; الموهبة والإبداع والعبقرية.. محاولة للفهم | مجلة المجتمع

العنوان الموهبة والإبداع والعبقرية.. محاولة للفهم

الكاتب حمدي عبدالعزيز

تاريخ النشر السبت 31-يوليو-2004

مشاهدات 80

نشر في العدد 1611

نشر في الصفحة 50

السبت 31-يوليو-2004

‏برزت في صدر الإسلام نماذج عديدة للمواهب ترويها كتب السيرة والتاريخ،‎ وتتحدث عن هذا الذي أتقن لغة عدوه في أيام قليلة، وذاك الذي يحفظ الأنساب والأثر، ومن يحفظ العلم ويرويه، ومن يحمل بابًا من حديد ينوء بحمله عشرة رجال.

ولم يكن لدى المسلمين طريقة معينة مدونة في اكتشاف مثل هذه المواهب واستثمارها، ولكنه رصيد الخبرة، والفطرة في معرفة الناس وخصال الخير فيهم، و إفساح الطريق أمامهم للتعبير عن هذه المواهب بحرية تامة مع رعايتها بشكل كامل. مما أدى إلى انطلاقها من المساجد، وقاعات الدرس، ودور الحكمة التي أحرزت إنتاجًا حضاريًا ملموسًا في العلوم الإنسانية الكونية.

ومن هذه المواهب على سبيل المثال: جابر بن حيان أبو الكيمياء، والبيروني العالم الموسوعي الذي يتنازع في انتمائه الإيرانيون والأتراك والروس، وابن العوام أبو العلوم الزراعية، والدميري عالم الحيوان، وتقي الدين أبو التكنولوجيا، والزهراوي أبو الجراحة وغيرهم وغيرهم.

الموهبة وأخواتها

هناك مفاهيم عدة ترتبط بالموهبة، وتدور حول القدرات مثل: العبقرية، والإبداع، والابتكار، والتميز، وهي المفاهيم التي تتفق مع الموهبة في أمور، وتختلف معها في أخرى:

فالموهبة قدرات خاصة ذات أصل تكويني لا ترتبط بذكاء الفرد حتى إن بعضها قد يوجد بين ذوي الاحتياجات الخاصة، ويتم تصنيفها إلى مواهب فذة تقدم للبشرية إنجازات في مجالات عديدة، ومواهب فائضة تؤهل للإنتاج الوفير المؤثر في النواحي الإنسانية، ومواهب نسبية كالطب والهندسة وغيرهما، ومواهب شاذة وهي قدرات تفتقد القيم.

أما الإبداع فهو عملية ينتج عنها عمل جديد يرضي جماعة ما وتقبله على أنه مفيد؛ بمعنى أنها عملية تقدم فائدة مقبولة للمجتمع. وهنا توافق الموهبة. والإبداع يختلف عنها في كونه عملية مرتبطة بالتطور العقلي والبيئة المكتسبة.

أما الابتكار فهو قدرة تؤدي إلى التجديد في الأفكار والآراء، ويرتبط بالذكاء، ويتأثر بالنشأة والبيئة، وله مراحل عدة: الإعداد، الاستعداد، الحضانة، و التفكير لا شعوريًا، الإلهام والاستبصار أو الحل الفجائي، والتقويم وصدق الحلول. ويختلف عن الموهبة في أن الأخيرة قدرات خاصة لا ترتبط بالضرورة بالذكاء، وتتأثر بالوراثة، وتوجد عند الأفراد بنوعيات متباينة.

والعبقرية قدرة عقلية تعتمد على الإدراك والتركيز والتحليل، والعبقري هو النافذ الماضي الذي لا شيء يفوته، وهي لون من ألوان الموهبة، أو هي موهبة عقلية. أما التميز فهو وصف لمجموعة من القدرات منها القدرة على رؤية الاحتمالات التي لا يراها الآخرون، والتصرف بهذه الاحتمالات بطريقة غير عادية، والتغلب على العوائق في فترة زمنية قياسية، وبذلك يعد مستوى من مستويات الموهبة المجتمعية، كما أنه يمكن أن يعد صورة تطبيقية للابتكارية.

سمات الموهوبين واحتياجاتهم

يتميز الطلاب الموهوبون بالعديد من الخصائص في جوانب عدة: ففي الجانب المعرفي لديهم القدرة على الحفظ والفهم المتقدم، وتنوع الاهتمامات، وحب الاستطلاع، وارتفاع مستوى النمو اللغوي، ومرونة التفكير، والتجميع الشمولي للمعلومات، والقدرة على توليد الأفكار واستنتاج الحلول والبدائل.

ويحتاجون في هذا الجانب إلى توفير فرص القراءة والاطلاع، والاحتكاك بالخبرات السابقة من أجل تبادل الآراء والاتجاهات، وتوفير فرص عمل مناسبة. والتدريب على اتخاذ القرار وتطوير المهارات.

كما يتميزون في الجانب الوجداني بالعمق العاطفي، والحساسية غير العادية لتوقعات الآخرين ومشاعرهم، والمثالية، والشعور بالعدالة  وتقدم مستوى الأحكام الأخلاقية، ويحتاجون من أجل تنمية هذا الجانب إلى توفير فرص التعرف على عواطفهم الشخصية، والبحث عن الأفكار والمشاعر لدى الآخرين، والتثقيف،. وتلقي الخبرات والاحتكاك، والتعبير عن القيم.

أما الجانب البدني فيلاحظ أن هناك فجوة بين النمو الجسمي والنمو الذهني والتغافل عن الأنشطة اللابدنية أحيانًا، ويحتاجون إلى خبرات داعمة للوعي الجسمي واللياقة الجسمية وممارسة التعبير الحركي وتطوير المهارات الجسمانية.

وفي الجانب الحدسي الغيبي يتميزون بالاهتمام المبكر بالمعارف الحدسية، والانفتاح على الخبرات والابتكارية الواضحة، ويحتاجون إلى توفير فرص الانفتاح على الخبرات المتنوعة، وفرص إنماء الابتكار.

أما الجانب المجتمعي فيشتمل على خصائص مثل: الدافعية نحو المجتمع، والقدرة العالية للفهم وحل المشكلات، والميل نحو الحقيقة والعدالة، ويحتاج هذا الجانب إلى توفير فرص المشاركة في الأنظمة، والعمل على التعاون مع الآخرين، والقيام بأدوار في الجماعة، والتمرس على أساليب القيادة، وممارسة الشورى والنصيحة من أجل تطوير الخبرة.

معوقات الموهبة: ونستدل هنا إلى مقومات وراثية تتمثل في توريث الطفل بعض المميزات والسمات الجسمية، وبعض الاتجاهات العقلية - كما يشير علماء الجينات. وفي هذا يقول رسول الله r: «تخيروا لنطفكم فانكحوا الأكفاء، وأنكحوا إليهم». (أخرجه ابن ماجه (1968)، والحاكم (2687)، والبيهقي (14130).

كما تستند أيضًا إلى مقومات بيئية هي عبارة عما يحيط بالطفل من أسرة ومدرسة ومؤسسات اجتماعية أخرى. فالأسرة هي أول من يكشف عن موهبة طفلها، وتوفر مناخًا الملائم لها من خلال الدعم المعنوي الذي يتمثل في رعاية وتقدير الموهبة، والدعم المادي بتوفير الكتب، والتواصل اللغوي وحل المشكلات. أما المدرسة والمؤسسات الأخرى، فتجد الموهبة فيها فرصًا متجددة لإقامة العلاقات الاجتماعية، ومزاولة الأنشطة المتنوعة والاحتكاك بالأجهزة والأدوات والمقررات الجديدة.

ولهذه المؤسسات دور مهم في التأثير على الموهبة سلبًا أو إيجابًا. فالمستوى التعليمي والاجتماعي، ومستوى التدين يخلق مناخًا إيجابيًا يحفز الموهبة على الانطلاق، ويختلف الأمر لو سادت اتجاهات التسلط أو الإهمال، أو الحماية الزائدة في الأسرة، واهتمام الوالدين بالاستظهار والحفظ دون القدرات والميول، فكلها أمور تخلق توترات لدى الموهوب، وتعوق انطلاق موهبته.

كذلك توجد اتجاهات أسرية معوقة للموهبة، تتمثل في عدم استثمار وقت الفراغ، وعدم تقدير الوالدين للفكر والعلم، وضعف التفاهم والحوار داخل الأسرة، ووجود اتجاهات تربوية خاطئة مثل التحيز لأحد الأبناء.

وتقضي المدرسة والمؤسسات الاجتماعية على البقية الباقية من الموهبة إذا غاب المناخ التربوي الذي يوفر فرص بناء علاقات اجتماعية مشجعة، ويثير داخل الطفل الموهوب الحافز على إظهار قدراته، وأيضًا في ظل عدم وجود أنشطة تثير الموهبة وسيادة السلوك الثقافي، والاختبارات التقليدية، وعدم استيعاب المعلم لخصائص المرحلة السنية، وسوء العلاقة بينه وبين تلاميذه.

ومن المعوقات المجتمعية ما يسود المجتمع من جو انفعالي يتمثل في الخوف، وافتقاد الثقة والرغبة في الأمن، وقيام وسائل الإعلام بلعب دور سلبي يتمثل في إجهاض إمكانات التفكير والإبداع، وصرف القدرات، وسلب فرص التجريب.

الرابط المختصر :