العنوان النهضات .. وصراعات الحناجر
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 22-سبتمبر-2012
مشاهدات 54
نشر في العدد 2020
نشر في الصفحة 47
السبت 22-سبتمبر-2012
بعض الناس يحسب النهضات جعجعات وتلاسنات ورفع للعقيرة، أو سباب هنا وردح هناك، وهدم لأي شيء وتلويث لكل فعل وحقد على كل صالح، وما هكذا تورد الإبل.
فليس الخلد مرتبة تلقى وتؤخذ من شفاه الجاهلينا
ولكن منتهى همم كبار إذا ذهبت مصادرها بقينا.
وقد يأسف الناس ويعظم عجبهم في هذه الأيام لتنوع المشكلات وتعدد الأصناف التي تمسك بمحاول الهدم لا بلبنات البناء، ويحسن بنا أن نلقي شيئًا من الضوء على بعض من هذه الأصناف:
١- مشكلة مرشحي الرئاسة: الذين دخل بعضهم إلى الهيجاء بغير سلاح، وبغير كوادر تتبعهم وتكون قادرة على العطاء، وتؤمن بهم كقادة لأمة تريد أن تنهض من كبوة كبيرة، ووهدة عميقة، وبغير حصيلة عملية وعلمية للريادة والقيادة، ولهذا انصرف جلهم إلى المظهريات لتعويض هذا النقص الفاضح، وتمثل هذا في بذة جديدة ووقفة رشيقة، إلى غير ذلك من المضحكات، وسمعنا كلمات «الكرزمة» الفارغة تلاك في الأفواه ويقصد بها هذا الهراء، ولعل هذا هو ما دفع بالكثير من أصحاب الأوزان الثقيلة في القيادة إلى العزوف عنها، وعدم التقدم لها وجعلنا نترحم على تاريخنا المشرق الذي أنتج العمالقة من أمثال أبي بكر وعمر بن الخطاب «القيصر ذو الملابس المرقعة» كما كان يسميه بطريرك القدس آن ذاك، وهؤلاء هم من ردوا إلى القيادة والتاريخ جوهرها الأصيل الذي يجعل المخلصين في الأمة يحاولون زرعه الآن، ويحاولون جاهدين مغالبة الغنائية الطاغية والخداع النفسي الذي أصاب هؤلاء وجعلهم عقبة في سبيل التوازنات الإصلاحية المرتقبة في الأمة.
٢- مهابيل السياسة ومخابيل الوطنية، الذين ظنوا أن التقدم «صياعة» والريادة فنون من الجنون، فأخذوا يملؤون الدنيا صرخًا ونباحًا، وساعدهم على ذلك فراغ الساحة الخالية من أحزاب حقيقية، وريادات فكرية، وقد عاشت ردحًا من الزمان في سحابات عقيمة سوداء وطروحات وشطحات خالية من الحقائق والبينات، فحسب المخبول أنه سراح الهداية وعلم الريادة، وقديمًا قالوا: «وللناس فيما يعشقون مذاهب»، وقد استتبع هذا الهياج خلط كثير في الأفكار، وخوض كبير في عصبيات مقيتة تفرق الأمة وتخليها من شخصيتها وتراثها الحضاري، وتعطيها سرابًا يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، كما أشاعت تلك العقول الضحلة روح التحلل والإباحية تحت اسم الحرية الشخصية والشرعية الثورية، وهي منها براء، وكم من شهوات نفسية وفكرية تتوارى خلف الأكمة، تحتاج إلى عون من الله لكشف خبثها، وكثير من الجهد لبيان جهلها، ومطلوب من الرئيس الفاضل ستر فضائحهم حتى يفيء الغافل ويرتدع الخاطئ، وذلك إن كانوا من أهل الإفاقة، فإن الصبر على جهلهم وسفههم قد يكون من وسائل التربية، مصداقًا لقوله ﷺ «من ستر عورة مؤمن فكأنما استحيا موؤدة في قبرها» والستر على هؤلاء في هذه الأيام المليئة بالمتربصين والحاقدين والمذيعين للكذب صعب، أعان الله الرئيس عليه.
٣- الفساد الشامل: ويتمثل في الفساد الفكري، والفساد الإداري، والفساد السياسي، وأمتنا اليوم مصابة بكل ذلك، وتخليها عنه يحتاج إلى نطاسي بارع ونفوس تواقة للشفاء.
ونبدأ بالفساد السياسي الذي أصيبت به أمتنا العربية اليوم، وهو عبارة عن تبديد جهدها وإضاعة كدها بغير إرادتها في أهداف غير مشروعة، خصوصًا إذا كان ذلك بمحاول بئيها وسواعد غوغاتها وإيحاءات قادتها، وقد العكس ذلك سلبًا على الأمة جوعًا للفقراء وبطالة للقوى العاملة، وهدرًا للمقدرات، وثقلًا على الكواهل بشيء ينوء بحمله العصبة أولي القوة، كل ذلك قد علق في رقبة رجل مخلص تعانده قوى الظلام كلها، وتتربص به شياطين الإنس والجن، فالله حسيبه، ودعوات الصالحين في ركابه، وعناية الله تحوطه وترعاه وتعينه، وقديمًا قالوا: «الشدائد تصنع الأقوياء». والمعاناة دور في تشكيل شخصية الإنسان وتوسيع إدراكه، فنحن لا نتعلم بدون ثمن، قد يتساءل الإنسان القائد حينها: لماذا أنا دون غيري يحصل لي ذلك وتتشتت أحاسيسه ویرى العالم بمنظار أسود من شدة ألمه؟ ولكنه مع مرور الوقت يتكيف مع ظروفه؛ لأن الألم يعطي الإنسان قوة وصلابة في كيفية التعامل مع أمور الحياة، ويجعله يتجاوز الخوف الذي يسكن أعماقه؛ لأنه قد جرب الألم، فلماذا الخوف؟ إن الله سبحانه وتعالى حينما يبتلي الإنسان إنما يضع أمامه أفضل الخيارات، وعلى الإنسان أن يستفيد من ألمه ويحوله إلى طاقة ايجابية ليثبت ذاته.
ولقد رأيت من عاشوا بلا أم أو أب أو كليهما، كيف شقوا طريق حياتهم بأنفسهم وأجبروا الكل على احترامهم؟ وقد عاش رسولنا ﷺ يتيمًا، وكان بعناية الله سيد الدنيا وراعيها. وكيف علمت المعاناة الناس معنى الحياة؟ لأن التجارب وإن كانت مؤلمة تساعد في نضج شخصيتك، وقد تكون فرصة في تحديد أولوياتك وتحويل مسار حياتك، وتبين معدن الناس من حولك، ألم يقال: إن الصديق وقت الضيق، فعندما تمر بأحلك ظروف حياتك لن تجد من سيقف بجانبك إلا من يحبك بصدق، وصدق القائل:
جزا الله الشدائد كل خير
عرفت بها عدوي من صديقي.
كما أنه لا شيء كالحرمان يجعلك تدرك قيمة الشيء وتجاهد حتى تحصل عليه، حينها تحس بسعادة ممزوجة بلذة الانتصار، ويعطيك فرصة لتتعرف على نفسك، وتعرف نقاط القوة والضعف فيها، ولن تعرف معنى الفرح الحقيقي إلا إذا جربت معنى الألم؛ لأن الإنسان الذي تعود أن يحصل على كل شيء بسهولة يشعر بالخواء ولا يشعر بقيمة الأشياء التي حوله، أنا لا أدعو إلى الحزن بل للتصالح مع آلامنا ونستفيد من تجاربنا بدلًا أن نبكي على ما فات ونتحسر لما مر، وكذلك كل أمة تريد الرقي وتنهد إلى المجد.
لا تحسب المجد تمرًا أنت أكله
لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا.
ولنؤمن بأن الله أراد لنا الخير، ويخفي تحت المحنة نعمة ونحن لا نعلم، وأن الشخص عندما يمر بمحنة يتذكر قول الحق سبحانه: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 216).. نسأل الله السلامة.. أمين .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل