العنوان النظام العربي الرسمي نهايات طرق أم بدايات أفق؟
الكاتب إبراهيم أبو الهيجا
تاريخ النشر السبت 12-أبريل-2003
مشاهدات 57
نشر في العدد 1546
نشر في الصفحة 20
السبت 12-أبريل-2003
من قمة القاهرة المنعقدة تحت ضغط الدم الفلسطيني المنتفض، إلى قمة شرم الشيخ التي انعقدت تحت ضغط هول ما يحيق بالشعب العراقي، لا يزال العرب الرسميون حائرين في كيفية الخلاص من الورطتين العراقية والفلسطينية، فلا هم قادرون على الانحياز للعراقيين والفلسطينيين كما يجب، ولا هم يريدون قطع أحبال الود مع الولايات المتحدة كما يُفترض، وهم بالرغم من عظم التحديات لايزالون مشغولين بإجراء الموازنات بين الغضب الشعبي والرضا الأمريكي، وعلى الرغم من القرارات الباردة التي لا تناسب بحال سخونة الأحداث العراقية والفلسطينية، إلا أن مقررات القمم السابقة والحالية بقيت شعارات تتردد صباح مساء ليثبت البعض لشعوبهم أن قلوبهم مع الفلسطينيين والعراقيين، لكن سيوفهم - طبعًا -ما زالت في غمدها.
الآن.. النظام العربي الرسمي على أعتاب مرحلة حاسمة لا مكان للاختباء منها أو التلون، ولا سبيل للهروب، وإذا لم يكن الزعماء على قدر المرحلة، فإن المرحلة ستتجاوزهم والشعوب لن تسكت عنهم.
التحديات
نحن لا نبالغ في الاستنتاج ولا نريد أن نعطي آمالًا خادعة، فلقد شاءت الأقدار أن تصبح هذه المرحلة صعبة التبرير سافرة التحدي، والتحايل عليها سيكون انتحارًا عاجلًا أم آجلًا.
1- فالكيان الصهيوني أنتج مرة أخرى شارون المعروف بمواقفه السياسية وتاريخه الدموي، ولا سبيل لتجميل صورته وإقناعنا بحسن مظهره، وما فعله حتى اللحظة كافٍ لكل عاقل ليحكم على مواقفه وحدوده السياسية في التعاطي مع أي تحرك سیاسي.
٢ - والولايات المتحدة أسفرت هي الأخرى عمَّا يجول في أروقتها ولكل ما تفتقت عنه الرؤى اليمينية المسيحية، فهي سافرة العداء لكل مسلم وعربي، ولاسيما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وهي جادة بصوغ المنطقة من جديد وبعدها ستفرض التسوية المذلة على العرب، وهي بالمناسبة لا تطمح فقط إلى تغيير المنطقة، بل إلى تغيير عقولنا أيضًا عبر قيم معروفة فقط في المعجم الأمريكي لديمقراطية الآخرين وحريتهم.
٣- أوهام التسوية التي رُوجت بحجة موازين القوى أو الجدوى الاقتصادية هي الأخرى سقطت وانكشف زيفها ولم يعد يراهن عليها عاقل، والمقاومة التي كانت خيار جانب من الشعب الفلسطيني اصبحت خيارهم الوحيد، والاحتلال غدًا واقعًا وواجب المقاومة والذود عن البيت لا مفر منه لدى الفلسطينيين، ولذا فدائرة المقاومة والاحتلال لا يمكن أن تتوقف بعوامل الخداع أو الضغط أو الحلول الهامشية أو الصيغ الغامضة.
٤- أما اليسار الصهيوني المراهن عليه من بعض العرب الرسميين فقد وصل إلى نهاية حدود عطائه، فقوته في الشارع الإسرائيلي بائسة وطروحاته السياسية لا تلامس أدنى ما يطمح إليه أنصار التسوية من العرب. لقد انكشف اليسار الصهيوني ولن يستطيع أحد أن يخدعنا بأفضليته على اليمين.
5 - أما طروحات الدولة الفلسطينية فقد أصبحت مجردة من مضمونها لأنهم لا يريدون إعطاءنا دولة سيادية بل دولة هشة «لا حدود ولا سيادة ولا ترابط حقيقيًا»، وكل مقترحات التسوية قابلة للنقاش عندما يتعلق الأمر بما هو لنا، بينما هو حرفي عندما يتعلق الأمر بما هو علينا.
المتغيرات: إلى جانب هذه التحديات ثمة متغيرات جادة بل هي رياح عاتية تحيط بالنظام العربي الرسمي من كل جانب:
1- فثمة متغير في عالم التاريخ تفصح عنه العولمة وآفاقها وحقائقها وتحدياتها وحتى فرصها، والعرب ما زالوا مختلفين حول تعريفها.
٢ - وفي عالم الجغرافيا، لم يعد هناك مكان لصمود الدول القطرية، وثمة اتجاه أكبر للتكتلات للصمود في وجه المتغيرات والعرب مازالوا يتمترسون أكثر حول قطريتهم ويزدادون تبعية لمن هم أقوى منهم.
3- وفي عالم الحقوق والحقائق، لم يعد الشعب غافلًا عن حقوقه السياسية ولا الاجتماعية، وبات أكثر نضجًا ووعيًا لحقائق اليوم ولما يدور حوله من أحداث، ولم تعد الأخبار الرسمية قادرة على الخداع، ولم تعد شعارات الوطنية مبررًا ليتحكم في رقابنا أحد، وثورة الاتصالات وما تعنيه من تدفق هائل للمعلومات جعلتنا أكثر نضجًا ووعيًا.
٤ - وفي عالم القوة ثمة متغيرات في مفهوم الهيمنة، فلم تعد الولايات المتحدة القوة الأحادية التي لا يستطيع أحد الوقوف ضدها أو على الأقل الصمود في وجهها، وثمة تململ من غرورها، تجد أصواته في شوارع الصين وأوروبا واليابان، ولم يعد السلاح النووي حكرًا على أحد، فقد أصبح شائعًا ومن الممكن الحصول عليه، لذا اختلفت مفاهيم الحروب المتوازية والتقليدية، وبالتالي اختلفت كثيرًا معطيات العلاقات الدولية القديمة المكدسة في كراسات أكاديميات السياسة.
5- وفي عالم الاقتصاد، أصبحت حاجات الناس أكبر مما تنعم به القروض الأمريكية، ثمة وعي للثروات الوطنية، ثمة وعي للفساد والنهب، ولم يعد فهمنا يقتصر على لقمة عيشنا والسلام بين أهلنا دون اكتراث بأوطاننا.
6- وفي عالم الفكر، أصبحت الصحوة الإسلامية ماثلة ومتقدمة، صحيح أنها تعاند تيار الأمركة وتيار الأنظمة.. ولكنها متقدمة، صحيح أن ثمة أخطاءً هنا وهناك في تجربتها، ولكنها أصبحت تتعلم من أخطائها وتخاطب العالم بأصالتها وفكرها المتين، لم يعد تجاهلها أو سحقها ممكنًا لأنها أصيلة في شعبها.
الإدراك
بين هذه التحديات والمتغيرات هل يدرك معظم العرب الرسميين ذلك؟.. المراهنة صعبة عليهم لعدة
أسباب أهمها:
1- إصرار على الاستبداد في القرار والحكم حتى آخر رمق.
2- إصرار على إمكانية التسوية مع «إسرائيل».
٣- وإصرار عجيب على تحدي قوانين التاريخ والزمن.
4- ومحافظة كارثية على معسكرات الأعداء والأصدقاء.
5- والأغرب إعطاء المزيد من الفرص لشارون وبوش رغم سخونة الدم الفلسطيني، وتململ الشعب العربي وتوتر المشهد الإقليمي والدولي، فثمة حساب ما زال عندهم لقوة إسرائيل وقروض الولايات المتحدة....
المطالب: بالعموم رغم ما حدث من مذابح بحق الفلسطينيين ويحدث من مذابح بحق العراقيين، لم يطلب أحد من العرب الرسميين خوض الحروب وحشد الجيوش، فقط المطلوب منهم هو أمران:
1 - القليل من السلاح والغذاء والدواء للفلسطينيين.
٢ - وقليل أخر من المواقف السياسية الجادة مثل ورقة المقاطعة الشاملة مع «إسرائيل»، أو تهديد المصالح الأمريكية، وأدنى الواجبات طرد السفراء الصهاينة من بلادهم.
هذا قليل من المواقف التي من الممكن أن تنقذ رجال النظام العربي الرسمي من التحديات والمتغيرات التي ستتجاوزهم إن لم يدركوا حقيقتها، سواء بفعل الشعوب التي لن تسكت عن مظالمها أو بفعل الأمريكان الطامحين لتغيير جنود اللعبة القدماء.
الأفق
عندما لا تستشعر الأنظمة ألم أمتها ولا تستجيب لأدنى طموحات شعبها، وتبقى تساير التيارات الوافدة والظروف الطارئة خوفًا من إغضاب أحد... وعندما تعالج هذه الأنظمة الأحداث الساخنة بالمواقف الباردة، أو تقيس مواقفها الحاضرة بموازينها السابقة دون إدراك للتغير أو فهم لحجم التحدي، فاعلم أن هذه الأنظمة عند نهاية طريقها، ولكن نهايات طرق ليست متشائمة كما يتصور البعض، بل هي بدايات أفق كما نتصورها نحن، لأن «نهاية أحد هي بداية الآخر»، والبداية إذن هي لحضارة الأمة وآمال الشعوب، وبالتالي انتصار لمنطق الحقوق العربية مهما كانت ضعيفة قياسًا بقوة الباطل وأهله، هذه ليست صورة «كاريكاتورية» جميلة ولا نهاية لقصة سعيدة لفيلم عربي، بل هي الحقيقة والأفق الذي نراهن عليه ويجب أن نبني عليه آمالنا.