; المورسكيون في المصادر والمخطوطات الأندلسية «أخيرة» | مجلة المجتمع

العنوان المورسكيون في المصادر والمخطوطات الأندلسية «أخيرة»

الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي

تاريخ النشر السبت 10-سبتمبر-2011

مشاهدات 53

نشر في العدد 1968

نشر في الصفحة 44

السبت 10-سبتمبر-2011

  • محاكم التفتيش أتلفت كل عامل لحماية الإسلام في النفس والبيئة والحياة وبدأت بإحراق الكتب بما يعرف اليوم بـ « تجفيف المنابع ».
  • التهجير أو الموت حرقاً كان الحكم الاعتيادي على كل مسلم يرفض اعتناق المسيحية.
  • تحمل المورسكيون أشد أنواع التقتيل والهتك والحرق حفاظا على إسلامهم وإن استجابوا ظاهراً لبعض الأمور حفاظا على دينهم.

بدأت محاكم التفتيش والسياسة الكنسية - بعد إخلاف العهود الموقعة تكراراً لسنين - إتلاف كل عامل الحماية الإسلام، في النفس والبيئة والحياة، أولها إحراق الكتب، وبكل ما يدرج بما عُرف اليوم بتعبير: «تجفيف المنابع»، ثم بدأت عملية التنصير والتقتيل حرقا ، لمن يرفض ذلك.

تقدمت الوسائل وتأكدت فكان التهجير والترحيل والموت حرقاً، هو الحكم الاعتيادي السهل التأتي، الحكم بذلك يعني: الحرق أحياء جماعيا، كما عند ابن عبد الرفيع.

 ثم كان صدور قرار الطرد الأخير أو الكبير سنة ١٠١٨هـ / ١٦٠٩م، الذي أصدره فيليب الثالث ملك إسبانيا، نفذ في السنة التالية نقل ابن عبد الرفيع نص هذا القرار مترجماً بالعربية مما جاء فيه على لسانٍ الملك في قراره: «عدم رجوعهم رجوعا صالحا من قلوبهم لدين النصرانية وأنه لم ينفع فيهم وصايانا ورأينا عياناً أن كثيراً منهم قد أحرقوا بالنار لاستمرارهم على دين الإسلام».

رسم لملك إسبانيا فيليب الثالث Felipe III الذي أصدر قرار النفي المشهور سنة ١٠١٨هـ / ١٦٠٩م ، يقضي بطرد من بقي من مسلمة الأندلس المورسكيين فيها. الرسم في متحف البرادو««Museo del Pradoمدريد بريشة دييجو بلاثكث Diego Velazquez ، تم إنجازه بين سنة ١٦٣٤ و ١٦٣٥م.

استعباد المسلمين

قبل سقوط غرناطة استَعْبَدُوا مَن بقي من المسلمين في المدن الذاهبة المدجنون كانت محاكم التفتيش قد تكونت في شمالي إسبانيا، قبل سقوط غرناطة، وتسلطت على المسلمين والنصارى البروتستانت واليهود، لكنها عاملت المسلمين بأشد وطأة وأوسع نقمة وأقسى إجراء، حتى قبل إنشائها، تعاملت بنفس الروح التي قادت إلى إنشائها، ثم أصدرت القرارات الباغية المتصاعدة تدريجيا وتباعا، وكثرت أعدادها في الأندلس، حيث عقدت أول محكمة تفتيش خلال السقوط في إشبيلية سنة ٨٨٠هـ / ١٤٧٥م التي سقطت قبل ذلك سنة ٦٤٦هـ/ ١٢٤٨م.

قتل مئات الآلاف حتى مُثْلَ وقُتل مئات الآلاف

حتي مثل و قتل مئات الالاف -علي  أقل تقدير - خلال القرون الثلاثة وبعدها، تلك التي تلت سقوط غرناطة سنة ٨٩٧هـ/ ١٤٩٢م ، خلال الترحيل والتهجير القسري، مثله التقتيل والتحريـق الـجـمـاعـي لكل الأعمار.

دون أدنى اعتبار لأي معنى ولا أية قيمة للإنسان وإبداعاته أو للإيمان، لا سيما للمسلم بالذات، لعل آخر حرق أو قتل رسمي شوهد، كان عام ١٨٣٥م، أي بعد ربع قرن من قرار إلغاء محاكم التفتيش الأول سنة ۱۸۰۸م «الفرنسي»، الذي يبدو أنه لم يَرُقُهم، ونَدمُوا أو أجبروا عليه .

جَنَّدت محاكم التفتيش فئات الناس، لم يكتفوا بأخذهم المسلمين عبيداً ، بل جعلوهم عبرة لها ووقودا أوقدت به المجتمع وأحرقت إنسانيته فأفسدته، حين استعملته لأهدافها المجبولة، ومازالت آثارها النفسية قائمة حتى اليوم، فقد أهلكت الحرث والنسل.

المحافظة على الدين

حافظ المسلمون – بعد غرناطة وقبلها - على دينهم الذي لم يتهاونوا فيه أبدا، كان عندهم أعزّ من حياتهم، لو كانت مكانته مثل حياتهم أو معيشتهم لتهاونوا بها، أمام ذلك الخوف القائم والرعب القاتل، حتى الذين عاشوا مُدَجْنِين منهم في مدن سقطت مبكراً مثل «طليطلة»، أصروا على الالتزام بالدين استمرارا وانتقالا، كل جيل لتاليه، رغم معرفتهم نتيجة ذلك: الموت حرقاً أحياء، لأقل الأشياء أحياناً، مثل: الختان وعدم الذهاب إلى الكنيسة أو الامتناع عن أكلات معينة مثل الكَسْكَسُون، حتى الصمت يُودِي بصاحبه إلى المحرقة.

يبدو أن مَن تَنَصَّر منهم كان قليلاً جداً، إن وُجِدَ يَوْمَها ، من الضعاف والمنافقين الذين أغرتهم الكنيسة واستعملتهم.

تحمل المورسكيون أشد أنواع التقتيل والهتك والحرق حفاظا على إسلامهم، وإن استجابوا ظاهراً لبعض الأمور حفاظاً على دينهم، فأظهروا النصرانية وأبطنوا الإسلام.

غير بعيد أن يكون لدى أحفاد أولئك حتى الآن حنين للإسلام، بمجرد إحساس الواحد أن أصوله إسلامية، حتى لقد قال بعضهم «بالمعنى»: إننا لو أزلنا طلاء حوائطنا لتبين تحته أثر الإسلام، أو حككنا جلودَنا لوجدنا تحتها ذاته وآثاره.

من خير ما قيل في ذلك ما ذكرته الدوقة الإسبانية البارعة الفارعة المتجرعة من مدينة شَدُّنَة «Sidona»ابنة محافظها الهمام «هي كاثوليكية الآن»، قالت: إنها مسلمة الأصل بل إنّ كل الإسبان تقريباً كذلك.

لقد التقيتُ بعدد من هؤلاء الإسبان يَصْدُقُ عليهم هذا القول بوضوح، البحث المستمر لأمثالهم، واستخراج وظهور وثائق جديدة من كل نوع سيؤكد هذا ويوضحه، إلى عهد قريب كانت العادات الموروثة ما زالت تمارس، حتى بعض الأمور التعبدية وبواقعها الفعلي العملي التطبيقي. 

يذكر شكيب أرسلان يرحمه الله: أنه حتى نحو بدايات القرن العشرين الميلادي كانت بعض قرى مدينة طليطلة»Toledo ۷۰ميلا جنوب غربي مدريد« يذبحون الأكباش يوم عيد الأضحى المبارك.

 جاهد المورسكيون أعلى جهاد وأغلاه وأنداه، وهم تحت المطارق، لم يكونوا يوماً ساكتين، إنما كانت لهم محاولات ومواجهات جَلَبت لهم الموت ولم تصدّهم.

لَكُم قامت من ثورات وبذلت من نفوس تَعْلَم مصيرها مبكراً للحفاظ على الدين. 

ولا يجوز اعتبار المورسكيين في دفاعهم معتدين، في عمليات رد أو انتقام، بل فاسألوا كيف ومتى ولماذا؟ أم أن الحاكم مهما طغى وبغى واعتدى وعتا فلا مسؤولية عليه، أو هو مصون غير مسؤول؟ كما لا يجوز اعتبارهم مقصرين من ناحية أخرى بحال من الأحوال، كما يقول ويتقوَّل مَن جهلوا هذا التاريخ. كم من المورسكيين إذا واجه الأذى يزداد شجاعة ، مثل : الشاب «خوان» الابن من عائلة «الكامبنير LOS COMPANERO «في مدينة سَرَقَسِّطة ZARAGOZA، التي أَحْرقَ من نسائها ورجالها وأطفالها الكثير، عندما حُكم عليه بالموت حَرِّقا بالنار مع غيره سنة ١٥٨٢م، رمى الصليب الذي أجبر على حَمْله، رفع سَبّابته يقرأ الشهادة قبل الموت. 

مراسلات مع الخلافة

توافرت معلومات عن مراسلات عدة جَرَتْ مع الخلافة العثمانية وغيرها، لاسترداد الأندلس وإنقاذهم، كانوا مستعدين للجهاد، حتى لقد رأى الشيخ الشهاب الحجري أن ستة وعشرين ألفا من جيش المنصور الذهبي السعدي ( ٩٥٠- ١٠١٢هـ / ١٥٤٩ - ١٦٠٣م) كاف لاستعادة الأندلس، ذلك ما ينقله الإفراني في كتابه: «نزهة الحادي» عن كتاب: »رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب«، كان العلماء هم القدوة في كل الأمور والمواجهات.

لم يرحل المسلمون من الأندلس ابتداءً، بل منهم مَنْ أصرّ على البقاء وجعل نفسه حامياً، كأسرة «الكامبنيرو» في سَرَقُسْطَة وأسرة «بني غيش» في مُرْسِيَة MURCIA، أو وادي الرّقوطي حتى بعد الطرد الأخير ليس الطرد الوحيد كما يفهم من كلام ابن عبد الرفيع.

إيمان متدفق

كانت آمالهم دوماً متيقظةً وإيمانهم متدفقاً وتضحياتهم متفوقة، حيث حافظوا على دينهم والتزامهم - لو قلة منهم - وعلي لغتهم حروفا كان بعضهم فقيها وراعيا للآخرين نساءً ورجالا وأطفالا، يتولون التدريس والرعاية ويستعملون كل إمكانية وطاقة للحفاظ على دينهم وأهلهم، ولو افتدوه بالنفوس، إنّ الأجيال التالية التي التزمت نشأت تحت وطأة مظالم محاكم التفتيش، بقيت تحافظ على هويتها الإسلامية بقوة أدركوا أنهم لا يستطيعون مواجهتها فانشغلوا بالحفاظ على دينهم وتوريثه أبناءهم عاشوا بنوع ارتباط، إنه لعجيب أن يعيشوا والسلطة والمجتمع «المحرَّض المسعر أو المُغَيَّب» ضدهم من قبل الكنيسة بكليته أو أكثريته، لم يكن محدودا، لا من حيث المساحة ولا العدد، بل يكون شاملا، الدارس حياتهم إن لم يَعْجَب من هلاكهم سوف يعجب لاستمرارهم.

إن كتابات المورسكيين التاريخية تدل على علو همة وإيمان صادق وشوق ممتد ومتجدد واحتمال بعزة، إن هذا الوصف شامل ومع العلم يزداد رغم الظروف، لم ترد إلا إشارات خفيفة إلى موضوع التخلي، من النساء والرجال والأطفال.

ظهرت همتهم عالية، حين هاجر من هاجر منهم إلى أرض الأحباب «المسلمين»، في المغرب الإسلامي الكبير وغيره من أنحاء العالم الإسلامي الواسع العريض. أنعشوا الحياة وعَمَروا وجاهدوا برا وبحرا، ازدهرت بهم الحياة، يدا بيد مع إخوانهم الذين استقبلوهم خير استقبال .

الرابط المختصر :