; النجم الساطع.. والتعتيم الإعلامي | مجلة المجتمع

العنوان النجم الساطع.. والتعتيم الإعلامي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 23-أغسطس-1983

مشاهدات 74

نشر في العدد 634

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 23-أغسطس-1983

• مع أن الكلام لم يعد مجديًا عن التغلغل الأمريكي في المنطقة ومداه وأبعاده، إلا أن ذلك لا يغنينا عن تتبع تطوراته والتعرف على ما يفعله ويقوم به وفي هذا الوقت بالذات.

• وإذا كنا نسلم بأن الحد المسموح به من المعرفة حول حقيقة ما يجري في المنطقة هو حد ضئيل جدًا، إلا أن هذه الضآلة في المذاع المنشور من المعلومات مزعج ومؤرق، ومن آخر ما يتم في هذا القبيل المناورات التي تقوم بها القوات الأمريكية في منطقة تشمل مصر والسودان والصومال وعمان.

• وجدير بالذكر أن هذه المناورات تقوم بها فرقة منتمية إلى قوات التدخل السريع التي أنشئت بخاصة لحماية المصالح الأمريكية، ولا سيما المنابع النفطية في بلاد الخليج. وقد أذاعت الأخبار أن الغرض الأصلي لهذه المناورات هو تدريب القوات الأمريكية على القتال في المناطق الصحراوية، وهذا هدف لا يحتاج إلى تأويل، فليس المعنى بذلك صحراء «كلاهاري»، وإنما الصحراء التي تشمل منابع النفط ها هنا في بلادنا العربية الإسلامية، وبالطبع لم يصدر هذا التصريح عن هذا في المناطق التي ستجري فيها هذه المناورات وإنما صدر في العواصم الغربية.

• ومع نزول «ثمانية» آلاف رجل من القوات الأمريكية بآلياتهم ومعداتهم وتوزعهم على مختلف المناطق التي سيناورون فيها، إلا أن هناك تعتيمًا إعلاميًّا داخليًّا مضروبًا على هذه الخطوات التي تتم والعمليات التي تجري، فالصحف والمجلات المصرية لا تشير للأمر إلا لمامًا، وبعضها تغفله تمامًا، ولولا صحف المعارضة -على علاتها الكثيرة- لأطبقت السلطات بالصمت على الحدث ولمر وانتهى دون أن يشعر به أحد!

• ولئن كانت العمليات العسكرية في عمومها تتسم بالسرية والتكتم، إلا ان هذا لا ينطبق على هذه الحالة الحالية، فنحن نعيش تجربة عملية لغزو مسلح للوطن الإسلامي، وبواسطة أضلاع كبرى من هذا الجسد المسلم مصر والسودان والصومال وعمان، وفي ذلك ما فيه من الأمور:

أولًا- تتيح العمليات الحالية للأمريكان الاطلاع على أسرار منطقتنا العربية الإسلامية عن كثب وخاصة أسرارها العسكرية، وهذا أمر إن قيل إنه كان معلومًا في عمومياته بالنسبة لأعدائنا، إلا أنه لا يجادل أحد في أن كثيرًا من التفاصيل الدقيقة كان محصورًا في دوائره المحدودة، أما الآن فقد انفتح المجال وبصورة علنية ظاهرة للسادة الأمريكان ليقترفوا ما فاتهم من المعلومات العسكرية عن المنطقة.

ويعلم الكثيرون أن مصر على وجه الخصوص كانت مستودعًا لكثير من أسرار المنطقة العسكرية عبر الفترات الماضية التي كانت تطلع فيها بالقيادة، وعن طريقها يمكن للأمريكان التعرف عليها، وسيوفر ذلك عليهم مجهودات لا يمكن تقديرها.

ثانيًا- ولو أن هذه الأسرار العسكرية كانت ستقصر على الأمريكان لهان الأمر قليلًا، ولكنها ستمرر إلى إسرائيل بلا أدنى شك، وسيكون ذلك زادًا لها في جولاتها القادمة معنا -وهي لا بد كائنة- مما يجعل النتيجة محسومة منذ الآن لصالحها.

فهي متفوقة في الميزان العسكري وفي اقتصادها وتقنيتها وصناعتها، وفوق هذا وذاك في إيمانها بعقيدتها على كثرة الباطل الذي يشوبها، فإذا أُنضاف إلى هذا الاطلاع على خفايا الأسرار العسكرية في المنطقة العربية الإسلامية وخاصة قلبها -مصر- فقد استكملت عدة النصر من كل جانب.

ثالثًا- يتزامن هذا مع أحداث هامة تجري في المنطقة والمناطق المتاخمة لها، منها استمرار التصفية للوجود الفلسطيني، وتفاقم الأوضاع في لبنان بما ينبئ باشتعال حربه من جديد ووقوع تقسيمه، ويواكب ذلك محاولات التفتيت الداخلي للمنظمة الفلسطينية.

وتشهد المنطقة أيضًا الأحداث التشادية وتدخل أمريكا من خلال عملائها في زائير وغيرها في سير الأحداث هناك، وفرض ثقل أمريكي معين في السودان بواسطة (500) من الجنود الأمريكان مع عدد من الطائرات والدبابات وناقلات الجنود وطائرتي الاستكشاف بزعم مراقبة الأوضاع على الحدود الليبية السوفياتية التشادية، وستر ذلك الوجود بالمحافظة على الأمن والسلام في المنطقة.

وإن في تجمع هذه الأحداث في هذا الوقت يجعل من مناورات النجم الساطع مقدمة للزحف الأمريكي الشامل على المنطقة.

رابعًا- ويدعم الزعم الأخير الشعار الذي بدأ ترداده في الآونة الأخيرة على لسان مو بوتو سيسي سيكو رئيس زائير، حول ما أسماه بالواجب الأمريكي في المنطقة، وقد صرح بذلك إبان زيارته الأخيرة لأمريكا.

وقد عودتنا الأحداث لمسيرة تاريخنا المعاصر أن تبدأ الهمسات بعيدًا وبطريقة لا يحس بها أحد، ثم تعلو قليلًا قليلًا إلى أن تصبح مسلمة من المسلمات، ولئن بدأ شعار مو بوتو اليوم غريبًا فعما قريب يستأنس به الناس وتتعوده آذانهم، ولا نستطيع الفصل بين إطلاق هذا الشعار وبين التطبيق العملي له عبر مناورات النجم الساطع، ذلك أنه قد أذيع فعلًا قبل زمان أن قوات التدخل السريع -النجم الساطع الآن- إنما أنشئت لحماية منابع النفط، وتفسير الحماية هذا تجده في أمثال ما يرفعه مو بوتو وأمثاله وترجمته العملية في الممارسة المباشرة الآن.

خامسًا- تواصل إسرائيل هذه الأيام مباشرة إعادة علاقاتها مع إفريقيا -ليبيريا وزائير- دون أن يكون هناك مجهود مناسب لصد هذا المد الجديد، فإذا أعادت إسرائيل علاقتها مع بعض الدول الإفريقية وكانت أمريكا مسيطرة على بعضها بطريقة أو أخرى، فذلك يعني أن القبضة قد أحكمت على بلادنا بحكم قانون تبادل الأدوار السائد في العلاقات الأمريكية- الإسرائيلية.

سادسًا- إن في اشتراك إحدى دول الخليج في هذه المناورات يشكل تهديدًا مباشرًا لهذه المنطقة، وكأن أمريكا تحرص على اختيار «عينة اختبار» في كل منطقة إقليمية حتى لا يكون هناك احتمال للخطأ في كل العمليات القادمة التي تنوي مباشرتها في بلادنا!

من أجل هذا:

من أجل هذا تم التعتيم على مناورات النجم الساطع، ولا شك أن هناك كثيرًا مما فاتنا رصده، فنحن لا ننتظر من وسائط إعلامنا العربي أن تحدثنا بشيء من هذا أو شبيهه، ونكاد لا نصدق كل الإدانات والشعارات التي رفعت لأن كثيرًا منها إن لم يكن كلها لا نجد له رصيدًا من المناوأة العملية، وإنما هو كلام والسلام، بل لعل الأفعال والممارسات التي تشمل المنطقة تكاد تدرج حملة الإدانات والشعارات في خانة مجاورة لمناورات النجم الساطع ولكن في شكل إعلامي!

الرابط المختصر :