العنوان النوافذ المفتوحة
الكاتب سمية رمضان
تاريخ النشر السبت 22-أغسطس-2009
مشاهدات 52
نشر في العدد 1866
نشر في الصفحة 22
السبت 22-أغسطس-2009
(*) أكاديمية متخصصة في القضايا
التربوية والدعوية
كانت الداعية في طريقها لإلقاء درسها على مجموعة من النساء في بداية حياتهن
الزوجية، وكانت مستغرقة في أفكارها لا تشعر بمن يجلسن بجوارها في المقعد الخلفي من
السيارة ولا بمن يقود السيارة فقد كانت منشغلة وجدانيا في ترتيب أولويات الأفكار
التي لابد من طرحها في درسها، وبالفعل رسمت في ذهنها نموذجا متسلسلا منتظمًا
لحديثها، ولكنها فوجئت بالشاب حديث الزواج الذي يقود السيارة يوجه حديثه لها
ويسألها بالله تعالى أن تهتم في درسها بالأمور العملية التطبيقية التي تؤدي بالفعل
إلى سعادته وسعادة الشباب أمثاله؛ حيث إن زوجته مثلًا دوما في دروس يرى هو أنها
نظرية عديمة الجدوى في معترك الحياة الحقيقي عند الاندماج العملي.
سألته الداعية أن يذكر بعض ما يعاني منه حديثو الزواج من الشباب، فسمعت
«آهة» جعلتها تنتبه بأذان صاغية ذكر بكل تحمس أن الكثير منهن لا يعرن لنظافة
المنزل أدنى اهتمام وكأن المنزل لابد وأن يقوم بنظافته بنفسه فالكثيرات منهن كان
جل اهتمامهن دراستهن وبالطبع كانت الأمهات تقمن بكل شيء، فكانت النتيجة عدم
الإحساس بمتطلبات المنزل فيعود الزوج متعبا من عمله ليرى ما حوله من أثاث وسجاد
وحمام في حالة يرثى لها، غير ما يحمله حوض المطبخ من أثقال فوق أثقال والزوجة
كأنها تقطن في مكان آخر، فهي لا تستجيب البتة لصيحات الاستغاثة من ورق وحفاضات
وملايات حتى الوسائد المسكينة لا يتغير غطاؤها إلا بعد أيام وأيام.
أحاط الصمت بالداعية وقد تذكرت إحدى الأمهات وهي تحمد الله أن باب مطبخ
ابنتها بجانب باب الاستقبال؛ حيث إنها بمجرد دخولها لابد وأن تسلم على المطبخ
أولا، ترتيب وتنظيم وغسيل للصحون، وكانت حجة ابنتها أن هذه الأمور يجب ألا تكون من
واجباتها ويجب أن يحضر لها زوجها خادمة تقوم بكل ذلك.
ثم ألقت الداعية نظرة عابرة على الشاب الذي كان مازال يواصل حديثه: حيث
تنبئ عنه ملابسه أنه قليل ذات اليد، فكيف يتسنى له إحضار خادمة، انتبهت إليه وهو
يقول: حتى أنا شخصيا أعاني كثيرا من زوجتي فقد نصحتها مرارًا وتكرارًا أن تفتح
يوميًا نوافذ البيت ليتم تغيير الهواء ولا مجيب، وأحيانا كثيرة أتشاجر معها قبل
خروجي لعملي حتى يتسنى للمنزل أن يتنفس كتنفسنا، وكأن آذانها قد كساها الوقر هل
يعقل أحد أني وعند إيابي من عملي، وبالطبع أكون في شوق شديد لطفلي، ولكن عند حمله
أجدها لم تهتم بتغيير ملابسه أو حفاضته، مما يسبب لي صدمه في مشاعري وعواطفي؟
إن زوجتي جميلة بل أكثر من جميلة، ولكن لا أشعر بذلك مع قباحة أفعالها
وأسلوبها ومعي زميلة في العمل بالرغم من نقابها لكنها تهتم بهندامها ومظهرها، وقد
بدأت أميل إلى الحديث معها وأفكر جديا في الارتباط بها.
هنا تدخلت الداعية قائلة: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، هكذا
تهرب من الرمضاء للنار، هل علمت أن زميلتك ستكون أفضل حالا من زوجتك بعد أن تصبح
مثلها؟ وكيف تبيح لنفسك الحديث مع أجنبية عنك وتجد لذلك المبررات وهي مبررات واهية
كخيوط العنكبوت؟ عندها شعر الشاب بالاستحياء وواصل قذائفه: إن ثيابي كثيرا ما أبحث
عنها فأجدها تندب حظها مع كثير من الرفاق الملقى بعضهم فوق بعض ينتظرون دورهم في
الغسيل، ويعلمون تماما أن الأمر سيطول ويطول، هل تعلمين سيادتك أني كثيرا ما أريد
الخروج ولكني أنقمع في المنزل كمدا وحزنًا؟! فملابسي غير معدة، هل تعلمين أن والدي
أراد زيارتي فاعتذرت له؛ فمنزلي غير مهيًا لاستقبال هذا الرجل المعتاد على النظافة
والنظام ؟! هل تعلمين أنه لا يمكننا على الإطلاق استقبال أي ضيف يأتينا بشكل مفاجئ
وليس بميعاد سابق؟! وكيف ذلك وهناك مباراة حامية الوطيس تدور بين فريقي الفوضى
وعدم النظام.
نظرت الداعية إلى ساعتها فدرسها يدعوها، وقبل أن تستأذن من الشاب استحلفها
بالله العظيم أن يكون درسها واقعيا عمليًا يجد له الأزواج ملمسًا في حياتهم فيأتيهم
عبيره وشذاه.
دخلت قاعة الدرس وكان في انتظارها مالم تكن تتوقعه موجات تلو موجات من
آهات النساء، إحداهن تشكو أن الشاب يتزوج وهو غير متحمل للمسؤولية، ويريد أن يعيش
حياته كما كان قبل الزواج، فلا يشارك في تربية أولاده، ولا يشارك مع المرأة في أي
أعباء، فوقته ما بين الإنترنت والتلفاز، هذا إن كان باقيا في منزله، ولكن أغلب
الأحيان يكون كالحمر المستنفرة، دائما مع الأصدقاء والأحباء، وقالت الأخرى ودموعها
تسبق كلماتها: إن زوجي لا يقدم لي أدنى مساعدة فطوال ليلي في سهر لرعاية ابني،
وملقى على عاتقي إعداد الطعام، وإحضار المتطلبات وغسيل وتنظيف بصفة دائمة لا تنقطع
ولا تنتهي، ويحاسبني بشدة على أدنى تقصير وكأن السماء انطبقت على الأرض، فمثلا
يطلب مني دومًا فتح نوافذ المنزل، وهذا أمر خير أحيانا أكون مشغولة مع ولدي،
فلماذا لا يفتح هو النوافذ قبل ذهابه لعمله؟! فهو أمر أبسط من البساطة، لماذا يصر
دومًا أني يجب علي تحمل كل شيء-وانشغلت ببكائها-قالت الداعية في نفسها: إذن هذه
زوجته، وانبرت الأخرى بسرعة لتقول: ألم يكن رسول الله ﷺ يعمل مع أهل بيته؟ فلماذا يهجرون هذه السنة، ولا يريدون أن يقتربوا منها؟ لماذا لا يقدم يد المعونة لزوجة مكدودة
متعبة مسكينة خرجت من دار أبيها معززة مكرمة إلى نار زوجها معاتبة مهانة؟
ونظرت فتاة حديثة الزواج إلى كل ما يحدث باستعلاء واستهانة قائلة: لماذا
يعاتبونكن. فإني مع زوجي إما أن يقوم معي بكل شيء، وليس بعض الشيء، وإما لن أفعل
أي شيء، المنزل نظيف قذر ليس هذا من مسؤولياتي الأصلية، فلماذا أقوم أنا بغسل
الأطباق التي أكل فيها؟ ولماذا أغسل ثيابه التي استخدمها هو؟ وكل شيء إلا. هنا
اضطرت الداعية إلى التدخل قائلة: سبحان الله العظيم لماذا كل هذه الحرب الضروس؟ هل
لأننا أصبحنا ننظر للأمور بشكل تكسوه الأنانية بسبب عدم تحمل المسؤولية في بيوت
الآباء والأمهات؟ أم بسبب الجهل بأساس الزواج الناجح السعيد، وهو العطاء ثم العطاء
ثم العطاء، فالزواج ليس حديقة تدخل للتنزه فيها فقط، ولكنها حديقة نقوم نحن
بالاهتمام بها وبذر بذورها ورعاية ورودها وأشجارها، وهناك ما نحصده سريعا، وهناك
ما يحتاج إلى وقت وصبر وجهد حتى تقطف أول ثمراتها، وهو أمر يتنافس فيه المتنافسون
حتى تكون حديقة رائعة تشرح الصدور وتسعد النفوس، وإن تشاجر الزوجان من يقوم بالري؟
ومن يقوم بالرعاية؟ ومن؟ ومن؟ ستكون حديقة موحشة مفزعة ولأن المرأة تحب الجمال
وطبيعتها رومانسية فسيكون اهتمامها بحديقتها عظيما، لذا يشار لها دومًا بالبنان
عندما تجد جارتها متألقة في حديقتها الغناء وهي تجلس منكسرة حزينة في حديقتها
الخربة التي نعرفها من صوت الغربان لا ننكر أن الحياة مشاركة، ولكن في حقيقة الأمر
كيفية التعاون هو المطلوب فهمه، فمثلا الزوجة عليها الحمل الأكبر في شؤون الأولاد
والمنزل، والزوج عليه الحمل كله في الحصول على الرزق، وبالطبع اتباعًا لسنة الرسول
ﷺ أن يمد يد العون لزوجته فيما تبقى من حمل يصلح لإنجازات الرجل، أما أن تنتظر المرأة حتى تأتيها من السماء خادمة ليس عندها راتبها ولا حتى مكان إقامتها فهذا أمر يثير العجب، ولابد من مراجعة كثير من هذه الأفكار التي تهدم ولا تبني، وعلينا اليوم أن نهتم فورا وبالتنافس على
مرضاة الله.
الزوجة الجميلة يتضاءل جمالها في نظر زوجها شيئا فشيئا أمام إهمالها وسوء
أسلوبها
الحياة الزوجية ليست حديقة للتنزه ولكنها مسؤولية وعطاء متبادل بين الزوجين
وبعد الدرس تناقشت معهن فيما قلن وكان الحوار مثمرا، وجاءتها فتاة
النوافذ المغلقة قائلة: سأقوم بشرف إيصالك مع زوجي وانتهزت الداعية فرصة وجودهما
معًا، فمجرد دخولها السيارة طلبت فتح زجاج السيارة، وعلى الفور كانت الاستجابة
الزوج يحاول من أزراره والزوجة تحاول من أزرارها، وهنا ابتسمت الداعية قائلة: ما
الذي جعلكما تسرعان في ذلك بدون أن يسأل أي منكما الآخر فعل ذلك؟ قالا : هذا تم
بشكل لا إرادي محاولة لإرضائك وراحتك، وكان هذا هو المطلوب سماعه من الداعية حيث
أسهبت في حديث أن المودة والرحمة اللتين جعلهما سبحانه بين الزوجين تجعلهما
يتنافسان في إرضاء كل طرف للآخر، وأيضا يكون طريقا سهلا ميسرا الإرضاء الخالق
سبحانه.
ففي سورة «المؤمنون» يتحدث سبحانه عن بعض صفات المؤمنين ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا
سَابِقُونَ﴾(سورة المؤمنون: أيه رقم61)
وفتح النوافذ وتهوية المنزل أليست من أعمال الخير؟ نظرت الزوجة للداعية، ما
أروع هذه المعاني وضحك الزوج قائلا: إن هذه المشكلة قد انتهت. فلن أخرج بعد الآن
إلا وقد أسرعت لهذا الخير، فكيف لم أنظر إلى الحل من هذه الزاوية ؟! أخرجت الداعية
زفيرها مرددة هو الشيطان، فكل عمله بذر الشقاق بينكما، فإن استعنتما بكتاب الله
تطبيقا وتنفيذا كانت النجاة، وإلا كنتما معول الشيطان لهدم منزلكما بأيديكما لابد
وأن تصرا على الرحمة والمودة اللتين جعلهما الله بينكما لا تتخليا عن هدى الرحمن،
ووجهت حديثها للزوجة اجعلي منزلك المسبح بحمد الله في مستوى يسمح له بالتسبيح،
قالت الزوجة فهمت مقصدك وقد عاهدت الله أثناء درسك وأعاهد زوجي أمامك أني سأبذل
قصارى جهدي لتكون جنتي وارفة الظلال، أقصد منزلي لن أجعله يشكوني أبدا للإله،
وأسأله سبحانه المعونة.
وصلت السيارة لمنزل الداعية، فاحتوتهما بقلبها قبل عينيها، ونزلت وهي تدعو
لشباب المسلمين والمسلمات.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل