العنوان النفط سلعة استراتيجية.. وهكذا يجب أن تبقى
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أبريل-2000
مشاهدات 59
نشر في العدد 1395
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 11-أبريل-2000
استحوذت قضية أسعار النفط على اهتمام العالم في الفترة الأخيرة بعد الارتفاع الملحوظ في الأسعار، التي كانت قد وصلت إلى مستوى متدن جدًا منذ عام واحد تقريبًا قبل أنتعاود الارتفاع.
وقد أسفر الاجتماع الوزاري الأخير لمنظمة الدول المصدرة للنفط أوبك عن اتجاه، لزيادة إنتاج النفط بمعدل ۱٫۷ مليون برميل يوميًا يمكن أن تسهم في خفض الأسعار أو على الأقل منع زيادتها.
وفيما يتعلق بسلعة النفط التي يرتبط بها مصير اقتصادات عدد من الدول العربية والإسلامية، فإن هناك عددًا من النقاط التي تحتاج إلى بيان وتأكيد:
أولًا: أن النفط ليس مجرد سلعة اقتصادية، شأنها شأن المشروبات الغازية أو الشكولاتة، ولكنها سلعة إستراتيجية مهمة لها استخدامات سياسية، وقد سبق استخدامها كسلاح في حرب أكتوبر عام ۱۹۷۳م، فاثبت هذا السلاح فاعليته، وكان له تأثيره الكبير على سير المعركة آنذاك.
ثانيًا: أن غيرنا من الدول يستخدم ما لديه من سلع أو منتجات استخدامات سياسية، ومن المعروف دور القمح كسلعة استراتيجية تستخدمها الدول المصدرة وعلى وجه الخصوص الولايات المتحدة في الضغط على الدول المستوردة وتوجيه سياستها حسب رغبة الدول المصدرة، كما أن التقنيات العالية كالسوبر كمبيوتر وحتى الطائرات تخضع لرقابة صارمة ولا يتم تصديرها، إلا بعد موافقات سياسية من الدول المنتجة.
ثالثًا: أن تحديد أسعار النفط لا يجوز أن يخضع لما تحاول أن تمليه الدول المستهلكة، وبصفة خاصة بعض الدول الغربية الصناعية، وهذه ترى أن لها الحق في تحديد السعر المناسب لبرميل النفط وفق ما يناسب اقتصاداتها ورفاهية مواطنيها، وان لها الحق في العمل بكل الوسائل للوصول إلى ذلك السعر المنشود، وهذه نظرة أحادية تمثل وجهة نظر المستهلك وحده دون حساب المصالح الدول المنتجة، ودون اعتبار لمفهوم الشراكة الاقتصادية الذي يحاول الغرب ترويجه، ولكن يفشل في تحقيقه، إن الأولى بتحديد السعر المناسب للنفط هو الدول المنتجة كما هو الحال في شأن كل السلع الأخرى التي لا تتدخل الدول المستهلكة في تحديد أسعارها.
إن أسعار النفط لم ترتفع بصورة مطردة وثابتة شأن السلع الأخرى (والغريب أن النفط لم يدرج ضمن السلع الاستراتيجية في منظمة التجارة العالمية) ويقول ريتشارد هاس كبير خبراء السياسة الخارجية في معهد بروكنجز في واشنطن: إن أسعار النفط الحالية ليست عالية إذا ما قورنت بمتوسط الأسعار في العقود الثلاثة الأخيرة، أخذين في الحسبان عامل التضخم، فلماذا إذن يمارس الغرب الضغوط السرية والعلنية لخفض سعر النفط؟ ولماذا تقود الولايات المتحدة الدبلوماسية الخفية، عشية اجتماع أوبك الأخير في جنيف ويقوم وزير الطاقة الأمريكي بيل ريتشاردسون بجولة على الدول المنتجة من أجل زيادة الإنتاج وصولًا إلى هدف خفض الأسعار؟، وهل تقبل الولايات المتحدة إذا وجهت لها المطالب الدولية بزيادة إنتاج القمح أو اللحوم أو عدم إلقاء الفائض في البحر وطرحه في الأسواق ليسد احتياجات الشعوب الفقيرة والمناطق التي تعاني من المجاعة؟
بل الغريب أن يقر مجلس النواب الأمريكي مشروع قانون يمنح الرئيس الأمريكي صلاحية قطع المساعدات عن دول أوبك ووقف مبيعات الأسلحة عن الدول التي تشارك في رفع أسعار النفط أو تثبيتها، وبذلك يعطي الكونجرس للولايات المتحدة وحدها حق تحديد أسعار النفط ويسلب هذا الحق من أصحاب النفط.
رابعًا: إنه حين تدهورت أسعار النفط قبل عام لم تفكر الدول الغربية المستهلكة في التدخل للبحث عن سعر عادل ومنصف علمًا بأن معظم الدول المنتجة أصيبت حينها بنكسة خطيرة، وخاصة أن معظم هذه الدول يعتمد على النفط كمصدر رئيس أو وحيد للدخل القومي.. ومع ذلك فقد ترك الغرب تلك البلدان تعاني وحدها ونسي أيضًا الشراكة الاقتصادية المزعومة، ولكنه يتدخل فقط حين يكون اتجاه الأسعار الصالح الدول المنتجة.
خامسًا: ويلاحظ أيضًا أن انخفاض أسعار النفط لا يستفيد منه المستهلك على الإطلاق، بل إن اتجاه أسعار النفط المكرر ومشتقاته ومنتجاته أخذ في الزيادة المستمرة بسبب الضرائب الحمائية، التي تفرضها الدول المستهلكة والتي تحد من قدرة الدول المنتجة للنفط ومشتقاته على المنافسة الحرة في الأسواق، وهكذا لا يشعر المستهلك بأي مزية من انخفاض أسعار النفط، وإنما يتسرب القسط الأكبر من تلك الفروق إلى شركات النفط العملاقة.
سادسًا وأخيرًا: فإن النفط سلعة غير متجددة وهي معرضة للنضوب، ومن ثم فهي ثروة نادرة لهذا الجيل وللأجيال المقبلة التي لها الحق في الاستفادة من عائداته سواء الحالية أو المستقبلية الحالية، بأن يتم توجيه عوائد النفط لبناء اقتصاد قوي وتحقيق تنمية شاملة، أو المستقبلية بأن يدخر لهم نصيب من تلك الثروة.
إننا نرى دولًا أخرى تحرص على بقاء ثرواتها في باطن الأرض، وبعضها يملك احتياطيات كبيرة من النفط ولكنه يلجأ إلى شرائه حفاظًا على ما لديه من ثروات، ومن باب أولى أن تضع سياساتنا ذلك الجانب في الاعتبار.
إن الدراسات تشير إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي ستحتاج قريبًا إلى توفير ما يقرب من مليون فرصة عمل سنويًا للقوى العاملة الشابة التي تستعد لدخول سوق العمل، وتوفير هذه الفرص يحتاج إلى أموال ضخمة لا يمكن توفيرها إلا من عوائد النفط وعليه، فإن الحفاظ على تلك المزية النسبية المتمثلة في امتلاك حصة وافرة من سوق النفط العالمي أمر مهم للغاية، وتترتب عليه قضايا تمس الحاضر والمستقبل القريب والبعيد.
لقد حبا الله عددًا من الدول العربية والإسلامية تلك الثروة المهمة وعليها أن تحفظ نعمة الله، بأن تحسن توظيف تلك السلعة فيما يفيد شعوبها والإسلام والمسلمين ورسالتهم في العالمين كما نأمل ألا تتأثر الدول المنتجة، بأي ضغط خارجي لا يبحث إلا عن مصالح أصحابه ولا يسأل عن مصالح دولنا وشعوبنا..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل