; الهند.. الفساد ينتشر.. والأوضاع السياسية والاقتصادية تتردى! | مجلة المجتمع

العنوان الهند.. الفساد ينتشر.. والأوضاع السياسية والاقتصادية تتردى!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 26-أغسطس-1997

مشاهدات 72

نشر في العدد 1264

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 26-أغسطس-1997

  • نهب الخزينة العامة في استعراضات السحر والقردة والثعابين
  • خليط من المتناقضات.. الرشوة تطول رؤساء الوزراء. والفساد شبه منظم لكنها تمتلك ثاني أكبر ذخيرة في العالم من الخبراء وتنتج الأقمار الصناعية والصواريخ العابرة للقارات

 

بقلم: د. ظفر الإسلام خان

مدير معهد الدراسات الإسلامية والعربية – نيودلهي - الهند

 

احتفلت دولة الهند على المستوى الرسمي بأعياد مرور خمسين سنة على الاستقلال ببذخ شديد؛ إذ أنفقت مئات البلايين من الروبيات على إحياء هذه الذكرى في كل مكان ابتداءً من العاصمة القومية إلى العواصم الإقليمية، وإلى كل مؤسسة ومنشاة تديرها الحكومة في طول البلاد وعرضها.. وشوهد خلال هذه الاحتفالات أن عامة الناس غير مكترثين بها إلا كمتفرجين على شيء غريب، كما لوحظ أن الجماهير الكادحة لم تقم بشيء يدل على فرحها بهذه الذكرى، ولم يكن للجماهير من حضور إلا كمتفرجين كأولئك الذين يقفون في الميادين العامة يشاهدون استعراضات السحرة والثعابين والقرود المدربة، لقد استغربوا هذه الاحتفالات الصاخبة التي أقامتها النخبة الحاكمة، ونظروا إليها كفرصة أخرى لنهب الخزينة العامة بمختلف الحيل.

وكانت الهند قد استقلت في 15 من أغسطس عام 1947م وكانت آنذاك بلدًا زراعيًّا لا تكاد تنتج ما يكفي لإطعام شعبها، وكانت تستورد حتى إبر الخياطة من بريطانيا التي استعمرتها لأكثر من قرنين، لقد تغير كل هذا اليوم، فالهند بلد تكتفي زراعيًّا الآن، وهي قد أقامت قاعدة متينة للصناعات الثقيلة، وتنتج الأقمار الصناعية والصواريخ العابرة للقارات، وأدق أجهزة الكمبيوتر، التي تضاهي الأجهزة المماثلة التي تمنع الولايات المتحدة تصديرها للخارج بدون ترخيص، كما أنها قدأصبحت عضوًا بالنادي النووي.

ولكن مع كل هذا التقدم تظل الهند من أفقر دول العالم، وهي تعاني من الأمية المتفشية، والفساد السياسي والبيروقراطي الذي قلما يوجد له مثيل في العالم، ونحو عشرة في المائة من سكان الهند يعيشون في ضواحي حديثة من المدن الهندية، وهؤلاء وحدهم قادرون على شراء كل الخدمات من تعليم وصحة وعلاج، كما أنهم يستحوذون على غالبية التسهيلات الحكومية. 

لقد دخلت الهند عصر الاكتفاء الغذائي بفضل الثورة الخضراء في الستينيات حين أقيم عدد كبير من السدود والأنهار الصناعية، وتمت زراعة أنواع هجينة من القمح والأرز، مما نتج عنه طفرة في الإنتاج الزراعي فاق كثيرًا النمو السكاني، لدرجة أن ضاقت مخازن الغلال في بعض السنوات عن استيعاب المحصول الزراعي، ومع هذا ظلت أسعار الأغذية تتزايد باستمرار، وفي الوقت نفسه ظلت المجاعات تتكرر في مختلف أنحاء الهند وخصوصًا في ولايات أوريسا، واندهرا براديش وماهاراشترا؛ حيث يتعرض لها القبليون بصورة خاصة، وظل العمال في قطاع الزراعة من أقل الطبقات الكادحة دخلًا، وأقل من ربع سكان الهند يتمتعون اليوم بالتسهيلات الصحية و30.63% فقط يتمتعون بمياه الشرب النقية و34.42% محرومون من ضرورات الحياة الأساسية. 

وفي مجال الإسكان والبيئة هناك تدهور مستمر؛ إذ لا توجد مساكن للكادحين وصغار الموظفين في المدن الهندية، فيضطرون للعيش في مدن الأكواخ؛ حيث لا تتوافر أبسط التسهيلات الصحية، وذلك بسبب قلة المساكن وغلاء الإيجارات الفاحشة، وفي الوقت نفسه تدهور الوضع البيئي في المدن من جراء التلوث بصورة خطيرة، وبدأت المحاكم تتخذ قرارات لردع المخالفين بعد أن تقاعست السلطات عن اتخاذ إجراءات حاسمة لمنع التلوث من عادم السيارات والمصانع والورش غير المرخصة في الأحياء السكنية.

وتوجد في الهند ثاني أكبر ذخيرة في العالم من الخبراء والعمال التكنولوجيين المهرة؛ إذ يتجاوز عددهم 1.5 مليون خبير وعامل، ولكن يضطر عدد كبير منهم إلى التوجه إلى بلاد أخرى كالولايات المتحدة والخليج كسبًا للعيش، ولاتزال الدولة أكبر مستخدم في البلاد 192 مليون يعملون في القطاع العام في مقابل 8.1 مليون في القطاع الخاص، وحتى هؤلاء لا يعملون بكامل طاقاتهم الإنتاجية بسبب تكبيل المصانع والمنشآت الهندية بالقوانين الاشتراكية التي تقف بقوة وراء العمال لصيانة حقوقهم. بينما لا تعلمهم واجباتهم فلا يكترثون بالعمل ولا يتمكن مستخدموهم من الاستغناء عنهم في الوقت نفسه، وكثيرون منهم يحصلون على وظائفهم بالرشوة والمحسوبية، ولذلكلا يكترثون بالعمل والإنتاج، والرشوة شائعة وطاغية في كل مستويات الحياة، ويقف كبار رجال الساسة الآن في المحاكم وعلى رأسهم رئيس الوزراء السابق ناراسيما راو بتهم تلقي الرشاوى، والتورط في فضائح تلقي العمولات على المشاريع والمناقصات وتبديد المال العام وتزوير الأوراق الرسمية.. إلخ

والفساد أمر منظم ومستحكم للغاية في الهند على كل المستويات، وكان رئيس الوزراء الأسبق راجيف غاندي قد اعترف في خطاب رسمي أن 18%  فقط من قيمة المشاريع الحكومية تستخدم بالفعل لإنجازها، والبقية تذهب إلى جيوب الوسطاء والسياسيين وموظفي الحكومة الفاسدين، ونتيجة لهذا توجد في الهند ثروات طائلة غير مشروعة تسمى بالمال الأسود، وهي الثروات التي لا يدفع أصحابها ضرائب عنها.

وقد قدر أن نحو ثلث الأموال المودعة في المصارف السويسرية هي من هذه الأموال الهندية غير المشروعة التي قدرها صندوق النقد الدولي مؤخرًا «بمائة مليار دولار»، وتشن الحكومة الهندية حملة هذه الأيام لحمل أصحابها على كشف هذه الأموال بصورة تطوعية والتهرب من الغرامات بدفع نسبة منها كضرائب وهي حملة تتكرر بصورة دورية كل عدة سنوات.

ولايزال 19% من الشعب الهندي يعيش تحت خط الفقر بينما يتمتع فقط بثمار التقدم الاقتصادي الذي يتمثل في وجود مصانع في البلاد تنتج كل شيء تقريبًا، ولكن لاتزال العمالة الرخيصة في أكبر صادرات الهند. وتوجد في الهند 213 جامعة و800 ألف مدرسة في مقابل 20 جامعة، و6 آلاف مدرسة عند الاستقلال، ولكن التعليم الجيد لايزال صعب المثال للجماهير الكادحة؛ إذ لا يقدر عليه إلا الأغنياء الذين يلحقون أولادهم بالمدارس الخاصة؛ لأن المدارس الحكومية معروفة بهبوط مستواها الدراسي، وكانت نسبة الأميين سنة 1950 - 1951م (17) 81% وبعد بذل ما لا يحصى من الأموال كانت الأمية لاتزال بنسبة 47.80% بعد أكثر من أربعة عقود.

وعلى صعيد الأمن فالهند اليوم مرتع المجرمين؛ حيث تكثر الجرائم والمافيات المسلحة بصورة مخيفة، كما توجد بها حركات سياسية مسلحة تعمل للاستقلال في كشمير والولايات السبعة بشمال شرق الهند إلى جانب حركات سياسية مسلحة تعمل لقلب النظام مثل النكسليين في ولايات بيهار، وأوريسا، واندهرا براديش، وذلك تمردًا على الظلم السياسي والاقتصادي الذي تتعرض له الجماهير، ويسيطر هؤلاء المتمردون على قطاعات شاسعة من الأراضي في هذه الولايات؛ حيث يفرضون أحكامهم وقوانينهم، وأصبحت جرائم الاغتصاب والسطو والاختطاف من حقائق الحياة المعتادة، وقد سجلت السلطات 3877 حادث قتل في سنة 1994م بزيادة 69% عن السنة السابقة. 

ومن حقائق الحياة المكشوفة أن هناك علاقة وثيقة بين المجرمين المحترفين والسياسيين؛ بل إن كثيرين من المجرمين وأصحاب السوابق ورجال المافيا المسجلين في سجلات الشرطة قد تمكنوا من دخول البرلمان المركزي والمجالس النيابية الإقليمية، بل وتتسابق الأحزاب على احتضان المجرمين المعروفين الذين يكسبون الشهرة نتيجة التغطية الإعلامية لجرائمهم، ومن هؤلاء «بهولان ديوي» التي تلقب به ملكة اللصوص، وهي نائية الآن بالبرلمان عن حزب ساما جوادي.

ويرجع السبب في تردي أوضاع الهند السياسية والاجتماعية والاقتصادية بصورة مطردة منذ الاستقلال إلى أن الحكام الذين خلفوا المستعمر الإنجليزي، وعلى رأسهم جواهر لال نهرو كانوا إنجليزًا مثله، ومعجبين بثقافته وحضارته ولغته، فلم يحدث إلا تغير في وجوه الحكام المتربعين على قمة الهرم السياسي، بينما بقيت أجهزة الدولة القمعية والقوانين الإرهابية المعادية للشعب التي سنها الإنجليز لصيانة حكمهم الغاشم على مدار قرنين من الزمان، وعلى رأس هذه الأجهزة القمعية الشرطة التي يمقتها الشعب، ولا يؤمن الإنسان العادي بالشعار الكاتب القائل بأن الشرطة صديقة الشعب؛ بل المواطن الهندي العادي يتهرب من الشرطة، ويخاف من دخول مخافرها خوفًا من تلفيق التهم والسجن بدون ارتكاب جريمة والابتزاز تخويفًا من مغبة عدم الدفع والاغتصاب والتعذيب والتمثيل، بل والقتل في مخابئها، وكان أحد قضاة محكمة  «الله آباد» العليا رام نارايان ملاء الشاعر المعروف الذي توفي مؤخرًا  قد قال قبل سنوات طويلة في حيثيات أحد أحكامه: إن الشرطة في أكبر تنظيم إجرامي مسلح في الهند، ولأن الجهاز البيروقراطي والشرطة السياسيين فقدوا احترام الشعب، فقد سنوا في السنوات الأخيرة مزيدًا من القوانين الإرهابية لكبت المعارضين بتهم ملفقة في أحايين كثيرة، وكان قانون «تادا» واحدًا من هذه القوانين، وقد اضطرت الحكومة إلى إلغائه في السنة الماضية نتيجة الاحتجاجات الشعبية المستمرة، إلا أن المعتقلين باستغلال هذا القانون الإرهابي لايزالون في السجون الهندية، وغالبيتهم مسلمون، هذه هي الهند التي احتفل حكامها في الأيام الماضية بالعيد الخمسيني لاستقلالها، وأنفقوا البلايين من خزائن الدولة الخاوية، ولكن حتى هؤلاء وعلى رأسهم رئيس الجمهورية الجديد نارایان ورئيس الوزراء فوجرال، لم يمكنهم إلا الاعتراف العلني في خطبهم بأن هناك القليل الذي يشجع على الاحتفال، وأن غول الفساد يكاد يلتهم الهند، بل وقد اعترف رئيس الوزراء علانية: إنه غير قادر على كبح الفساد الذي استشرى في شرايين الشعب كالدم، وإن كان رئيس الوزراء بكل صلاحياته وسلطانه عاجزًا أمام غول الفساد، فمن سينقذ الهند من الدمارالقادم لا محالة.

الرابط المختصر :