العنوان النظام العالمي.. واختراع فكرة الإرهاب
الكاتب عبد الرحمن فرحانة
تاريخ النشر السبت 08-مايو-2010
مشاهدات 70
نشر في العدد 1901
نشر في الصفحة 66
السبت 08-مايو-2010
على إثر سقوط الاتحاد السوفييتي وانهيار سور برلين دخل العالم في نسق دولي جديد؛ تولت الولايات المتحدة تنسيق شؤونه ومحاولة صياغته بحسب أهوائها، وكان الميلاد المعلن حينما وقف «جورج بوش الأب» في الخامس من مارس عام ١٩٩١م مؤكدًا أن حرب الخليج الثانية كانت الاختبار الأول لنظام عالمي جديد تقف أمريكا على قمته.
وعبر أداتها (العولمة) بفضائها الواسع ؛ قامت واشنطن بمحاولة تصميم النظام العالمي بمقاسات ومعايير تضمنت مفاهيم «عولمية» غير قابلة للنقاش، فعملت على فرض اقتصاد السوق كنموذج وحيد للاقتصاد العالمي، واعتبرت أن الديمقراطية والنهج الليبرالي هما المسار القسري للنظم السياسية في العالم، وأعادت تراتيبية تأثير المؤسسات الأممية بحيث همشت الجمعية العامة للأمم المتحدة والأمانة العامة بما فيها الأمين العام وكذلك منظمة العدل الدولية، ورفعت من شأن مجلس الأمن ودوره كي تستخدمه كأداة تسهل عليها الإمساك بالقرار الدولي، وبحجة أن القرن الجديد مهدد بأن تسحقه الفوضى والتكنولوجيا المعززة بدوافع أيديولوجية وتعصب وطني وديني؛ تدخلت في هيكلة نظام القوة العالمي عبر ما سمته محاربة الإرهاب ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل؛ كي تضمن لنفسها ولدول المركز الغربي القوة والهيمنة على العالم، أكثر من ذلك، أجازت لنفسها التدخل في شؤون الدول وجرحت سيادتها بحجة «حقوق الإنسان» و «الأقليات»، والفرض أجندتها السياسية استخدمت القوة المفرطة وعبر نطاق واسع وخارج نطاق القانون الدولي في ظل ما عرف بنظرية الضربة الاستباقية.
اشتمل النظام على تركز السيطرة الاقتصادية في دول المركز على رأسها دولة «السوبر بور» الولايات المتحدة الأمريكية، محاطة بدول الأطراف التابعة في مدارات بحسب قواها الاقتصادية وثقلها الإستراتيجي، وجرى العمل على هدم فكرة الدولة القومية لصالح الدولة العالمية لضمان سريان مفعول العولمة (الأمركة) الثقافية والسياسية وحتى العسكرية بسلاسة في الفضاء الدولي.
على الصعيد الاجتماعي، نفذت أجندة عريضة من ضمنها التركيز على ضبط المواليد عبر وسائل منع الحمل، وحتى الدعوة إلى العبث بالخصوبة البشرية باستخدام الهندسة الوراثية إن أمكن، بغية تخفيض الثقل الديمجرافي الذي تشكله الدول الطرفية التي تمتاز بخصوبة مجتمعاتها مقابل شيخوخة المجتمعات الاقتصادية المترفة، والهدف هو التحكم في الإيقاع الجيوستراتيجي للنظام الدولي، لبقاء الهيمنة لواشنطن ودول المركز المشتركة معها في الهيمنة.
ثقافيًا، عملت الماكينة الإعلامية الغربية والأمريكية على وجه الخصوص على ترويج ما يسمى ب «ثقافة السلام» ومناهضة الثقافات العقدية والأيديولوجية، لتشكيل ثقافة عالمية تتوافق عليها البشرية للوصول لفكرة «المجتمع العالمي» المتجانس الثقافة، وقد عبر الرئيس «كلينتون» عن ذلك قائلًا: «إن أمريكا تؤمن بأن قيمها صالحة لكل الجنس البشري، وإننا نستشعر أن علينا التزامًا لتحويل العالم إلى صورتنا».
ولأن الثقافة الإنسانية تأبى التنميط وترفض الصياغة على نسق واحد كما تقتضيه سنن الاجتماع الإنساني؛ قامت ثقافات حيوية بمعاندة العولمة الثقافية الأمريكية، وأكثرها ممانعة كانت الثقافة الإسلامية والمواجهة هذا التمرد الثقافي صيغت تهم على هيئة قوالب ثقافية تتهم المقاومة الثقافية الإسلامية لشيطنتها، مثل: مصطلحات «الأصولية»، و «التطرف»، و«محاربة الإرهاب». واقتضى المصطلح الأخير برنامجًا عالميًا عريضًا ومعقدًا مازلنا نعيش في ظلاله.
قام البرنامج على أساس اختراع عدو أخضر - والتعبير صناعة صهيونية - هو الإسلام، وحتى لا يتصادم الغرب مع الشعوب المسلمة وهويتها؛ عمل على التفريق بين التيارات الناشطة لإحياء المشروع الثقافي الإسلامي - الإسلاميون - وبين الشعوب المسلمة، من خلال ابتكار مصطلح «الإسلام السياسي»، المحاولة إبطاء الأسلمة في المجتمعات الإسلامية، وتم تصنيف الناشطين لبعث الفكرة الإسلامية إلى «معتدل» يتعايش مع السلطة بشكل أو بآخر، وآخر «متطرف» صممت لمواجهته حرب الإرهاب الجارية حتى الآن.
وكصورة من صور صناعة الإرهاب التي تم هندستها المحاربة الظاهرة الإسلامية الممانعة للعولمة أورد لكم ما نشره موقع (Press Pakalert) وهو مركز دراسات أمريكي يعنى بالملفات الساخنة في العالم، في ديسمبر الماضي من دراسة لافتة تؤكد أن «إسرائيل» هي التي نفذت هجمات 11/9/2001م في أمريكا بتعاون مع اليمين الأمريكي واستنادًا إلى أدلة جديدة ناقشتها الدراسة، ولعل من أبرز ما تضمنته هذه الدراسة نقل تصريحات الرئيس الإيطالي الأسبق «فرانشيسكو كوسيغ» الذي أعلن في حوار مع صحيفة «كوريري دي لا سييرا» أن هجمات «سبتمبر» تمت بإدارة من الموساد، وأن هذا الأمر أصبح معروفًا من قبل وكالات الاستخبارات في العالم، مؤكدًا أن جميع وكالات الاستخبارات في أمريكا وأوروبا تعرف جيدًا أن هذه الهجمات كانت من تدبير جهاز الموساد وتخطيطه، بالتعاون مع أصدقاء «إسرائيل» في أمريكا، بغية توجيه الاتهام إلى الدول العربية، ومن أجل حث القوى الغربية على المشاركة في الحرب في العراق وأفغانستان.
مع ذلك، لم تفرح أمريكا بعالمها الجديد، فهي تغوص الآن عميقًا في وحول أفغانستان والعراق وحتى باكستان، وتعجز عن لجم طهران المتمردة، ولا تجد حلًا ناجعًا لقوى المقاومة التي تعطل مشروعها في المنطقة، ناهيك عن الكسر العظيم الذي خلفته الأزمة المالية لقائمتها - رجلها - الاقتصادية، فالفضاء الدولي اليوم في حال أشبه بالفوضى بلا نظام وواشنطن تحاول جاهدة وضع وصياغة الأجندة الدولية، لكنها غير قادرة على فرضها، وهي تقف الآن على عتبة أفول النفوذ، وسلوكها مع منافسيها الدوليين يؤكد هذا الاستخلاص. أما ما يبدو من سطوة بادية حتى الآن فهي من بقايا الماضي، ولن تستمر طويلًا.
(*) كاتب وشاعر فلسطيني
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل