; الهند- ماذا تخفي الهند وراءَ طموحاتها النووية في جنوب آسيا | مجلة المجتمع

العنوان الهند- ماذا تخفي الهند وراءَ طموحاتها النووية في جنوب آسيا

الكاتب رأفت يحيى العزب

تاريخ النشر الثلاثاء 09-يناير-1996

مشاهدات 68

نشر في العدد 1183

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 09-يناير-1996

الاستعداد لتفجير نووي جديد وبناء صاروخ يحمل طنًا من الرؤوس النووية ويصل مداه لمصر والخليج وآسيا الوسطى 

كشفت تقارير منسوبة إلى مصادر أمريكية أن أقمارًا صناعية التقطت صورًا لتحركات هندية بالقرب من الحدود الباكستانية تستهدف التمهيد لإجراء اختبارات نووية هندية جديدة، ومع أن السلطات الهندية قللت من أهمية هذه المعلومات إلا أنها لم تنف أن هناك تحركات بالفعل تستهدف إجراء تجارب على صاروخ «بروزفي» الذي يستطيع حمل طن من الرؤوس النووية ويمكنه إصابة أي هدف باكستاني استراتيجي بدقة بالغة، ويأتي الإعلان عن إجراء تجارب على هذا النوع من الصواريخ وبالقرب من الحدود الباكستانية في الوقت الذي بدأت فيه القوات العسكرية الهندية في نشر هذه الصواريخ بالقرب من إقليم السند الباكستاني وعلى مقربة من الحدود الفاصلة بين كشمير الحرة والمحتلة.

وإذا كانت معلومات الأقمار الصناعية الأمريكية حول رصدها نشاطات هندية نووية بالقرب من الحدود الباكستانية لم تقدم جديدًا مفاجئًا للدول المجاورة للهند فقد سبق لنيودلهي وأجرت تفجيرًا نوويًا قبل أكثر من عشرين عامًا وفي نفس المنطقة التي تم رصدها والتي لا تقف بعيدًا عن الحدود الباكستانية لكن ما تحمله هذه المعلومات من دلائل يكفي؛ لأنه يحدد التوجه النووي الهندي وعلاقاته بتطلعاتها وطموحاتها في المنطقة منذ استقلالها عام ١٩٤٧م.

البرنامج النووي الهندي

فمنذ عام ١٩٤٧، كان لدى جواهر لآل نهرو -رئيس وزراء الهند- رغبة جامحة في احتلال برنامج نووي لبلاده، وقد اختار لهذه المهمة منذ البداية نخبة من خبراء الفيزياء النووية الهندية بينهم «سي. في. راف» وهو حاصل على جائزة نوبل في الفيزياء عام ۱۹۳۰م، وفي عام ١٩٤٨م أي بعد عام واحد من استقلال الهند، طرح أعضاء البرلمان قضية البرنامج النووي الهندي للنقاش، وكان موقف جواهر لآل نهرو حاسمًا؛ إذ أكَّدَ دون مواربة أن برنامج الهند النووي ليس مادة للمساومة وأنه يجب أن يتطور بصورة مناسبة لاستخدامه في الأغراض السلمية، لكنه في نفس الوقت أكد أن ذلك لا يعني عدم استخدامه في أغراض أخرى إذا لزم الأمر، وتأكيدًا لأهمية البرنامج النووي الهندي لدى رئيس الوزراء جواهر لآل نهرو في ذلك الوقت، فقد حرص على أن يكون هو الرئيس المباشر لهذا المشروع، مؤكدًا على أن المتطلبات المالية واللاجنسية لن تكون عقبة أمام نجاح المشروع.

الدعم الغربي للبرنامج النووي الهندي

رغم التحفظ المهذب لبعض الدول الغربية إزاء البرنامج النووي الهندي -الذي لم يتجاوز حدود دعوة الهند للعمل على عدم اتساع رقعة الانتشار النووي في منطقة جنوب آسيا، إلا أن الواقع والتاريخ يؤكدان أن هذه الدول لعبت دورًا أساسيًا في بناء البرنامج النووي الهندي والوصول به إلى هذه المرحلة المتقدمة التي عليها الآن، ففي عام ١٩٥٤ صرح رئيس وزراء الهند جواهر لآل نهرو في خطاب له أن لدى بلاده علاقات متنامية مع مجموعة الدول الداعمة والمساعدة للبرنامج النووي الهندي وأن فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة وكندا والنرويج والسويد تقف في مقدمة الدول المساعدة في بناء البرنامج النووي الهندي، وقد تركزت المساعدة الفرنسية للهند في المجال النووي على بناء محطة لتصنيع النوريوم المستخدم في التقنية النووية، وهي المحطة التي افتتحها نهرو بنفسه قبل وفاته، أما الولايات المتحدة فقد باعت الهند عام ١٩٥٠م عدة أطنان من الماء الثقيل المستخدم في الصناعات النووية وخاصة فيما يتعلق ببرنامج الهند النووي في ترومباي، وعرضت بريطانيا على الهند في ذلك الوقت بناء محطة نووية هندية في منطقة -زير لينا وتزويدها بالمستلزمات الضرورية الفنية لتشغيله، وكذلك عرضت بريطانيا المساعدة في إقامة مشاريع نووية أخرى في الهند.

وتقدمت كندا بعروض مماثلة لبناء محطة نووية للهند في ترومباي، وقد كان واضحًا منذ البداية عدم تعهد الهند للأطراف الدولية المساعدة في بناء مشاريعها النووية العديدة بقصر أهداف وبرامج هذه المشاريع النووية على الأغراض السلمية فحسب، وهو أمر يعكس عمق الازدواجية في التعامل بين الهند والدول الإسلامية الأخرى التي حاولت بإمكاناتها القومية والمحلية بناء برامجها النووية إما لأغراض سلمية أو لتحقيق تكافؤ نووي في المنطقة كما هو الحال في جنوب آسيا بين الهند وباكستان أو منطقة الشرق الأوسط بين النظام الهندي والدول العربية.

إن موقف الدول الغربية من البرنامج النووي الباكستاني، الذي دائمًا ما يوصف بأنه البرنامج النووي الإسلامي وليس الباكستاني إشارة إلى طبيعة الدوافع الخبيثة التي تقف وراء رفض الغرب للبرنامج الباكستاني وهو رفض قائم على كراهية أن تتمكن دول مسلمة من امتلاك هذا النوع من القدرات النووية.

رغم الأزمات الاقتصادية الطاحنة التي تعاني منها الهند، إلا أن الحكومة الهندية أولت المؤسسة العسكرية وتوابعها اهتمامًا كبيرًا يعكسه حجم ما ينفق على هذه المؤسسات من أموال، وبطبيعة الحال فقد أثمرت هذه السياسة ومنذ فترة مبكرة قفزات توعية وكمية على مستوى التسليح النووي ففي عام ۱۹۸۸م، قدر المعهد الوطني للدراسات والتحليل -القوة النووية الهندية أن تتراوح بين ٣٠- ٥٠ قنبلة نووية، وتشير تقارير معهد استوكهولم للسلام أن الهند في السنوات الأولى العقد الحالي تجاوزت ۷۰ قنبلة نووية، وأن الهند بصدد الإعداد لامتلاك قنبلة هيدروجينية وهو ما يعكس حجم التطور النوعي الكبير الذي وصلت إليه الهند في مجال الصناعة النووية.

ونظرًا للعلاقة المتبادلة بين السلاح النووي وأجهزة التوصيل والمتمثلة أساسًا في الطائرات والصواريخ خصوصًا، فقد نجحت الهند في تحقيق ثورة تكنولوجية في مجال الصواريخ متوسطة المدى، فقد تمكنت الهند من بناء صاروخ يصل مداه إلى أكثر من ٢٥٠٠ كم ويستطيع حمل طن من الرؤوس النووية، ويوضح المدى البعيد لهذا الصاروخ حجم التطلع الذي تبديه الهند تجاه دول المنطقة فالصاروخ يمكنه أن يطول مجموعة دول الخليج وإيران وتركيا ومصر وأسيا الوسطى.

إن هذا التقدم التكنولوجي النووي والصاروخ الذي حققته الهند لم يحظ كما أثرنا من العرب سوى التحفظ المهذب، في الوقت الذي تتعرض فيه دول إسلامية أخرى لعقوبات اقتصادية وعسكرية وغيرها لإقدامها على إقامة مفاعل نووي في المنطقة.

إن تقارير الأقمار الصناعية حول وجود استعدادات هندية لإجراء تجارب نووية جديدة تؤكد تطلعات الهند في أن تصنع قوة مهيمنة في المنطقة وخاصة بين الدول الإسلامية لها وهو أمر يستدعي تضافر الجهود الإسلامية للتعامل منطقيًا مع هذه الطموحات الهندية بما يناسبها.

الهند ترفض الضغوط الأمريكية لوقف تجاربها النووية

واشنطن: محمد دلبح

تمارس الولايات المتحدة ضغوطًا على الحكومة الهندية في أعقاب ما ذكر أن الهند تبحث حاليًا إجراء بعض التجارب النووية في أعقاب قيام فرنسا والصين مؤخرًا بإجراء تجارب نووية متجاهلتين بعناد الرأي العام العالمي ومعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية.

وكانت آخر تجربة نووية أجرتها الهند في عام ١٩٧٤م، ومنذ ذلك الحين وهي ترفض الانضمام إلى المعاهدة الدولية، رغم إعلانها أنها تؤيد تلك المعاهدة منذ عام ١٩٥٤م، وعزت الهند رفضها توقيع المعاهدة إلى أنها تنطوي على تمييز ضد الدول التي لا تملك مخزونًا نوويًا، كما أن رئيس وزراء الهند ربط دعم بلاده لمعاهدة حظر إجراء التجارب النووية بموافقة الدول النووية الحالية على جدول زمني لنزع السلاح النووي.

وتقول مصادر أمريكية مطلعة إن واشنطن قد تنظر في تقديم بعض المساعدة للهند في مجال الأمن أو التجارة ونقل التكنولوجيا، وترى الولايات المتحدة أن الخطوة الهندية يمكن فقط أن تؤدي إلى زيادة التوترات في جنوب أسيا وتقويض قضية منع انتشار الأسلحة النووية وتقويض الأهداف التي تقول الهند أنها تؤيدها، وتوضح الولايات المتحدة أن من شأن قيام الهند بتجارب نووية جديدة أن يوسع نطاق التنافس النووي ويؤثر على النزاع حول كشمير التي كانت في قلب ثلاثة حروب جرت منذ استقلال الهند عام ١٩٤٧م.

وكانت خلافات سياسية نشأت بين الولايات المتحدة والهند حول جملة من القضايا تتراوح بين كشمير وانتشار الأسلحة النووية، مما أدى إلى توتر في العلاقات بصورة جدية بين البلدين في الأسابيع الأخيرة رغم الروابط الاقتصادية المتنامية بينهما.

ويرى مراقبون أن العامل الرئيسي في تدهور العلاقات يعود إلى موافقة الكونجرس الأمريكي على خطة من البيت الأبيض لبيع أسلحة ذات تكنولوجيا متطورة بقيمة مئات الملايين من الدولارات إلى باكستان، وقد انتقد رئيس الوزراء الهندي نارسيماراو - الذي يواجه مستقبلًا سياسيًا غير مؤكد في الانتخابات التي ستُجرى في الربيع المقبل -الولايات المتحدة لأول مرة منذ توليه السلطة في عام ۱۹۹۱م، وقال إن قيام الولايات المتحدة بإعادة تسليح باكستان سيؤدي إلى إثارة «سباق تسلح في جنوب آسيا منذ نهاية الحرب الباردة».

كما أن الخلافات بين البلدين حول حظر التجارب النووية بموجب مفاوضات مؤتمر جنيف حول نزع السلاح أضافت مزيدًا من التوتر في العلاقات الهندية الأمريكية، ولم يجب رئيس وزراء الهند على رسالة بعث بها إلى الرئيس الأمريكي بيل كلينتون تسعى إلى دعم الهند في إبرام مبكر لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية.

وقد أعرب مسؤولون وزعماء معارضة هنود عن امتعاضهم من تقارير سربتها المخابرات المركزية الأمريكية نشرت في نهاية منتصف الشهر الماضي في الصحافة الأمريكية بأن الهند بصدد الاستعداد لإجراء أول تجربة نووية لها خلال ۲۱ عامًا في موقع في شمال غربي صحراء راجستان.

وقال مسؤول هندي كبير -طلب عدم الإفصاح عن هويته- إن هذه التقارير زرعت من قبل وزارة الخارجية الأمريكية في محاولة لزيادة الضغط على الهند من أجل المصادقة على الاستراتيجية الأمريكية الخاصة بحظر إجراء تجارب على الأسلحة النووية، وقال زعيم المعارضة الهندية جاسوانت سينغ: «إن الهند لا يمكن أن ترغم على تأیید معاهدة لحظر إجراء تجارب على الأسلحة النووية من خلال هذه الأساليب».

ومما يذكر أنه في السنوات الأخيرة حين ألغت حكومة الهند الحواجز التجارية والاستثمارية انتعشت العلاقات الاقتصادية الثنائية بين الهند والولايات المتحدة، وبرزت واشنطن باعتبارها أكبر مستثمر في الهند، وقد زار عدد كبير من المسؤولين الأمريكيين وكبار رجال الأعمال الهند للاستفادة من الفرص التجارية الجديدة، وسوف يقوم وزير التجارة الأمريكي رونالد براون بزيارة إلى الهند في وقت لاحق من الشهر الجاري، كما سيقوم وزير الزراعة الأمريكي دان غليكمان بزيارة مماثلة.

ويقول محللون سياسيون: إن المصالح الاستراتيجية الأساسية التي يشترك فيها الجانبان هي أكبر من الخلافات التي تفرق بينهما، وينتظر أن يقوم رئيس هيئة أركان القوات الأمريكية الجنرال شاليكشافيلي بزيارة إلى الهند في أوائل العام الجاري لتحسين العلاقات الاستراتيجية بين البلدين..

الرابط المختصر :