العنوان النظام السوري والعد العكسي
الكاتب عبد الرحمن الناصر
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يونيو-1986
مشاهدات 58
نشر في العدد 771
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 17-يونيو-1986
. التضخم في سوريا وحش بات يأكل الأخضر واليابس
المتتبع لمسار السياسة السورية يلاحظ أنه بعد فترة التشدد الذي عاشته هذه السياسة خلال السنوات الماضية بدأ هذا التشدد مسارًا تراجعيًا ملحوظًا تجلي بالتصريحات التي أدلي بها حافظ أسد لصحيفة واشنطن بوست الأمريكية في الشهر الماضي والتي ضمنها عدة نقاط منها:
- موقفه من القضية اللبنانية: حيث كان النظام السوري يؤكد على دوره الرئيسي على الساحة اللبنانية.. وأن مفتاح حل الأزمة اللبنانية موجود بدمشق.. ومن هذا المنطلق كان ظهور ما سمي باتفاق دمشق الثلاثي الذي تضمن حلًا سوريًا للازمة اللبنانية وقعت عليه الأطراف المتنازعة الرئيسية أمل والدروز والنصارى.. ولكن هذا الاتفاق لم يشهد النور نظرًا لاستيلاء سمير جعجع على قيادة الميليشيات المسيحية وإقصاء يلي حبيقة.. ورغم التهديدات السورية المتكررة لسمير جعجع إلا أن الموقف السوري كان متخاذلًا إلى حد السكوت نهائيًا عن تصرفات جعجع الذي أعلن رفض الميليشيات المسيحية لاتفاق دمشق الذي كان يعطي سوريا دورًا كبيرًا في توجيه السياسة اللبنانية الداخلية والخارجية على السواء...
ولهذا نجد أن حافظ أسد يقول في تصريحه لصحيفة الواشنطن بوست: إنه إذا لم يكن اللبنانيون و «يقصد النصارى» راضين عن اتفاق دمشق الثلاثي فليس لديه ما يمنع من إعادة النظر في ذلك الاتفاق ليكون مقبولًا من كافة الأطراف. «وكان هذا أول تراجع في سياسة النظام السوري».
موقفه مما أثير حول احتمالات وقوع مواجهة عسكرية بين سوريا وإسرائيل: لقد شهدت المنطقة مؤخرًا حملة إعلامية مكثفة تناولت احتمالات الحرب وجعلت سوريا هدفًا مشتركًا لأمريكا وإسرائيل.. وكان النظام السوري يغذي هذه الحملة من خلال الإعلام السوري والإعلام المتحالف معه في المنطقة إضافة إلى مشاركة الإعلام اليساري بهذه الحملة بهدف توظيفها لصالحه وصالح السياسة السوفياتية التي أطلت برأسها من خلال تصريحات المساندة والتأييد لسوريا في مواجهتها للعدوان المرتقب... وفجأة وبدون أي مقدمات يعلن حافظ أسد في تصريحه لصحيفة واشنطن بوست: أنه لا يعتقد أن هناك ثمة مواجهة مرتقبة بين سوريا وإسرائيل وأنه لا يوجد أي دليل على توفر إمكانات حدوث مثل تلك المواجهة.. وقد دفعت تصريحات الأسد شمعون بيريز رئيس وزراء العدو لإعلان ترحيبه لمواقف حافظ أسد وواقعيته.. ووصفه بأنه رجل دولة يمكن التعامل معه.. «وكان هذا هو التراجع الثاني للنظام السوري».
- موقفه من قضية التضامن العربي: المعروف أن النظام السوري كان يقف حجر عثرة أمام أي توجه نحو الوصول إلى تفاهم عربي.. وكان يرفض باستمرار تحقيق أي شكل من أشكال الاتفاق... ولهذا كان يسعى دائمًا إلى إحباط أي مساع وجهود تبذل لعقد مؤتمر قمة عربية... بل ذهب إلى حد التحالف مع إيران ضد العراق رغم اختلاف التوجهات العقائدية لكل من النظامين السوري والإيراني «استنادًا للشعارات التي يطرحها النظام» ... ولهذا كان تحرك حافظ أسد تجاه الملك حسين من أهم المفاجآت على الصعيد العربي.... وتكمن أهمية هذا التحرك في أنه أعطى حافظ أسد فرصة لإعلان استعداده لبحث الأوضاع العربية المتدهورة من خلال استعداده للمشاركة في مؤتمر قمة عربية وكذلك بحث العلاقات المتأزمة بين نظامه والعراق... وبحث تحالفه مع إيران.... وأيضًا استعداده للمشاركة في أي مبادرة جديدة لتسوية أزمة الشرق الأوسط من خلال مؤتمر دولي.. «وكان هذا ثالث تراجع للنظام السوري».
هذه بعض التراجعات في سياسات النظام السوري ... ولكن ماذا عن الأسباب التي دفعت النظام نحو هذه التراجعات؟
لماذا يتراجع النظام؟
إنه مما لا شك فيه أن تلك التراجعات تدل على وجود أكثر من خلل في بنية النظام السوري وبالتالي فإن أسباب ذلك التراجع في السياسة السورية تكمن في ذلك الخلل الذي يعاني منه النظام على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والأمنية ... وبالتالي فإن تراجع النظام يعود إلى:
- العزلة السياسية: التي يعيشها النظام السوري بسبب طبيعة توجهاته السياسية على الساحة العربية من لبنان إلى حرب الخليج... حيث إن معظم هذه التوجهات كانت تقابل بالرفض من جانب الأنظمة العربية... وقد تولد عن هذا الرفض حاجز من الشك وعدم الثقة بين تلك الأنظمة والنظام السوري الذي بات يعاني من هذه العزلة... وقد وصلت المعاناة إلى الحد الذي لم يعد بإمكان النظام تحملها.
- الأزمة الاقتصادية التي تعيشها سوريا في الوقت الراهن والتي لم تشهد لها سوريا مثيلًا من قبل.. وقد وصلت الأوضاع الاقتصادية السيئة إلى حد الكارثة حيث الخزانة السورية لا تملك سوى ٥٠ مليون دولار وهذا يعني أنها غير قادرة على استيراد حتى الاحتياجات الضرورية من غذاء ودواء.... وقيمة الليرة السورية في تدهور مخيف... والتضخم أصبح كالوحش الذي يأكل الأخضر واليابس.. ولقد باءت كل محاولات إنقاذ الاقتصاد السوري بالفشل. وحتى محاولات النظام لدفع المغتربين السوريين للاستثمار في سوريا لم تنجح بسبب انعدام الثقة في توجهات النظام الاقتصادية والسياسية.
- الأوضاع الداخلية: فرغم تمكن النظام من السيطرة على الحكم طوال الستة عشر عامًا الماضية إلا أن حقيقة هذه السيطرة تكمن في لجوء النظام إلى استعمال القوة وتجنيد عشرات الآلاف من المخبرين والمباحثين لتتبع كل صغيرة وكبيرة وذلك من خلال الأجهزة الأمنية المتعددة التي باتت تشكل عبئًا على النظام نفسه نظرًا لتعددها وتشابكها ونفوذ قادتها وعناصرها... والوضع المتشابك لهذه الأجهزة بات ينعكس سلبيًا حتى على قدراتها الأمنية، والتفجيرات الأخيرة أثبتت مدى فشل هذه الأجهزة في توفير الحماية اللازمة... إضافة إلى تحرك العديد من القوى داخل النظام الطامعة في الخلافة... وما ذكرناه هو بعض العوامل التي تعتقد أنها تقف وراء تراجعات النظام ومن المؤكد أن دور القوى الدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة ليس بعيدًا عن تلك العوامل نظرًا لطبيعة ارتباطات النظام بتلك القوى... وعلى العموم فإن التراجعات الحالية لا تشكل سياسة ثابتة نظرًا لأن ما عهدناه من مناورة وخداع في سياسات النظام يدفعنا إلى توقع لجوء النظام إلى التراجع العكسي في أي لحظة.