العنوان النكبة والتمسُّك بالهوية وحق العودة
الكاتب يوسف كامل إبراهيم
تاريخ النشر السبت 10-مايو-2008
مشاهدات 64
نشر في العدد 1801
نشر في الصفحة 18
السبت 10-مايو-2008
النكبة والتمسُّك بالهوية
وحق العودة
لا يوجد في التَّاريخ الحديث جريمة توازي تهجير
الفلسطينيين من ديارهم عام ١٩٤٨م
تحويل فلسطين إلى وطن لجميع اليهود هدف لم
يتحقق..حيث بلغت نسبتهم في الكيان 38% فقط من مجموع يهود العالم.
النكبة أدَّتْ إلى ضياع ٧٨ % من مساحة
فلسطين..
وتمت
السيطرة على النسبة الباقية في حرب يونيو ١٩٦٧ م
د. يوسف كامل إبراهيم ( * )
بعد أيامٍ قليلة ستبلغ النكبة
ستين عامًا من عمرها، تلك النكبة التي حلتْ بالشعب الفلسطيني بسبب التقاء الرغبة
الصهيونية برغبة القوى الاستعمارية للتخلص من المشكلة اليهودية، خاصّةً بعد خرافة
المحرقة (الهولوكوست)، وبعد الوعد الذي قُدِّم لهم بإنشاء وطنٍ قوميٍّ في فلسطين،
وكان على الشعب الفلسطيني أن يدفع ثمن جريمة ذلك الوعد.
ففي الرابع عشر من مايو من كلِّ
عام، يحيي الفلسطينيون ذكرى نكبتهم، وتهجــرهم الأول في عام ١٩٤٨ م. واقتلاعهم من
أراضيهم وقيام دولة إسرائيل
عليها.
ستّون
عامًا من العذاب والمعاناة والآلام.. ستُّون عامًا من التشريد في أصقاع العالم..
ستُّون عامًا من الشجب والاستنكار والتنديد الدولي، وما زال الشعب الفلسطيني هائمًا
على وجهه منكوبًا، بعد أن سُلِبَتْ حقوقه، وانتُزِع من أرضه لتوطين أناسٍ جاءوا من
مختلف أنحاء العالم، ليشتتوا الفلسطينيين في مختلف دول العالم.
نكبةٌ أخرى
وتتصادف الذِّكرى الستون للنكبة مع نكبةٍ أُخرى
جديدةٍ تحلُّ بالفلسطينيين وبخاصّة في القدس والضفَّة، حيث الحفريات تحت المسجد
الأقصى، ومصادرة الأراضي في الضفة الغربية، وتشريد المئات من أبناء الجدار الشَّعب
الفلسطيني بسبب بناء الجدار العنصري.
ستُّون عامًا من الامتهان لحقوق
الفلسطينيين.. ستون عامًا والعالم يشاهد ما حل ويحلُّ بالشعب الفلسطيني، لا يتحرَّك
إلا لإصدار بيانات الشجب والاستنكار ومنح بعض الأموال.. وعِوضًا عن إنصاف المظلوم،
يصر على حقّ الظالم في العيش بسلامٍ وأمانٍ.. فأيُّ عالمٍ هذا الذي يسوده كل شيءٍ
إلَّا العدل؟ أيُّ عالمٍ الذي يتم فيه تجويع الشعب الفلسطيني على مدار أكثر من عام،
ويتعرَّض لنكبةٍ جديدةٍ؟!
درب الآلام
ستُّون
عامًا وشعبنا الفلسطيني الذي اقتُلِع من أرضه، يعاني الويلات والظلم والعَسَف،
ويعيش حياة البؤس، والتشريد في المخيمات سيئة الوضع الاقتصادي، وما زال يسير في
درب الآلام الطويلة يعاني الأمرَّيْن:
مرارة التشريد، ومرارة حياة القهر في ديار
الأغراب.
لا يُوجد في التاريخ الحديث جريمة
توازي جريمة تهجير الفلسطينيين من ديارهم عام ١٩٤٨ م على أيدي اليهود الصهاينة..
فقد هاجمتْ أقليَّةٌ أجنبيةٌ كانتْثل مشتتة في جميع أصقاع الأرض الأكثرية الوطنية
وطردتْها من دیارها و محتْ آثار العمرانية، وذلك وبتخطيطٍ مُسبَقٍ ودعم سياسي وعسكري
ومالي من الغرب والصهيونية العالمية هذه هي نكبة فلسطين عام ١٩٤٨ م.
واليوم وبعد ستون عامًا. لأحد يمكن لا يتجاوز الشعب
الفلسطيني وحقوقه المشروعة، كانت النكبة قد شرَّدته من قراه ومدنه، فإنَّه يبدو
أكثر تمسُّكًا بالعودة إليها وإصرارًا على المقاومة، فالمعاناة الطويلة والإرهاب
والبطش والمجازر الصهيونية لم تثنه قيد أُنملةٍ عن الثبات على مقاومته للمحتل
وأهدافه في الدولة المستقلة الحقيقية وعودة اللاجئين وإزالة المستوطنات. وليس أدلُّ
على ذلك من الانتفاضة الأولى التي أعادتْ للشعب الفلسطيني قيمته في معادلة الصراع،
وانتفاضة الأقصى التي أثبتتْ مدى حب الشعب الفلسطيني للتضحية من أجل استعادة حقوقه
وأرضه.
في المقابل، فإنَّ الكيان
الصهيوني- رغم احتلاله لفلسطين كاملة- فإنَّه لم يتمكن من إحكام قبضته على الشعب
الفلسطيني، أو تحجيم أمانيه وحقوقه، فالاحتلال وَلد مقاومة، والمقاومة ولدتْ هوية
الشعب الفلسطيني القومية والوطنية والإسلامية، في حين أنَّ الكيان الصهيوني يدفع
إلى الآن ثمن هذا الاحتلال على جميع المستويات، وتحولتْ الأرض التي خطط لأن تكون
نقطة مساومة بيده ليتنازل الشعب الفلسطيني عن حقوقه ويعترف بها إلى عبء كبير عليه،
كما أنَّ هدفه في تحويل فلسطين وطنًا لجميع اليهود لم يتحقق، حيث بلغ عددهم في
الكيان ۳۸ ٪ من
مجموع يهود العالم. وفي ظل تراجعٍ مستمرٍ في حالات الاستجلاب بلغ عددهم في العام
الماضي ٢١ ألفًا فقط نصفهم من غير اليهود.
معالمٌ وصورٌ
ستون
عامًا مضتْ على النكبة التي ألمَّتْ بالشعب الفلسطيني بفعل مخطَّط التهجير
والإرهاب الذي نفَّذته العصابات الصهيونية برعايةٍ دوليةٍ وصَمْتٍ عربي، شاركتْ
فيه بعض الأنظمة، مما أدى إلى ضياع ۷۸ % من
مساحة فلسطين التاريخية، في حين تم اكتمال السيطرة على البقية الباقية من الأرض في
حرب يونيو ١٩٦٧ م.
وللنكبة معالمٌ وصورٌ لا يستطيع أحدٌ طمسها؛
منها استمرار مأساة ملايين اللاجئين الفلسطينيين خارج فلسطين والنَّازحين داخلها،
والذين مازالوا يتوقون شوقًا وحنينًا للعودة إلى أرضهم، ولم يتسلَّل إليهم اليأس
لحظةً واحدة في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم بعد أن تمَّ تهجير عدد كبير منهم من
مدنهم ومن قراهم التي دمرتها العصابات الصهيونية كليًا أو جزئيًا، وأقامتْ على
أنقاضها مستوطنات.
تهجير وتشتيت
ومنذ
عام ١٩٤٨ م، حاول الكيان الصهيوني تكريس المزاعم بأنَّ فلسطين هي أرضٌ بلا شعب،
لشعبٍ بلا أرض للتغطية على حقيقة أنَّ الجالية اليهودية التي لم تتجاوز نسبة ١١ % من
سكان فلسطين عام ۱۹۱۷ م تتضخم
بفضل هجرةٍ غير شرعيةٍ تستهدف الحفاظ على الطابع الصهيوني والأيديولوجي باتجاه
إسرائيل من النيل إلى الفرات، حيث قامتْ هذه الأقلية بطرد السكان الشرعيين
والأصليين من موطنهم- وهم الأغلبية- وتشتيتهم في أنحاء الأرض.
فقد قام الصهاينة بطرد أكثر من
٨٥٠ ألف فلسطيني من وطنهم، وهم سكان ٥٢٦ مدينة وقرية وقبيلة، وأحلُّوا مكانهم
المستوطنين اليهود الذين غادروا أوطانهم الأصلية طوعًا وطمعًا بتأثير الحركة
الصهيونية.
وعانى اللاجئون الفلسطينيون الأمرَّيْن من جراء
اقتلاعهم من أرضهم وحرمانهم من الوطن والهوية، كما عانوا الأمرَّيْن في مناطق
اللجوء وفي المخيمات جراء شظف العيش والضياع والفراغ المؤسَّساتي والقانوني،
وتعرضتْ وحدتهم المجتمعية لأخطار التفكيك والتذويب بسبب تباين النُّظُم التي خضعوا
لها.
ويُقدَّر
عدد اللاجئين الموزعين في العالم مع المنحدرين منهم بأكثر من خمسة ملايين ونصف
المليون نسمة، أي أنَّهم ليسوا فقط الـ ٣.٧ مليون فلسطيني المسجلين لدى وكالة غوث
وتشغيل اللاجئين ( أونروا ) والموزعين على أكثر من ستين مخيمًا للاجئين، خاصّةً في
أربع دول عربية ( الأردن - لبنان - سورية - مصر ) لأنَّ العدد يشمل أيضًا مئات
الآلاف من الفلسطينيين في الأراضي التي قام عليها الكيان الصهيوني في عام ١٩٤٨ م.
أي اللاجئون الداخليون الذين يرون أمام أعينهم موطنهم وممتلكاتهم ولا يستطيعون العودة إليها
واستعمالها وتصفهم إسرائيل، بأنَّهم «غائبون – حاضرون » ورغم
هول ومأساة النكبة، فإنَّها لم تدفع الشعب الفلسطيني إلى التسليم للمحتل الصهيوني،
أو القبول بمخططات التسوية التي طُرِحَتْ خلال العقود الماضية، والهادفة إلى تصفية
قضيته وتوطين اللاجئين، وكانتْ المقاومة الممتدة طوال هذه العقود تأكيدًا على هذا
المعنى، بل إنَّ وفاة عددٍ كبيرٍ من جيل النكبة الأول لم يعنِ مطلقًا موت قضية
اللاجئين، إذ إنَّ وثائق ملكية الأراضي ومفاتيح المنازل التي حافظوا عليها بعد
طردهم منها سُلِّمتْ إلى الجيل الثاني والثالث الذي يحتفظ بها ويرفعها في كل
مناسبةٍ وتظاهرةٍ، لتؤكِّد تلك الأجيال تمسكها وحقها بالعودة إلى أرض الآباء
والأجداد.
وبرغم الانحياز الدولي إلى جانب المغتصب والظالم
الذي جاء من جميع أصقاع العالم، وبرغم تشتيت الشعب الفلسطيني في جميع أنحاء
المعمورة، إلا أنَّه يثبت في الذكرى الستين للنكبة أنَّه لن يتخلى عن حقه في
العودة إلى قراه ومدنه برغم كل المجازر والمذابح والبطش الذي يمارسه المحتلّ منذ
عشرات السنين.