العنوان النصيحة في الأدب الفارسي
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر السبت 25-أبريل-2009
مشاهدات 86
نشر في العدد 1849
نشر في الصفحة 46
السبت 25-أبريل-2009
إعداد: مبارك عبد الله
لا ريب أن الدراسات المقارنة التي قام بها حسين مجيب المصري تتناول في بعض الأحيان قضايا غاية في الدقة والصعوبة، كما نرى في مقارنته لثلاث شاعرات في الآداب الثلاثة، وهن: « ولادة بنت المستكفي» الأندلسية العربية، و« مهستي» الشاعرة الفارسية و« مهري خاتون»،«الشاعرة التركية» ، وحياة كل منهن تتسم بالغموض والإثارة ولكن «المصري»، يبحث ويدقق في تواريخهن، ويحلل ويفسر طبيعتهن السلوكية والشعرية؛ ليجد في النهاية خطوطاً مشتركة بينهن، أو علاقة إنسانية وأدبية تفسر ذلك الوضع الذي يجعلهن في مجال الندية أكثر من مجال الضدية.
حسين مجيب رائداً للأدب الإسلامي المقارن ( ٤ – ٦)
ونظراً لكثرة القضايا التي تناولها،؟ فسوف نكتفي ببعضها في إيجاز:
النصيحة في شعر الآداب الثلاثة وترتبط الحكمة بالنصيحة في الأدب الفارسي، فالحكمة إصابة الحق بالعلم والعقل، وهى في الإنسان معرفة الموجودات وفعل الخيرات وهذا هو الوصف القرآني للقمان عليه السلام في قوله تعالى:﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَة ﴾ [ سورة لقمان: 12] ، أما الحكمة فتحري فعل أو قول فيه صلاح صاحبه، كما يقول الراغب الأصفهاني في المفردات في غريب القرآن».
وأشهر من تعرض للنصيحة في الشعر الفارسي الشيخ« مصلح الدين سعدي الشيرازي» (ت ٦٩٤هـ)، وهو نجم في سماء الأدب الفارسي، سما بالفارسية إلى ذروة الفصاحة، وكان أدبه موضع إعجاب على مر العصور، ولم يكن ميالا إلى القول في المديح وهذا أهله لأن يكون على خلق تعف نفسه عن الملق ولا يقول إلا الحق ولا عجب أن يجعل من نفسه ناصحاً مرشداً.
وقد ساعد «سعدي» على ذلك تطوافه في الأرض طولا وعرضاً، وانقطاعه إلى العزلة والتأمل بعد أن استوعب فترة الدرس والتحصيل.
لقد ربي «سعدي» الإيرانيين بتراثه الأدبي التربوي الذي تضمنه أدبه شعراً ونثراً، وكان كتابه «كلستان» مثلا، مفروضا على الطلاب للاستفادة بما ورد فيه من نصائح وعظات ....
(*) أستاذ الأدب والنقد
کتاب «النصيحة» لسعدي
يدور كتاب سعدي وعنوانه النصيحة أو «بند نامه» حول مجموعة الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها الإنسان، ويبدأ هذا الكتاب أو هذه المنظومة بأبيات في التوحيد، وأخرى في الثناء على النبي ﷺ يليها خطاب إلى النفس ومدح السخاء، وذم البخل، والتواضع، وذم الكبر، وفضيلة العلم والامتناع عن صحبة الجهال وصفة العدل وذم الظلم، وصفة القناعة، وذم الحرص وصفة الطاعة والعبادة، وذم الشيطان وصفة الوفاء وفضيلة الشكر وغيرها .. ويلي هذه الفصول بيتان يقول فيهما :« يابني إن الدنيا لا تدوم لك، فلا تقض في الغفلة عمرك. فلتكف قلبك عن : لا بقاء لها».
تلك التي وهذا المثال يكشف عن منهج تفكير سعدي، ونزعته في دعوته، ويذكر سعدي بهذين البيتين بأبيات أخرى له في كتابه « كلستان». وفي الأبيات التالية التي قالها تحت عنوان «خطاب إلى النفس» لا يخرج معناها عما قاله في خاتمة كتاب «النصيحة» أو« بند نامه».
« انقضى من عمرك أربعون من الأعوام ومازلت طفلا في نفسك بالتمام واستجبت لهواك ونزعاتك، وما عملت لنفعك في لحظة من لحظاتك. لا تعتمد على عمر لا يقر ولا تأمنن عادية للدهر».
ويغلب طابع الشمولية على ما يقوله سعدي في نصائحه، حيث لا يعلل ولا يسبب وإن كان ينبه بين حين وآخر إلى ما عند الله من حسن الثواب وشديد العقاب، كأن يقول مثلاً في فصل عقده عن الكذب:
«أنى لمن كان من الكاذبين أن يكون من أهل الطاعة يوم الدين؟ من أجرى لسانه في كذبه، عدم النور في مصباح قلبه الكذب مجلبة لخجلة من عار ومسقط عن المرء هيبة الوقار ذو العقل من الكذوب استعر فما كان من عداد البشر، لتأخذ يا أخي من الكذب الحذر إن الكاذب مهين محتقر ليس شيء شرا من كذب وبهتان؛ ففيه ضياع حسن سمعة الإنسان».
وبصفة عامة فإن «سعدي» يميل إلى السلاسة والوضوح بعيدا عن التعقيد والغموض، ولا يحتاج كلامه إلى كد الذهن وإعمال الروية لإدراك فحواه، بل قد يكون معناه ضحلا في بعض الأحيان، لا يخرج منه القارئ بجديد في الحكمة
ومع أن «سعدي»، استخدم كثيراً من مصطلحات الصوفية، فلم يكن صوفيا من أهل الشطح فيما نظم ونثر، بل كان علي النقيض من ذلك، حيث يبدو واقعيا مستمداً من الواقع تجاربه حتى قال بعضهم عن كتابه «كلستان» أو «حديقة الورد» : « إن ورد سعدي ورد الحقيقة وربما أراد أن للحقيقة جمالا في صدقها .... وبصفة عامة فقد كان تصوف سعدي مجرد دعوة إلى تقوى الله بعيدا عن الشطط الصوفي، وهو ذروة التقوى.
و«سعدي» يختلف في تجربته عن« فريد الدين العطار»، ومتصوفة الفرس في المرحلة المتأخرة الذين أخذوا بفكرة الفناء ووحدة الوجود، فقد كان «سعدي» ينصح عن تجربة خاضها بنفسه في الأغلب، ولم يتلقها عن غيره.