العنوان الهوامش الثقافية تلهث في الوقت الضائع
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 13-أكتوبر-1992
مشاهدات 64
نشر في العدد 1020
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 13-أكتوبر-1992
معالم على الطريق: يقظة الذاتية الإسلامية ونقد الخطاب المستغرب
صعود الذاتية الإسلامية في وجه الغزو الثقافي
الخطاب الثقافي
الحضاري للأمة الإسلامية اليوم يسير بخطوات ثابتة ومتزنة بعد تهميش وتسطيح استمر
زمنًا بفعل الغزو الثقافي ودعاته من المستغربين الجدد.
والذاتية
الإسلامية بدأت اليوم يعود لها ثقلها وبريقها وأصالتها في نفوس المجتمع المسلم بعد
هجوع ليس بالقصير، ذاقت فيه الأمة الإسلامية كثيرًا من الهوان والشرود والقهر.
وبدأ المنهج الإسلامي الفريد يزيح ركام الوهم عن عقول فئة من الناس، ويغسل غبار
الجهل عن جبين فئة أخرى. ويكشف دجل المشعوذين في الساحة المهجورة الخالية إلا من
خيالات السحرة وكهان الضلال.
نحن نعرف أن
العالم الإسلامي هجع نومة المخمور، ونام نومة المغرور المفتون اللاهي، حتى قفز
عليه أعداؤه واستباحه خصومه. ثم تململ المارد وأفاق المخمور وارعوى المغرور وتنبه
اللاهي، فسارع أعداؤه وبذكاء العارف بطبيعته إلى إسلام أمره إلى فئة مستغربة من
جنسه وثلة مدجنة من بني جلدته، ولكنهم مفصولون عنه شعورًا وثقافة وتوجهًا، وأعطوهم
الألقاب وقلدوهم النياشين ومكنوهم من وسائل التوجيه والإعلام والتعليم والريادة.
فهمشوا التوجه، ولفتوا العقول، ومنعوا الفكر، وشغلوا الأمة عن الغايات، ووقفوا بها
على سراب التقليد وأبواب العمالة الفكرية، يدعون الأمة إلى الركوع والخضوع
والتبعية. فوقعوا في أخطاء مميتة نذكر منها على سبيل المثال:
أخطاء الفئة المستغربة ونقاط ضعفها
1- الانفصال عن المشروع الإسلامي الحضاري: الذي يشتمل على الانبثاق الذاتي للعطاء العقلي
والعلمي والنفسي الذي به تنهض الأمم وترتقي وتبدع. بل ولم يقتصر الأمر عند هذا
الحد، بل تعداه إلى معارضة هذا المشروع ومعاداته.
2 - الترهل والفقر العقلي: الذي أصاب هذه الفئة، فما استطاعت أن تقدم
مشروعًا حضاريًا بديلًا ينهض بالأمة ويسد الفراغ العلمي والثقافي والنفسي، رغم
ادعائهم العلمانية أو التفكير العلمي والالتجاء إلى العلم. وهذا ما دعا رجلا منهم
مثل فؤاد زكريا يقول: «وهكذا نلمس بوضوح الفارق بين التيار الإسلامي المعاصر
والاتجاه العلماني الذي يتصدى له، فالتضاد بينهما ليس تضادا بين مشروعين، وإنما
هناك مشروع إسلامي من ناحية ومحاولات دفاعية لنقد هذا المشروع وبيان نقاط ضعفه من
ناحية أخرى، وليس تضادًا بين أيديولوجيتين؛ لأن هناك أيديولوجية إسلامية تختلف
تياراتها في بعض التفاصيل، ولكن الاتجاه العام والاستراتيجية البعيدة المدى
متقاربة، وهناك من جهة أخرى مجموعة من الأيديولوجيات الشديدة التباين التي لا يجمع
بينها سوى رفض الحل السياسي الإسلامي». بل أصبحت هذه الفئة لا هم لها سوى إطلاق
الشعارات والصياح هنا وهناك، والحديث عن الاغتراب الثقافي، وأزمة الثقافة العربية
والفراغ العقلي والردة الحضارية وهيمنة الرجعية العربية والزحف الظلامي والتسلل
الثيوقراطي، والعداء للحداثة، إلخ. يريدون بذلك لمز العاملين في الحقل الإسلامي.
يمكن قراءة المزيد عن نقد الخطاب العلماني في مؤلفات فؤاد زكريا.
3 - قتل الرأي الآخر: في المنتديات الثقافية، والمؤتمرات الفكرية
والمؤسسات الإعلامية والحياة العامة، ونفي وجوده، وعدم دعوته ابتداء إلى المشاركة
في أي نشاط فكري أو اجتماعي.
4- التناقض في شعار الديمقراطية: كثير منهم ممن يرفعون شعار الديمقراطية يتهمون
غيرهم بشعاراتها وهم غير صادقين في التزامهم بجوهرها، وهو احترام حق الشعب
وإرادته، والالتزام بما يعبر عنه من اختيار حضاري في انتخابات حرة نزيهة. وما جربته
الجزائر ليس عنا ببعيد.
5- الوقوع في مصيدة الدكتاتورية: وتوليهم الدفاع عنها في مواجهة الرافضين لها
والمكافحين للمظالم الاجتماعية والسياسية على أرض الواقع العربي.
6- التذبذب الفكري: تذبذبهم
بين المذاهب الدخيلة التي يهدمون بهم تارة، وتلفظها المجتمعات تارة أخرى، مثل
الشيوعية والبعثية والقومية، مما يوحي بضياع ثقافي وتذبذب للهوية.
خاتمة ودعوة للمراجعة
لهذا وغيره يُخَيَّلُ
إليّ أن هذه الهوامش الثقافية تلهث في الوقت الضائع ولا تستطيع اللحاق بالمشروع
الإسلامي الواعد، فيلزمها الكثير والكثير جدًا من التأمل والمراجعة!!