; إعجاز القرآن في رسائل النور (٣ من ٦) النقش المعجز | مجلة المجتمع

العنوان إعجاز القرآن في رسائل النور (٣ من ٦) النقش المعجز

الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود

تاريخ النشر السبت 13-أغسطس-2011

مشاهدات 52

نشر في العدد 1965

نشر في الصفحة 50

السبت 13-أغسطس-2011

  • النظم القرآني يسميه النورسي بالنقش المعجز أو النقوش التي تحصل من نسج خطوط بنسب متفاوتة
  • التكرار والإطلاق والحذف والإطناب والإفراد والجمع والتشبيه ونظم الجمل.. من الإعجاز في القرآن

هذا النظم القرآني هو ما يسميه بديع الزمان سعيد النورسي بالنقش المعجز، أو النقوش التي تحصل من نسج خطوط نسب متفاوتة قرباً وبعداً، ظهوراً وخفاء، فالإعجاز كما يراه النورسي هو النقش الذي ضرب عليه المثال السابق الذي رأيناه في سورة الفاتحة.

وفي ثنايا الكتاب (إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز) تقابلنا مفردات كثيرة تشير إلى نواح إعجازية عديدة، بالإضافة إلى قضايا الإعجاز الرئيسة ومنها: تعريف القرآن، حكمة التكرار في القرآن، سر الإطلاق والحذف، الإطناب، الإفراد والجمع، أغراض التشبيه والتمثيل في القرآن، حكمة التمثيل، دفع شبهات عن القرآن، هل يمكن معارضة القرآن؟ نظم الجمل مع بعضها، لم لا يرى المنافق الإعجاز؟ الالتفات، الإعجاز في قصص الأنبياء، مع الوقوف في معظم صفحات الكتاب عند وجه الإعجاز في آيات مختارة من القرآن الكريم ووجه النظم المعجز فيها من خلال تفسيرها.

ثم نراه في كتاب الإشارات هذا يتوقف عند اثنتي عشرة مسألة يوضح من خلالها الإعجاز القرآني، وهي:

۱- نظم المعاني 

٢- السحر البياني

3- أسلوب الكلام 

٤- قوة الكلام

5- مستتبعات الكلام 

٦- أنواع المعاني

۷- نواة الخيال 

٨- تعدد المعاني

٩- أعلى مراتب البلاغة

١٠- سلاسة الكلام

۱۱- سلامة الكلام

١٢- أنواع الأساليب

ومن أمثلة المعالجة لهذه المسائل، ما كتبه عن قوة الكلام في المسألة الرابعة ،يقول النورسي: «أعلم أن الكلام إنما يكون  ذا قوة وقدرة إذا كان أجزاؤه مصداقًا لما قيل: عباراتنا شتى وحسنك واحد.. وكل إلى ذلك الجمال يشير بأن تتجاوب قيودات الكلام ونظمه وهيئته، ويأخذ كل بيد الآخر ويظاهره، ويمد كل بقدره الغرض الكلي مع ثمراته الخصوصية، كأن الغرض المشترك حوض يتشرب من جوانبه الرطبة، فيتولد من هذه المجاوبة المعاونة، ومنها الانتظام، ومنه التناسب، ومنه الحسن والجمال الذاتي، وهذا السر من البلاغة يتلألأ من مجموع القرآن لاسيما في قوله تعالى: ﴿المَ۞ ذَلكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة:١-٢)، كما سمعته مع التنظير بقوله: ﴿وَلَئِن مَسَتَهُمْ نَفْحَةٌ مَنْ عَذَابٍ رَبِّكَ﴾ (الأنبياء:٤٦)(١).

رسالة المعجزات

وفي مجلد الكلمات، يتابع مسيرته في الحديث عن أوجه الإعجاز القرآني من خلال الكلمة الخامسة والعشرين، التي يسميها «رسالة المعجزات»، وفقا لمنهجه في تتبع الدلالة العميقة للألفاظ والبناء اللغوي، متأثراً في ذلك بالإمام عبد القاهر الجرجاني، حيث تظهر المصطلحات النحوية كثيرا، وهو يفسر ويستكشف الإعـجـاز فـي الآيـة التي يتناولها، ويقترب في «الكلمات» من العلماء القدامى الذين عالجوا أوجه الإعجاز من خلال مفردات بلاغية، وإن كانت روح النورسي تفرض وجودها على تعبيراته، بل على ألفاظه، ومصطلحاته، وتشبيهاته، كما نرى على النحو التالي في «رسالة المعجزات».

إنه يتناول الموضوع من خلال ثلاث شعل:

الشعلة الأولى؛ وتتضمن ثلاث أشعة:

الأول: بلاغة القرآن معجزة.

الثاني: جامعيته الخارقة.

الثالث: الإخبار عن الغيب.

الشعلة الثانية؛ وتتضمن ثلاثة أنوار:

الأول: سلاسة الجمل.

الثاني: عشر مزايا بلاغية.

الثالث: عدم القياس بأي كلام آخر.

الشعلة الثالثة وتتضمن ثلاثة أضواء:

الأولى: كيف يشاهد الإعجاز؟

الثانية: حكمة القرآن وفلسفة الإنسان.

الثالثة: حكمة تلاميذ القرآن وحكمة القرآن نفسه.

ذيل أول: عظمة القرآن.

ذيل ثان: التكرار.

تأمل هنا استخدامه للألفاظ المعبرة عن الإضاءة أو النور (الشعلات - الأشعة – الأنوار – الأضواء) وهي تحمل معنى الكشف والإبانة والوضوح والظهور.

ولنأخذ مثالا يوضح منهج معالجته لجانب من جوانب الإعجاز، يتمثل في تفسيره أو قراءته لقوله تعالى: ﴿والجُبَالَ أَوْتَادًا﴾ (النبأ:٧).

إنه يقرؤها من خلال تصورات أفراد عديدين تختلف ثقافاتهم وقدراتهم الذهنية واهتماماتهم الفكرية والعملية، ولكنه يراها تمثل بحق مفهوم الجامعية الخارقة للقرآن الكريم في لفظه، يقول النورسي مذكرًا لنا بمنهجه القائم على مفهوم النظم عند عبد القاهر، واهتمامه بالألفاظ وتركيبها وتجاورها من خلال علم النحو: «هذه الجامعية واضحة جلية في الآيات المذكورة في الكلمات السابقة، وفي هذه الكلمة.. نعم! إن الألفاظ القرآنية قد وضعت وضعاً، بحيث إن لكل كلام بل لكل كلمة بل كل حرف بل حتى السكون أحيانا ؛ وجوها كثيرة جدا، تمنح كل مخاطب حظه ونصيبه من أبواب مختلفة، كما يشير إلى ذلك الحديث الشريف، فلكل آية ظهر وبطن، وحد ومطلع ولكل شجون وغصون وفنون(٢)، فمثلا: «والجبال أوتادا»، فحصة عامي من هذا الكلام أنه يرى الجبال كالأوتاد المغروزة في الأرض، كما هو ظاهر أمام عينيه؛ فيتأمل ما فيها من نعم وفوائد، ويشكر خالقه.

وحصة شاعر من هذا الكلام أنه: يتخيل أن الأرض سهل منبسط، وقبة السماء عبارة عن خيمة عظيمة خضراء ضربت عليه وزينت الخيمة بمصابيح ، وأن الجبال تتراءى؛ وهي تملأ دائرة الأفق تمس قممها أذيال السماء، وكأنها أوتاد تلك الخيمة العظيمة؛ فتغمره الحيرة والإعجاب ويقدس الصانع الجليل.

أما البدوي البليغ، فحصته من هذا الكلام أنه يتصور سطح الأرض كصحراء واسعة، وكأن سلاسل الجبال سلسلة ممتدة لخيم كثيرة بأنواع شتى لمخلوقات متنوعة. 

أما الجغرافي الأديب، فحصته من هذا الكلام أنه يرى كرة الأرض عبارة عن سفينة، تمخر عباب بحر المحيط الهوائي أو الأثيري، وأن الجبال أوتاد دقت على تلك السفينة للتثبيت والموازنة.

أما المتخصص في أمور المجتمع، وألم بمتطلبات الحضارة الحديثة فحصته من هذا الكلام أنه يفهم الأرض عبارة عن مسكن، وأن عماد هذا المسكن هو حياة ذوي الحياة، وأن عماد تلك الحياة هو الماء والهواء والتراب التي هي شرائط الحياة، وأن عماد هذه الثلاثة هو الجبال، لأن الجبال مخازن الماء، مشاطة الهواء ومصفاته.

وحصة فيلسوف طبيعي من هذا الكلام أنه يدرك أن الامتزاجات والانقلابات والزلازل التي تحصل في باطن الأرض تجد استقرارها وسكونها بظهور الجبال، فتكون الجبال سببا لهدوء الأرض واستقرارها حول محورها ومدارها وعدم عدولها عن مدارها السنوي وكأن الأرض تتنفس بمنافذ لجبال؛ فيخف غضبها وتسكن حدتها .. هكذا يفهم ويطمئن ويلج في الإيمان قائلا: الحكمة لله (۳).

وجميع هؤلاء، كما يتوصل النورسي يسجدون لله سبحانه على فضله ونعمه بعد أن يتوصلوا وفقا لمستوياتهم الثقافية إلى سر الإعجاز القرآني من خلال هذه الآية الكريمة وغيرها من آيات القرآن الكريم.

الهوامش

  1. إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز ص ۱۲۱ وما بعدها.

  2. الكلمات: ص٤٥١.

  3. السابق: ص ٤٥٢، ٤٥٣.

الرابط المختصر :