العنوان الهجرة بين عهدين
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 31-يوليو-1990
مشاهدات 80
نشر في العدد 976
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 31-يوليو-1990
في تيار الحياة الجارف تمثل الذكريات محطات للتأمل، ومواقف لمراجعة
الحسابات، ومعرفة الخطوات المتقدمة، والأخرى التي تراوح في مكانها لا تتعداه ولا
تحيد عنه. ومن هذه الذكريات العزيزة التي كان لها أثر فاعل في حركة الدعوة
والبناء، التي قادها النبي العظيم -صلى الله عليه وسلم- حادثة الهجرة التي تمثل
قنطرة عبرت عليها الدعوة خطوات حاسمة في تكامل البناء، وفاصلة بين مرحلتين: مرحلة
الصبر والمصابرة والتربية المتأنية، والغرس الواعد، والبذر المأمول، ومرحلة جني
الثمار وتوظيفها في العهد الجديد حيث الانتقال النوعي من فترة الحصار إلى فترة
الحرية والأمان ثم الانطلاق في آفاق الدنيا.
ولا نستطيع أن نغطي في مقال قصير كل أحداث الهجرة من بداياتها الأولى
وحتى حط الرسول صلى الله عليه وسلم رحاله في بيت أبي أيوب الأنصاري، ولا نريد أن
نسرد قصة الهجرة بطريقة تاريخية متسلسلة، إنما أردنا أن نربط بين النتائج التي
تحققت في المدينة المنورة، وبين مقدماتها التي نشأت هناك في رحاب الحرم، وفي دار
الأرقم في مكة المكرمة، وذلك من خلال النظر في بعض الجزئيات والتركيز على دورها
والبحث عن أسبابها الحقيقية، لنرى كيف قام الصرح الشامخ على تلك الأسس المتينة،
وكيف أثمرت تلك الجهود الواعية هذه الثمار الناضجة.
مثال
فقد روى البخاري أن المسلمين لما قدموا المدينة آخى رسول الله صلى
الله عليه وسلم بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، فقال سعد لعبد الرحمن: إني
أكثر الأنصار مالًا، فاقسم مالي نصفين، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمِّها لي
أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها. قال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك،
أين سوقكم؟
فدلوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن، ثم
تابع الغدو. ثم جاء يومًا وبه أثر صفرة «زينة»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
«مهيم» - أي «كيف حالك»؟
قال: تزوجت. قال: «كم سقت إليها»؟
قال: نواة من ذهب.
إن إعجاب المرء بجود سعد وسماحته لا يُعْدَل به إلا إعجابه
بنبل عبد الرحمن وشرفه، هذا الذي زاحم اليهود في سوقهم ونابرهم في ميدانهم،
واستطاع - بعد أيام - أن يكسب ما يعف به نفسه ويحصن به فرجه. إن علو الهمة من
خلائق الإيمان، وقبح الله وجوه أقوام انتسبوا للإسلام فأكلوه، وأكلوا به حتى
أضاعوا كرامة الحق في هذا العالم. (فقه السيرة
للغزالي بتصرف).
وكيف حصل؟
نتوقف قليلًا أمام هذه القصة المعبرة، لنتساءل: كيف حصل الصحابة رضوان
الله عليهم على مثل هذا المستوى من الجود ومن الشرف؟ وعلى هذه القمة السامقة التي
جسدت الأخوة الصادقة واقعًا أرضيًا يفخر التاريخ بروايته والحديث عنه؟ وقد كانوا
من قبل أسرى النزعة الفردية، والأنانية البغيضة التي تقيس العالم والناس وتتعامل
على أساس مصلحتها ومنفعتها ورغبتها أولًا وقبل كل شيء، ما الذي حول هذه النفوس إلى
الغيرية المنفتحة والإيثار الرائع والترفع المعجب والكرامة السامية؟
أليست هي:
- بوتقة الإيمان التي
صهرت نفوس المؤمنين وطهرتها من الحقد والحسد ومن الأثرة وحب الذات، ووجهت
طاقات النفوس إلى أن تذوب في حب الله، هذا الحب - حال تحققه - يستدعي حب ما
يحبه الله فلا غرابة إذن أن يكونوا أذلة على المؤمنين يحبون لهم ما يحبون
لأنفسهم، وأن يكون مثلهم في المودة والتراحم والتعاطف، مثل الجسد الواحد إذا
اشتكى منه عضو شعر الجسد كله بالألم فتداعى بالسهر لعلاجه، وبالحمى مشاركة
ومواساة.
- القدوة الصالحة التي
كان يمثلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولتستمع إلى خديجة رضي الله عنها
وقد جاءها الزوج الكريم بعد أن فاجأه الوحي في الغار وهو يقول: «يا خديجة لقد
خشيت على نفسي»، فطمأنته بكلمات كلها ثقة وتقدير: «كلا، والله لا يخزيك الله
أبدًا.. إنك لتصل الرحم، وتحمل العبء، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف،
وتعين على نوائب الحق». نعم لقد تحلى رسولنا عليه الصلاة والسلام بهذه الصفات
وبما هو أجمع وأعمق وأبلغ. ألم يكن خلقه القرآن؟ ألم يؤدبه ربه فيحسن تأديبه؟
فكيف يكون أداؤه وتعامله مع الناس وهو الذي لا ينطق عن الهوى؟ وهو الذي كان لا
يميزه القادم من بين أصحابه حتى يسأل: أيكم محمد؟ وهو الذي كان يلقب بالصادق
الأمين، وهو الذي لم يعرف التاريخ أبر وأرحم وأعطف منه على أصحابه وجيرانه
وذوي رحمه والناس أجمعين، وكان المؤمنون تتشرّب قلوبهم هذه المعاني،
وتنغرس في نفوسهم هذه الشمائل الكريمة والأخلاق العالية الرفيعة.
- البرنامج المتكامل، الذي يستوعب كل حركة جسدية، وكل نبضة قلب،
وكل خلجة نفس، ولا يغفل عن جانب من جوانب السلوك، ولا عن زاوية من زوايا
المشاعر، إنه المنهج الرباني الذي يشرف على إدارته وتنفيذه رسول الله، المعلم
والمربي والمثل الأعلى، ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ،
ادْفَعْ بِالَّتِيْ هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِيْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ
عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيُّ حَمِيْمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِيْنَ
صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيْمٍ﴾ (فصلت:34-35).
وحسبنا أن نشير إلى التكامل في معالجة هذه الآية للنفس البشرية حيث تبدأ
ببيان الفرق الكبير بين الإساءة والإحسان، ثم تدفع إلى محاولة الإحسان الذي
يؤدي بدوره إلى تحويل العدو المبين إلى صديق حميم، وتتابع الآية فتعطي مساحة
للصبر وتعده أحد المقومات الهامة للحصول على النتيجة المرجوة، وتنتهي الآية
بذكر مرتبة ذلك الذي يستطيع أن يتمثل هذه الآية في علاقته مع الآخرين بأنه ذو
حظ عظيم يسعد به في الدنيا ويدخر الله له ثوابه إلى الآخرة.
- التصويب،
فقد يحدث الخطأ، ويجتهد المرء فيتجاوز جادة الصواب أو يأتي خلاف الأولى ويوغر
صدرًا فيؤلف قلوبًا ويشدها إلى حظيرة الهدى لتَعُبَّ من المعين
الصافي، ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ
* أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ * أَوْ
يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ * فَأَنتَ
لَهُ تَصَدَّىٰ * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ * وَأَمَّا مَن جَاءَكَ
يَسْعَىٰ * وَهُوَ يَخْشَىٰ * فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ﴾ (عبس:1-10) ويؤتي
التصويب العاتب ثمرته في الحال، وتصبح تحية ابن أم مكتوم «مرحبًا بالذي
عاتبني فيه ربي» توجيهًا نبويًّا كريمًا تتوارثه الأجيال وتحاول أن تحاكيه
وأن ترتفع إلى أفقه الرفيع.
لا غرابة إذن
هل نستغرب بعد ذلك أن نرى من المؤمنين في مجتمعهم الجديد صورًا رائعة
من الجود والكرم ومن النبل والشرف ومن المروءة والنجدة ومن الشجاعة والرجولة؟ وهل
نعجز بعد ذلك عن إرجاع أي خلق معجز وأي خصلة حميدة إلى جذورها الأولى في التربية
النبوية؟ وأن نرد كل نتيجة من هذه النتائج إلى مقدماتها وأن نربط بين الدوحة
المثمرة والبذور التي غرست في تربة النفوس المؤمنة والقلوب المطمئنة إلى وعد الله؟
وكيف لا نعجب ونحن نرى المسلمين بعد الهجرة وقد آخى الرسول صلى الله عليه وسلم
بينهم لا ينزل مهاجر على أنصاري إلا بقرعة؟ فهل كان ذلك من جراء الأمر الآتي
بالتآخي؟ أم هو ثمرة التربية الطويلة التي خلصت النفوس من أدرانها وجعلت: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ
يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً
مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ
ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
(الحشر:9).
دور الهجرة
لقد كانت الهجرة فيصلًا بين عهدين، الأول عهد النظرية التي اعتنقتها
الكينونة الإنسانية وتلقتها بالعقل والروح والمشاعر وبالحرارة والحماس اللائق،
وبين عهد الممارسة حيث أصبح للنظرية مجال للتجربة والتطبيق.
وقد كشفت الهجرة أثر التربية والصبر والتوجيه في رجال يحبون الموت كما
يحب أعداؤهم الحياة، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، رجال صدقوا ما
عاهدوا الله عليه، رجال خرجوا من ذوات أنفسهم وراحوا يعملون لذات الحق ويجاهدون في
سبيل الله، ويحبون في الله ويبغضون في الله.
فهل تذكرنا الهجرة النبوية بالفارق الجوهري بين أجيالنا وبين الجيل
الأول؟ وهل تكون دافعًا لاقتفاء أثرهم واستئناف حياتنا الإسلامية على منوالهم
لنحظى مثلهم بعز الدنيا ونعيم الآخرة؟ نرجو ذلك وما ذلك على الله بعزيز.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل