; الوحدة - الحقيقة - الأمل هل تكون؟ | مجلة المجتمع

العنوان الوحدة - الحقيقة - الأمل هل تكون؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 18-يونيو-1996

مشاهدات 51

نشر في العدد 1204

نشر في الصفحة 45

الثلاثاء 18-يونيو-1996

إذا قدر لك أن تسأل أي إنسان عربي عن الوحدة العربية، فإنه يجيبك بدون تحفظ وعلى الفور، فيقول: أمل الجماهير وغايتهم وطموحاتهم، وليس هذا أملًا سطحيًّا، أو قشريًّا، وإنما هو في عمق الإنسان العربي يكون قطعة منه وجزءًا من فؤاده، ولهذا وعت السلطات العربية هذا التوجه وذلك الهيام، فداعبت أفكار شعوبها بترديده، ووضعته في صدر دساتيرها، وأولويات مبادئها، فتجد شعارات الوحدة والحرية والديمقراطية تلفت نظرك وتقرع أذنك أينما ذهبت، وحيثما قرأت لينام الناس بأحلام الوحدة واجتماع الكلمة، ويحلمون أحلامًا سعيدة في ظلالها، ويستيقظون على أناشيدها وأهازيجها الشجية، ولكنهم . والحق يقال - لم يروها في اليقظة أبدًا، أو في الحقيقة ولو مرة واحدة فكيف هذا؟ ولماذا؟ «الله أعلم» كلمة تدلك على أن القاتل مجهول والمستور مستور، لأن ذلك من القضايا الشائكة التي لا يجوز لأحد في زماننا العربي المبارك أن يتكلم فيها أو يتحدث عنها، وإن ضاعت أمانة الكلمة، أو كبتت الشهادات على جرائم العصر.

والحقيقة التي يجب أن يعيها كل إنسان أن الكاتب في قضايا الأمة العامة ليس عدوًا لأحد ولا خصمًا لجهة، وإنما هو ناصح ومشفق وغيور، يريد الخير لأمته، ويؤلمه ما يؤلمها، فيجب ألا يصنف تصنيفًا معينًا، أو يوضع في خانة الأعداء؛ لأن الأمر بالنسبة إلى قضايا الأمم والشعوب ليس أمر موقف يتخذه الكاتب أو رأي يسجله، وإنما هو مشاركة، ومسؤولية والتزام بالغير عن طريق الكلمة، لذلك فإن إعادة القول والإلحاح والنصح في مثل تلك القضايا لا يمكن أن يحرج منه صاحبه، وإن أصابه بعض الشرر، وإنما هو إصرار على التذكير بما ينبغي، والتزام أخلاقي. لا فكاك منه بمواصلة السعي من أجل التغيير، ولأن ذلك مسؤولية والتزام بالنصح والتوجيه عن طريق الكلمة والبيان، ولولا الإيمان والحب والتفاني والإخلاص لقضايا الأمة، والتي يتناولها الحوار وإبداء الرأي في جوانبها المختلفة والتي تتصل مباشرة بتأمين مصالح العرب والمسلمين جميعًا في يومهم هذا، وفي غدهم القريب، ومستقبلهم البعيد، لولا ذلك كله لرددنا القلم والفكر عن تلك الموضوعات الشائكة ولصرفناه إلى أحاديث أخرى أسلم مدخلًا وأيسر مخرجًا، وأقل إثارة للعواصف، ولكن الأمة العربية خصوصًا والإسلامية عمومًا تعيش مرحلة من تاريخها عامرة بالحركة وبالتوجهات زاخرة بالمشاكل والعقبات والأزمات والنكسات بالغة التأثير على مصيرها وعلى مستقبلها، فاقتضى ذلك أن يقوم كلٌّ بمسؤوليته، وأن يتحمل دوره في هذه الفترة؛ حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

والحقيقة أن أمل الأمة في الوحدة الحقيقية وجمع الكلمة العربية ليس وهمًا باهتًا، ولا سرابًا خادعًا، وأن حالة التجزئة والتشرذم التي تمر بها المنطقة ليست ضربة لازب، ولا واقعًا أبديًا لا فكاك منه، ولن يكون الفشل الذي انتهت إليه التجارب السابقة قدرًا حتميًا أو نصيبًا مقسومًا، يمنع أية محاولة لاحقة، أو تقدم في هذا المجال، فالدراسات العلمية كلها تؤكد أن الوطن العربي من أكثر مناطق العالم استعدادًا وتقبلًا لقيام وحدة حقيقية فاعلة بسبب وفرة المقومات الأساسية لذلك، والاختلافات الموضوعية القائمة بين ظروف البلدان العربية المختلفة في تركيبها السكاني وبنيتها الاجتماعية، ونظامها السياسي، وعمقها الحضاري، وفي ثروتها ونظامها الاقتصادي، ثم في علاقاتها الدولية والخارجية التي يمكن رصدها وتسجيلها وفهمها، والتغلب على كل ما يظهر فيها من عقبات قليلة، والمشاكل العارضة التي قد تطرأ بين الدول العربية المختلفة، مثل الاختلاف حول موقف تكتيكي، أو تعارض بين بلدين أو تنافس على التأثير في مجال عربي أو دولي، هذه المشاكل وغيرها ممكن أن تعالج بالحوار - والإخلاص، ولا تعالج بالتراشق الإعلامي الذي يغيب عنه المنهج، والذي يكون أساسه الدفاع المطلق المنفعل عن الذات، وتبرير كل ما يصدر عنها، والنقد المطلق للغير، واتهامه وتجريحه في كل ما يخالف الأهواء والرغبات، حتى إذا ما انكشف الغبار، تبين ضحالة القضية، وضياع الأوقات فيما لا طائل تحته، فضلًا عن بلبلة الشعوب، وفقدان أجهزة الإعلام للمصداقية في الأمة، وفقدان من وراءها للتأثير والاحترام، وإذا أردنا في الحقيقة أن نكون واقعيين في طرحنا للمشكلة ومحاولة إيجاد الحلول لها، فإننا يجب - أن نضع منهجية وقواعد وأصولًا لجمع الكلمة، ثم الوحدة بين شعوبنا العربية المشتتة وغير القادرة على الاتفاق على أقل القليل من جمع الكلمة أو التوحد ولو حتى على بعض القضايا المصيرية، أما أن تصبح الأمور عفوية أو تأثيرية آنية، فإنها - ولا شك - سيكون لها بعض الفوائد، ولكنها بعد ذلك لا يمكن أن تؤدي الدور المنوط بها، خاصة ونحن أمام عدو غادر قوي مؤيد بقوى عالمية، خاصة وأن موقف العرب من تلك القوى المؤيدة للعدو لم يعد موقفًا موحدًا، أو منسقًا لتوزيع الأدوار، ولا حتى موقفها من العدو نفسه أصبح كذلك، وهذا يعني أن أطرافًا عربيةً عديدةً يمكن أن تستخدم - بوعي أو بغير وعي-  في لعبة السياسة العالمية للدول الكبرى، ويمكن بذلك أن يتفتت الكيان العربي من ناحية العدو ومن ناحية وزنه الدولي، وأن تتهاتر سياسات الدول العربية المختلفة نتيجة لتوزعها وهرولتها هنا أو هناك، ونتيجة لانفرادها وخفة وزنها، فيعاملها العدو وقبيله بالترغيب أو الترهيب؛ لتركع وتستسلم حتى ضد مصالحها، فضلًا عن مصالح الأمة ومستقبلها، ولهذا وجب أن تكون لوحدة الكلمة في الأمة ملامح ومنهجية لتأسيس وحدة تكون على كلمة سواء، من تلك الملامح:

1- أن تجمع كل دولة شتاتها وتوحد شعبها، وتنهي الخلافات بين أفرادها وتوجهاتها، حتى تستقر، ثم تفسح للحريات مجالًا؛ لتكون المشاركة الشعبية متفاعلة مع المشاركة الرسمية وسندًا لها.

2- المسارعة في تنقية الأجواء العربية، وفتح الحوارات، وإقامة ارتباطات عضوية وتجارية وتربوية؛ حتى لا ينصرف العرب إلى حوارات أخرى مع العدو أو مع أطراف أخرى في أمريكا وأوروبا، للحماية أو المناصرة وغير ذلك.

3- أن تكون هناك مرجعية فكرية وتربوية للأمة، تدور عليها ثقافتها، ويؤسس عليها مشروعها الحضاري، حرصًا على هوية الشعوب وتوحدها الفكري والثقافي وتوجهها الحضاري.

4- ضرورة البحث عن الكفاءات العربية والإسلامية والاستفادة منها في التنمية؛ حتى تتحرر الإرادة العربية من الضغوط الاقتصادية، وتصبح الإنتاجية والتكامل هدف الجميع. 

5- لا بد من التفكير في إنتاج السلاح والعمل على الكفاية العسكرية منه وموازنة التسليح للدفاع عن الأمة، حتى لا تكون تحت تأثير الردع العسكري للعدو، أو التهديد بتدمير بنيتنا التحتية ومنجزاتنا الصناعية في لحظات مجنونة لعدو غادر.

 ٦- أن تكون هناك محكمة، أو آلية لتنقية الأجواء وردع الخارج عن الإجماع العربي ومعاقبة كل من تسول له نفسه ضياع هيبة الأمة ومكتسباتها، وبعد.. فهل تتوحد الأمة، ويشد كل منا عضد أخيه وصدق القائل:

ومن يكُ ذا عَضُد يدرك ظلامته *** إن الذليل الذي ليست له عضد

 نسأل الله ذلك..

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 14

82

الثلاثاء 16-يونيو-1970

كونوا مسلمين!

نشر في العدد 14

82

الثلاثاء 16-يونيو-1970

مجتمعنا- العدد 14

نشر في العدد 21

82

الثلاثاء 04-أغسطس-1970

لن تموت