العنوان الهند بعد هدم مسجد بابري «الهند على شفا لحرب الأهلية»
الكاتب عبدالحق حسن
تاريخ النشر الثلاثاء 26-يناير-1993
مشاهدات 71
نشر في العدد 1035
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 26-يناير-1993
تفاقم الأزمة في الهند بعد هدم
المسجد البابري
يزداد الوضع الناشئ في الهند عن قضية هدم المسجد البابري في «أيوديا» تعقداً
وخطورة يومًا بعد يوم، وباستقالة الحكومة الهندية مؤخرًا جراء هذه المأساة تتسارع
احتمالات تفسخ الهند وتفككها، ووصف محلل هندي مسلم الموقف هناك «بأنه أشبه
بالأيام التي سبقت انشطار باكستان عن الهند عام 1949». وأضاف المعلق الهندي نيكيل
تشاكرافارتي قائلًا: «ما لم نكن مستعدين لمعالجة الوضع بشجاعة وبأسلوب رجال
الدولة، فما الذي يمنعنا من أن نمضي على طريق البوسنة؟!».
تداعيات
الأحداث على
وحدة الهند
وحكومة نراسيماراو
ويقول المحللون إن الأحداث في بومباي والمدن الهندية الأخرى وجهت ضربة
قاضية لحكومة نراسيماراو التي تخوض معركة في مواجهة تزايد المد الهندوسي المتطرف
في البلاد، ويعرب العديد من المحللين الهنود عن القلق إزاء مستقبل وحدة البلاد،
ويقولون إنها مطروحة الآن على المحك، والجدير بالذكر أن الاضطرابات الأخيرة تركزت
بشكل رئيسي في مدينة بومباي التي يقطنها 12 مليون نسمة، والتي فر منها حتى الآن
حوالي ثلاثون ألف مسلم بعد أن نهبت وأحرقت ممتلكاتهم ومنازلهم، وفي نداء من مسلمي
الهند نشرته وكالات الأنباء ورد فيه: «أن عدد القتلى في الاضطرابات بلغ ألفًا
وخمسمائة شخص، كما بلغ عدد المصابين آلافًا، وأن آلافًا من المحلات التجارية
والمصانع والبيوت والمستودعات والمساجد والمدارس أُحرقت تمامًا، وأضاف البيان: «أن
دور الشرطة لم يكن أقل من دور الهندوس المتعصبين في الدمار والخراب، وقتل المسلمين
الأبرياء، بل كانوا في غاية الوحشية والهمجية، فكان المصابون والقتلى بأيدي رجال
الشرطة أكثر من تسعين بالمائة؛ فهي محاولة مُدبرة في عموم الهند من رجال الشرطة
لقمع الاحتجاجات والمظاهرات، ومنع المسلمين من إبداء عواطفهم بعد حادث المسجد
البابري».
الشرطة
الهندية تُنفذ
مخطط الهندوس
في التطهير
العرقي
على صعيد آخر قال مسئول كبير في شرطة بومباي لصحيفة «تايمز أوف أنديا»
إن ما يجري في بومباي يشبه التطهير العرقي في البوسنة، لقد نظمت الاضطرابات التي
أثارها الهندوس لغرض محدد هو إخراج جماعات بعينها من مناطق معينة في المدينة»
ويعني بهذا إخراج المسلمين من مناطقهم وممتلكاتهم.
وعلى صعيد آخر تفاقمت الأوضاع في ولاية كشمير التي تشهد انتفاضة
للانفصال عن الهند منذ فترة طويلة؛ حيث عاثت القوات شبه العسكرية الهندية ومعظمها
من الهندوس فسادًا في الولاية، وقد اندلعت الشرارة في بلدة «سوبور» على بعد 48 كم
شمال غرب «سريناغار العاصمة عندما فتحت تلك القوات النار على المسلمين فقتلت
-وفقًا لشهود عيان- 55 مدنيًا، ودمرت 155 مبني؛ ووصف «بالويندار سينجر» المدير
العام لشرطة كشمير تلك الأحداث بأنها مؤسفة ووعد بإجراء تحقيق، غير أن «دام ناير»
المدير التنفيذي لمركز توثيق حقوق الإنسان لمنطقة جنوب آسيا، والذي مقرّه نيودلهي
صرح بأن الاضطرابات صورت للعالم على أنها صدامات طائفية بين الهندوس والإسلام،
لكنها كانت في واقع الأمر بين المسلمين وقوات الشرطة الذين كانوا لا يصوّبون
أسلحتهم -على ما يبدو- إلا نحو المسلمين» أي أن الشرطة كانت قوات هندوسية مسلحة،
وقد أصدرت مجموعة «ناير» دراسة عن الاضطرابات أنّ 655 مسلمًا قتلوا على أيدي
الشرطة، ولم يقتل هندوسي واحد.
ممارسات
التعذيب والقتل
في السجون
ودور حكومة
ناراسيماراو
هذا فضلًا عن التقارير الصحفية التي تتحدث يوميًا عن حوادث التعذيب
والقتل في السجون للمسلمين على أيدي رجال الشرطة، حتى أصبح هذا الأسلوب جزءًا
روتينيًا يمارس ضد المعتقلين» بالإضافة إلى حوادث الاغتصاب في مراكز الشرطة، هذا
التصعيد المستمر للأحداث من جانب المتعصبين الهندوس ومشاركة الشرطة الهندوسية في
قمع المسلمين، وتخاذل حكومة ناراسيماراو في حمايتهم- قد يحول الهند كما صرح أحد
زعماء المسلمين» إلى بيروت أخرى.
دور حكومة ناراسيماراو في الأحداث
الجارية:
وهنا تشير الأوساط الإسلامية المحلية وغيرها إلى دور حكومة
ناراسيماراو في تفاقم الأوضاع؛ بسبب تقاعسها في الوقت المناسب عن حل المشكلة، حيث
أشار أحد المعلقين السياسيين الهنود وهو م. ج أكبر إلى هذا الدور بتهكم حيث قال:
«إن رئيس الوزراء ناراسيماراو ظل يقول عندي الحل للمشكلة، حتى هدم المسجد، وكان
هذا هو الحل الذي يقصده» هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يلحظ المراقبون لتطورات
الأحداث في الهند إلى سماح السلطات الهندية لآلاف من الهندوس المتعصبين بأداء
طقوسهم على أنقاض المسجد الذي دمروه في مدينة «أيوديا» الشهر الماضي، بينما تفرض
حظرًا على كل الجماعات والمؤسسات الإسلامية، بل وتعتقل أفرادها، وتمنع تحركهم من
مدينة إلى أخرى؛ حيث منعت الشيخ سيد أحمد بخاري من الانتقال إلى بومباي لتفقد
أحوال المسلمين المشردين هناك، بالإضافة إلى دور الشرطة الهندية المشبوه في قمع
المسلمين وحدهم في كل أنحاء الهند تقريبًا، وعجز الحكومة عن الوفاء بوعدها في
إعادة بناء المسجد، ومن خلال ممارسات حكومة حزب المؤتمر هذه تؤكد تلك الأوساط أن
حزب المؤتمر هو الآخر بدأ يراهن على أصوات الهندوس على حساب حقوق المسلمين، وذلك
(كما يرى بعض المحللين) بأن حزب المؤتمر الذي ظل يحكم الهند عقودًا من الزمان
معتمدًا على الديمقراطية العلمانية، وريادته لعدم الانحياز وميوله الشيوعية- يشهد
الآن انهيار تلك الركائز سريعًا أمام التغير الذي يشهده العالم حاليًا؛ لذا قرر هو
الآخر أن يمسك بأهداب «الأصولية الهندوسية» التي تتنامى عبر شواهدها على الساحة
الهندية كل يوم، وألا يترك لحزب بهارتيا جاناتا أن يسحب البساط من تحت قدميه.
90%
من قتلى المسلمين تمت على أيدي الشرطة الهندية.
مصير الهند: هل تتحول إلى دولة
هندوسية؟
إن اليوم السادس من ديسمبر عام 1992 وهو تاريخ تدمير المسجد البابري
في أيوديا على أيدي الهندوس- لم يكن ليمثل بداية الأزمة، بل إن حزب بهاراتيا
جاناتا وما يتبعه من منظمات سرية شبه عسكرية كمنظمة «أر. سي. سي» والتي جرى
تشكيلها على نمط العصابات الصهيونية «الهاجاناه» والتي خطت قبل ذلك ومنذ عام 1949
لتحويل الهند إلى دولة عرقية خالصة للهندوس، ولم تسم -الهند- هندًا إلا لأنها
للهندوس -كما يزعمون-، ويحاول رئيس وزراء الهند الأسبق برتارب سينج أن يخفف من
غلواء تطرف حزب جاناتا بقوله: «إن الهندوس الذين يطالبون بإقامة دولة هندوسية في
الهند ينسون أن الدولة الهندوسية قائمة بالفعل، وتديرها الطبقة الحاكمة من
البراهمة الهندوس»، وبما إنه أنه ليس للهندوسية منهج عقائدي قابل للتطبيق
في الحياة العملية فقد اختاروا العلمانية إطارًا فرضوه على باقي الطوائف، ولم
يرضهم هذا، بل إن الهندوس ماضون في سياسة التطهير العرقي يقول بال ثاكيراي أحد
زعماء الهندوس المتشددين بلهجة تحد واضحة «لن نتوقف الآن، وسيتحد الهندوس مثلما لم
يتحدوا من قبل، فالأمة تحتاج إلى قوة قوية متحدة من الهندوس».
وهكذا مثلما تحطمت قباب المسجد الإسلامي التاريخي الثلاثة فإن أعمدة
الدولة الهندية الحديثة المتمثلة بالديمقراطية والعلمانية وحكم القانون- سوف تتحطم
أمام بروز قوة عدائية حاقدة في القومية الهندوسية، تعمل دون كلل للانفراد بالسلطة
وتكريس نظام يطلق عليه «هيندور اشترا» أي دولة الهندوس، وقد بدا من المؤكد أن حزب
«بهاراتيا جانتا» قد كسب أرضية جديدة من وراء تصعيد النزعة العنصرية بعد هدم
المسجد البابري قد تخوله إمكانية تشكيل حكومة فاشية يسيطر عليها كهنة الهندوس.
الأمر الذي قد يفجر نزعات استقلالية في أربع ولايات مسيحية في الشمال
الشرقي بدعم من العالم الغربي المسيحي بزعامة الفاتيكان، والذي لن يقف ساكنًا عند
المساس بحقوقهم، كما أن السيخ في البنجاب لن يفوتوا فرصة الاضطراب السائد في الهند
حاليًا دون تحقيق حلمهم الذي قاتلوا من أجله طويلًا في إقامة دولة خاصة بهم،
والشيوعيون في غرب البنغال يتحفزون للاستقلال حيث تتركز كوادرهم، ناهيك عن التاميل
في الجنوب، أما المسلمون في كشمير وإخوانهم البالغ عددهم في الهند مائة وخمسين
مليون في سائر أنحاء الهند- فليس أمامهم إلا إعلان الجهاد، وحمل السلاح لمقاومة
مخططات التطهير العرقي التي بدأت شواهدها من ممارسات حزب بهارتيا جاناتا، وتقاعس
حزب المؤتمر وتخاذله عن إنصاف المسلمين، ولعل المسلمين يدركون الدرس القاتل الذي يمر به مسلمو البوسنة
والهرسك حين أحسنوا الظن بجيرانهم ومواطنيهم الصرب، وأهملوا أهمية التسلح.
في الوقت الذي كان الصرب يملؤون ترساناتهم بمختلف الأسلحة، وحين بدأ الصرب
في تنفيذ عمليات التطهير العرقي أدرك مسلمو البوسنة والهرسك أهمية التسلح، ولكن
بعد فوات الأوان، أما تطلع مسلمي الهند وأمثالهم من الأقليات الإسلامية المضطهدة
في العالم إلى جهود المنظمات الإسلامية خاصة منظمة المؤتمر الإسلامي، فهذه لا يرجى
من ورائها إلا الدعاء، خاصة بعد مرور الخامس عشر من يناير 1993، وهو الموعد الذي
حدده المؤتمر الإسلامي لوقف الحرب الصربية ضد البوسنة دون طائل يُذكر.
مسجد "بابري".. هدمه الهندوس لبناء معبد "راما"