; الوحدة الوطنية الدينية | مجلة المجتمع

العنوان الوحدة الوطنية الدينية

الكاتب الدكتور حسن الترابي

تاريخ النشر الثلاثاء 08-أكتوبر-1985

مشاهدات 65

نشر في العدد 736

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 08-أكتوبر-1985

إن الوحدة الوطنية تشكل واحدة من أكبر همومنا، وإننا في الجبهة الإسلامية في السودان، إنما نتوصل إليها بالإسلام، فهو الحق المطلق الذي يجتمع عليه كل أتباع الملة المحمدية، وهو أيضًا على أصول الملة الإبراهيمية، التي تجمعنا مع المسيحيين بتراث التاريخ الديني المشترك، وبرصيد تاريخي من المعتقدات والأخلاق والأحكام المتوافقة في أغلبها. ولئن كان بعض المتدينين، ينفعل بذكرى صراعات وحروب تاريخية منشؤها العصبية الدينية في أوروبا، فإننا لا نرى الدين عصبية عداء، بل وشيجة إخاء في الله الواحد، ولا حمية ضر، بل داعية بر بين بني الإنسان. ولئن كان بعض الخبثاء يريدون الاستشكال بوضع غير المسلمين، ذريعة إلى تعويق إرادة الأغلبية المسلمة أن تعبر عن نظامها الشرعي دون إضرار بغير المسلمين، ولئن كان بعض الغرباء يريدون مسخ أصالتنا ونسخ استقلالنا، بذريعة الوصاية والحماية لغير المسلمين.. فإننا برابطة الإيمان بين أهل الدين كافة أقرب مودة وأقوى صلة من أن تنال منا مكائد الخبثاء والغرباء.

 

وإننا لنرجو أن يطمئن أهلنا ومواطنونا من أهل الكتاب عامة، والمسيحيين خاصة، على أن أصول ديننا التي هي كما قدمنا أقرب إلى أصول دينهم تسعنا وتسعهم، بما لا يتسع دستور على وجه الأرض. نحن وهم أهل رسالة سماوية تنتسب إلى سلالة من الرسل الصالحين: محمد بن عبد الله، وعيسى روح الله، وموسى كليم الله، وسائر إخوانهم المرسلين عليهم السلام من الله والرضوان، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (الشورى:13)... ومن شروط الإيمان عند المسلمين، أن يرعوا مقومات هذه الوشيجة الدينية، ويحترموا رسالات السماء ولا يفرقوا بين رسل الله ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (البقرة:285).

 

وتأسيسًا على ما تقدم كفل الإسلام في أصوله وأحكامه حرية العقيدة والثقافة والحياة الخاصة للمسلمين وغيرهم من أهل الكتاب، كل بما تقتضيه عقيدته، قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة:256). وكفلت أصول الإسلام وشرائعه للمواطنين من المسلمين وغيرهم من أهل الكتاب الحقوق العامة المتساوية، ما التزموا بالواجبات العامة في الدولة والموالاة بعضهم لبعض، فلهم ما لنا وعليهم ما علينا. بل إن الإسلام لم يقف عند تفصيل الحقوق والواجبات العادلة، وإنما دعا إلى تجاوز العدل القانوني نحو فضيلة الأخوة والبر والقسط.. ﴿أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. (الممتحنة: 8)

 

وما نقره في هذه الكلمات، ليس ضربًا من الأصول النظرية المجردة ولا الشعارات الخادعة، بل هي قواعد إيمانية، طبقها المسلمون منذ أول دستور مكتوب عرفه العالم، لدولة المدينة التي جمعت المسلمين وغير المسلمين. وقد سار المسلمون على هدى الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك إلى يومنا هذا، ولم يشهد خلال ذلك المسيحيون ولا اليهود اضطهادًا ولا ظلمًا في أي مجتمع مسلم. وتاريخ المسيحية والإسلام في السودان القديم والحديث شاهد على ذلك.

 

ولم تطرأ مظنة الجفوة المفتعلة بين الفريقين، إلا عندما حاول المستعمر أن يقوي قبضته السياسية والحضارية بإلقاء الفتنة مستغلًا في ذلك الاختلاف الديني، أو بعد أن أصبح أعداء التدين، من الشيوعيين وغيرهم يتحدثون باسم المسيحيين في مواقفهم ضد الشريعة. ولا نزال بخير ما اعتصمنا بوشيجة الإيمان، وما أدركنا ببصيرته مكر المستغلين وخبث الملحدين، وما دام ولاؤنا لله الواحد ولقيم السماء الواحدة، وما كان همنا من بعد ذلك موجهًا لمصلحة هذا الوطن المشترك. وإننا في الجبهة الإسلامية القومية، لملتزمون بما ألزمنا به الله، وبما أورثنا له السلف الصالح، وما تقتضيه المصلحة العامة، من ضرورة المساواة والعدل في الحقوق والواجبات لكل من يوالينا ويواطننا من أهل الكتاب.

 

أما في مسألة الجنوب، فإننا نقدر أن العامل الديني ليس في كثير من الأحيان إلا ذريعة لترويج الفتنة وتزوير الحقيقة، فقد لازمتنا المشكلة وثارت في مرحلتها الأخيرة قبل تطبيق الشريعة وورود الوهم بأنها من دواعي الخلاف، إن أصل الأزمة بين الشمال والجنوب إنما يكمن في القطيعة النفسية بين أهل الشمال وأهل الجنوب، وقد تأتت هذه عن سياسة متعمدة سنها الاستعمار وكرسها الإهمال، وتأكدت بانقطاع في وسائل الاتصال والنقل، منع التحام المجتمع الوطني كله في بؤرة وطنية واحدة. وبذلك انفتحت ثغرات لسوء التفاهم حول القضايا الطارئة، وأصبحت كل مظلمة أو مسألة تتطور إلى أزمة وطنية ثم إلى حرب أهلية.

 

وإننا في الجبهة قد سعينا لتحقيق ذلك الالتحام بتأسيس بنائنا التنظيمي على مشاركة صادقة من أول يوم بين أبناء الجنوب والشمال المؤمنين بأهداف الجبهة. وبذلك نرجو أن يتفاعل المواطنون عن اتحاد وتقارب، وألا يتناظروا عن انقطاع، وتباعد، ولن نجد حرجًا أو عسرًا بعد هذه الوحدة أن نرتب بين الشمال والجنوب أو سائر الأقاليم معادلة مقبولة لقسمة السلطات لأي مدى مناسب إقليميًا أو فيدراليًا بين الحكم المركزي واللامركزي، أو لرسم الحدود الإدارية في أقاليم الجنوب والشمال ولايات أوسع أو أضيق، كقطاعات أوسع أرضية الأقاليم لتوزيع الثروات والاعتمادات بما يستدرك تخلف المظلومين من أهل الأقاليم، أو لتنظيم المناصب والحقوق الدستورية والقانونية العامة على أساس من المساواة لكل مواطن، مهما كانت ملته الدينية أو إقامته الجغرافية.

الرابط المختصر :