العنوان المنهجية الإصلاحية
الكاتب عبدالحميد أبو سليمان
تاريخ النشر السبت 08-سبتمبر-2012
مشاهدات 63
نشر في العدد 2018
نشر في الصفحة 40
السبت 08-سبتمبر-2012
الحركات الإسلامية المعاصرة.. إلى أين؟ وكيف؟
إشكالية الاستبداد والفساد في التاريخ الإسلامي (۳)
السؤال الأهم: ما الموقف والمنهج الأصوب للحركات الإسلامية والأمة اليوم على مفترق طرق؟
في حال تعدي أي سلطة أو فئة أو انحرافها، فلا شرعية للعنف في الصراع السياسي داخل المجتمع المسلم والدولة المسلمة، وهو ما يتجلى في الإجابة النبوية: «قالوا: يا رسول الله ألا نقاتلهم؟ قال: لا، ما صلوا»).۱)
ولا يفهم من هذا ، قبول الظلم والانحراف والفساد والاستبداد ومصادرة حق الشعب- عند الضرورة إذا فشل النصح والاعتراض والنقد- وإنما على الأمة أن تتولى وضع حد للتعدي والانحراف والظلم والفساد والاستبداد، وأن تسحب البساط من تحت أرجل الفئات أو السلطات المعتدية باللجوء إلى المقاومة الجماعية المدنية السلمية.
فمن أبرز وسائل المقاومة- دون إخلال بأمن المجتمع- ممارسة التعبير والتظاهر والرفض والعصيان السلمي، لإحقاق الحقوق، ولمنع التعديات وتحقيق التصحيحات والإصلاحات المطلوبة، أو لاستعادة السلطة والمشروعية ف أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائــر (۲) ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (۳)، و«على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحبّ وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» (٤) و«لا طاعة إلا في معروف»(٥).
وفاق وتصالح
أما إذا افترقت جماعة المسلمين إلى طوائف ودول وإمارات، وأصبح الصراع صراعا طائفيًا أو عرقيًا مسلحًا، هذه ففي الحالة على جماعة الأمة أن تكون طرفا يسعى بالوفاق والتصالح وتحكيم العقل والعدل والإخاء ورعاية المصالح العليا للأطراف المعنية والشعب.
فإذا أصر طرف أو أصرت طائفة على الظلم والعدوان كان الوقوف إلى جانب الطرف المظلوم، وإرغام الباغي- ولو باستخدام القوة والسلاح من قبل الأمة إذا اقتضى الأمر- على أن يفيء إلى منهج الحق والعدل، قال تعالى: ﴿وإِن طائفتان منَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ الله فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسطينَ﴾ (الحجرات:9).
وحتى لا تدور الأمة في حلقات إصلاح وهمية مغلقة مفرغة من معناها، تعيش معها في دوامة حلزونية هابطة لا تنتهي من سراب أحلام العزة والكرامة والإنماء والإعمار وسراب القضاء على الاستبداد والفساد والفقر والظلم، فإن على الإصلاحيين والمفكرين والمربين- إن أرادوا حقا تحقيق الإصلاح واستنهاض الأمة- أن يغرسوا في ضميرها ولدى جمهورها النظر إلى الأفعال، لا إلى الأقوال وأن يقيسوا الأداء بالنتائج لا بالدعاوى، وألا يركنوا إلى مجرد معسول القول الذي لا يستند إلى مؤسسات فاعلة.
سن الانتخاب
وثمة أمر يحتاج من المفكرين والتربويين والإصلاحيين النظر فيه ودراسته علميا، لاتخاذ قرار تشريعي وسياسي رشيد بشأنه، بما يتوافق وحالة كل شعب وبلد مسلم اجتماعيًا وسياسيًا، وهذا الأمر هو تحديد السن التي تؤهل المواطن لممارسة حقه الانتخابي ترشيحًا وترشّحًا، والمشاركة في صنع القرارات السياسية والتشريعية، واختيار القيادات، فقد تمكن أصحاب المصالح والمسيطرون في الأنظمة الغربية على الإعلام والتعليم وعلى ثروات الأمم وأموال المصارف من إفراز قيادات فاسدة يسهل استغلالها وتوجيهها والضغط عليها، لتزييف إرادة الأمة.
ومن وسائل هؤلاء وطرقهم في تزييف الإرادة الشعبية- في كثير من البلاد محاولة خلق أغلبية عَدَدِّية من المراهقين وصغار السن الذين يفتقدون الخبرة الكافية في شؤون الحياة والمجتمع، ولا يدرك الكثير منهم الأبعاد الروحية والاجتماعية المختلفة لممارستهم وخياراتهم وآثارها غير المباشرة وآثارها بعيدة المدى على المجتمع، فيقعون ضحية ومطية للماكينات الدعائية لتجار متع الرذيلة والفساد والمصالح الأنانية، فينتج عن ذلك التفكك الاجتماعي وإهدار القيم والأخلاق.
وإذا كان هذا ممكنًا أو مقبولًا في المجتمع المادي «اللاأدري» Agnostic، فإنه غير مقبول ولا معقول في المجتمع الإسلامي الروحي الأخلاقي، والإنساني الإعماري الحضاري.
لذلك فإن المبالغة في خفض سن التصويت والترشح، لا يصب في خدمة مصالح المجتمع العامة، وإنما يصب إجمالا في مصلحة ذئاب المصالح الأنانية الخاصة، واختيار القيادات غير المؤهلة، واتخاذ القرارات السياسية الفاسدة باسم الجماهير غضة العود، قليلة الدراية والخبرة.
خارطة طريق
على ضوء ما توصلنا إليه في المقالات السابقة في دراسة «إشكالية الاستبداد والفساد في التاريخ الإسلامي»، وعلى ضوء ما جرى ويجري اليوم من حراك الربيع العربي في العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط يظل السؤال: ما الموقف والمنهج الأصوب للجماعات والحركات الإسلامية، والأمة على مفترق طرق؟
هل تؤدّي مواقفها إلى إصلاح الأنظمة والقضاء على التبعية أو إلى خدمة المخططات المعلنة لتمزيق العالم العربي والإسلامي وإشاعة الفوضى، وخلق المزيد من الصراعات على أساس عرقي وطائفي، وبالتالي مزيد من الضعف والتخلف والتبعية؟
نهضة وإصلاح
وهل الأصوب والأمثل أن تبني الأمة نظامًا اجتماعيًا سياسيًا جديدًا يؤسس لنهضة وإصلاح إسلامي حضاري معاصر، في كل بلد ودولة إسلامية وربما في اتحاد فدرالي أو كونفدرالى على غرار الاتحاد الروسي أو الاتحاد الأوروبي.. أو أن تغرد حركات التغيير والإصلاح وجماعات الحركات الإسلامية خارج السرب والعصر؟ وهو ما سيسهل على الأعداء في الداخل والخارج الالتفاف على هذا الحراك التغييري والإصلاحي وتدميره، خاصة إذا طمعت حركات الإصلاح والتغيير على مختلف أجنحتها- يسارية ومحافظة وإسلامية- في الحصول على مكاسب وهمية آنية زائفة، وسيكون حينها ما حدث من ثورة وحراك مجرد حلقة جديدة من حلقات انقلابات الدكتاتورية، والفشل، ومزيدًا من الاستبعاد والتدهور والتخلف، وتمكينًا لأنظمة الاستبداد والفساد، التي تهدر دماء الأمة الشهداء، وبالتالي تفلت من بين يدي فرصة تاريخية أخرى، لكي تبدأ من جديد عصر الحرية لجميع التوجهات تتويجا لجهود حركات الصلاح والإصلاح، بعد قرون طويلة من المظالم والتدهور والتردي.
وقفة جدية
وما حدث في العراق إنما هو نموذج لما هو مخطط له ومعلن ومثله حدث ويحدث في كثير من البلاد العربية والإسلامية كالسودان والصومال، وليبيا واليمن، وباكستان، وينذر به ما حدث ويحدث في شمال أفريقيا وغربها وسواها من بلاد العالم الإسلامي.
لذلك من الأهمية بمكان أن تقف جماعات الحركات الإسلامية وقفة جدية عند هذا المفترق الذي لم يكن محسوبًا، بل هو مفاجأة «القشة التي قصمت ظهر البعير»، حين بلغ حال الشعوب إلى حد من الذل والجوع والبطالة، والاستبداد، والفساد، جعل الجمهور والشباب خاصة بين خيارين إثنين: إما الموت وإما الإصلاح، ودحر الاستبداد والفساد والسلب والنهب والحصول على الكرامة وعزة كسب لقمة العيش الشريف.
ومن هنا تأتي أهمية الوعي بضرورة تجديد تنزيل المفاهيم القرآنية باختلاف المكان وتباعد الزمان، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نبهنا إلى أهمية «تجديد » الدين على مر القرون.
ولذلك لا يصح أن نساوي بين ظروف قيام الحركة الإسلامية عند سقوط الخلافة العثمانية، واحتلال الدول الاستعمارية الأوروبية لبقايا الدول الإسلامية، والظروف الحالية الحاضرة، ففي ذلك الوقت كانت الحركة الإسلامية- بحكم الضرورة- تمثل في جوهرها حركة رد فعل ومقاومة للهجمة الاستعمارية الشرسة الهادفة للقضاء على الحصن الأخير المتمثل في دولة الخلافة الإسلامية العثمانية، وما تلى ذلك من اضطهاد وتضييق على حركات الإصلاح والمقاومة الإسلامية، أما اليوم فعلى مختلف تنظيمات الحركة الإسلامية ومفكريها أن يكون فعلهم فعل مبادرة وعمل مدروس متفاعل مع الواقع بكل تحدياته وإمكاناته لإعادة بناء الدولة، وتشكيل النظام الاجتماعي والسياسي الإصلاحي النهضوي النموذجي الإسلامي المعاصر .