراء المجتمع.
- أحيي الشباب المسلم وكل العاملين للإسلام بحرارة وأسأل الله تعالى لنا ولهم التوفيق في العمل والتمكين في الأرض والفوز برضاه سبحانه وأقول لهم إن إخلاص العمل لله وحده والالتزام بكتابه وسنة نبيه والاستفادة من التجارب البشرية في استحضار معطيات الواقع شروط أساسية لنجاح أي عمل ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (المجادلة: 21) وكل تحياتي لأسرة تحرير المجتمع ودعائي لهم بالتوفيق.
المجتمع: شكرًا جزيلًا للأستاذ الداعية عبد الفتاح مورو على صراحته في الإجابة عن أسئلتنا.
ونأمل أن نلتقي ثانية لتسليط مزيد من الأضواء على قضايا المسلمين في تونس وخارجها، وفقنا الله جميعًا إلى ما يحبه ويرضاه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.